حوارات وتحقيقات

الشاعر والناقد علي شبيب ورد لـ الحقيقة: الواقع النقدي تعصف به رياح التغيير والهامش مازال هامشاً

حين تذكر الواقع الثقافي في الناصرية، ينط اسم الناقد والشاعر علي شبيب ورد كواحد من المهتمين بديمومة الحراك الثقافي في تلك المدينة المشبعة بالثقافة، كما انه ومن خلال مشروعه الشعري ومشغله النقدي، مازال يمنح المشهد الثقافي العراقي بصورة عامة الكثير من الرؤى التي تبثها منظومة وعيه، فضلاً عن كونه مستمرا بالعطاء وانتاج النص الثري، ولمعرفة اخر اشتغالاته ورؤاه كان لنا معه هذا الحوار.

حاوره – عدنان الفضلي

*بين الشعر والنقد أين تجد نقطة اقترابك؟

– في الشعر طبعا ألتقي أكثر بالذات العارية، تلك الذات المانحة أبدا لمن حولها، جُلَّ ما تمتلكه من وقت وطاقة وجهد وصولا للتطلع والنشدان والنَيل. وبعري هذه الذات وحده، أنتهز فرصة نفاذي للقصيدة، التي تمنحني عالما من الحرية، وقدرة على اعتلاء ناصية الهيمنة على الكون النصّي المفترض، بحركة لون الحروف على بياض الورق. غير أن الشعر وعالمه الوعر، لا يمكن أن يكون مطواعاً على الدوام، والقصيدة غالبا ما تتمنّع على كاتبها، لذا نبحث عن مسالك أخرى للتعبير الإبداعي، ومنه النقد. وفيه تجدني أكثر ابتعادا عني، وأكثر اقترابا من عوالم الآخرين، وبهذا الابتعاد، أكتشف معاناة الآخر، وفيه أنال فسحاً للتأمل المفضي إلى المقاربة بين معاناتي ومعاناة الآخرين.    

*الواقع الثقافي العراقي.. كيف تنظر له؟

– نتيجة لتأثره بالراهن العراقي، يعاني الواقع الثقافي من عدة معضلات بعضها متوارث من الماضي والآخر مكتسب جراء تداعيات فوضى المرحلة وضبابيتها. ويمكن إيجاز هذه المعضلات بعدة مؤشرات، منها ما يتعلق بحرية التعبير، إذْ مازال مثلث الحظر(السياسة/ الجنس/ الدين) نشيطاً في ردعه الرهيب للخرق الإبداعي. بل يتدخل بقوة لجذب كتاب طارئين يتطوعون لخدمته أملاً بالشهرة، عبر سحب البساط عن الكتاب الأكثر إبداعا منهم. كذلك فإن البنى التحتية للقطاع الثقافي، تعرضت للتخريب، وتعاني من شلل عام، وتشهد تدنيا ملحوظا في كفاءتها الأدائية للنهوض بالواقع الاجتماعي العام. وهذا يتطلب تمويلا يتناسب وجسامة المهام الملقاة على عاتق المؤسسات الثقافية للقيام بدورها الخطير في التقدم والنمو الاجتماعي. وهذا لن يتم دون رؤية إستراتيجية خلاقة، على مستوى التخطيط والتشريع والتنفيذ للبرامج والمشاريع التي من شأنها الارتقاء بالثقافة.

  *ماذا عن الواقع النقدي؟

– الواقع النقدي عموما، تعصف به رياح التغيير، والنقاد عموما وعبر كل الأزمنة، عادة ما يتوزعون على تيارين كبيرين، الأول محافظ والثاني متحرر. التيار الأول تحكمه جملة ثوابت يتهيب تجاوزها بوصفها مقدسات لا يجوز المساس بها. وغالبا ما يتصدر هذا التيار بعض أساتذة الجامعات (التقليديين) من الذين يتعاملون مع النقد ومناهجه وفق سياقات مدرسية. وجل اهتمامهم ينصب على حراسة المصطلحات النقدية ومواجهة من يحاول تطويعها، خدمة لرؤيته النقدية، وكذلك من لا يكثر من الأسانيد الجاهزة. فيما لا يخلو التيار الآخر من الطارئين والمتطفلين، الذين لا يتمتعون بخزين معرفي يؤهلهم للحراك بجدارة في هكذا مضمار مليء بالوعورات والعتم. والعمل النقدي الجاد يظل عاجزا عن متابعة غزارة المنجز الإبداعي، ولعدم توفر مؤسسات تؤرشف وتفحص المنجز النقدي، سيبقى متفرقا وحبيس الجهود الفردية. كما أن صعوبات طبع وتسويق الكتاب النقدي، تعرقل وضوح نشوء تحولات أكيدة، في الحركة النقدية.

  *المهرجانات الثقافية.. هل تضيف لواجهة وعمق الثقافة العراقية ألقا؟

– من المؤكد أن الأنشطة الثقافية، ومنها الملتقيات والمؤتمرات والمهرجانات، تساهم في تمتين الروابط الاجتماعية والمعرفية بين المثقفين العراقيين أنفسهم من جهة، وبينهم وبين غيرهم من العرب والأجانب من جهة أخرى. والمهرجانات من شأنها أن تزيد الثقافة العراقية ألقا، عبر البحوث والدراسات التي تتناول مختلف الشؤون الثقافية. كذلك إعادة قراءة الموروث الثقافي بكل تنويعاته وتحولاته، مما يفضي إلى تمرين الذات المنتجة على استقبال الآخرين المخالفين لها والتكيف للتعامل معهم بمرونة مثلى. إن التأمل الفاحص لمنجز الآخر المختلف، ربما يفتح آفاقا جديدة لإعادة النظر في تصوراتنا وتصرفاتنا تجاه الآخر. بل ربما يكشف لنا عن فضائح أوهامنا الراسخة منذ أزمنة، بفعل الطرد المتوارث لمنجز الآخر دون مبرر مقنع. ولهذا فالملتقيات تعمل على تفتيت جدران التقاطع والتناحر مع الآخر، وتختصر الأزمنة لإكساب الثقافة العراقية ألقا   مظهرا وجوهرا.

*هل مازال مصطلح المركز والهامش شائعا؟

– أجل كان ومازال ويبقى ماثلا أمامنا مصطلح المركز والهامش، لأسباب شتى، ويتطلب أزمنة أخرى كي يتوارى عن الحضور المؤسف. وقد تجمعت ظروف عدة، لتكريس وجوده المتواصل، وبات من العسير على احد نكران وجوده، وهو يقطع جسد الثقافة العراقية إلى مناطق بطولات واهمة ومناطق كورس قاتمة. وبنظرة فاحصة لسفر الثقافة العراقية، نجد أنه عادة ما تعمل الماكنة الإعلامية على إنتاج هالات إضاءة، لتبضيع الأنشطة الثقافية في المركز. في حين- ولعدة أسباب- تترك أنشطة الهوامش، غارقة بأمواج متلاطمة من العتمة، فهي تسوّق أحيانا أنشطة أقل أهمية من أنشطة الهوامش التي تنوء بأعباء الإهمال على الدوام.

*  الواقع الثقافي في الناصرية.. كيف تنظر له؟

– مع تشابه الواقع الثقافي لأغلب محافظات العراق البعيدة عن العاصمة، غير أن الناصرية واحدة من أكثر المدن التي تعرضت لأعباء ضراوة الماضي. غير أن الواقع الثقافي لها الآن يعاني من أعباء ضراوة الماضي(المتوارث) والحاضر(المكتسب) معا. إذْ مازلت نظرة السياسي للثقافة قاصرة، وبسبب تصوراته الحزبية والعرقية والطائفية، يرى فيها تجاوزا على مختلف ثوابته السرمدية. لذا نجده يتعامل معها وفق منطلقاته المحرِّمة والمانِعة بل والقامِعة للحراك الثقافي، فيبحث عن المثقف الخادم لمصالحه الضيقة تلك. لذا فالواقع الثقافي في الناصرية يعاني من عراقيل حراك وانتشار متنوعة، ومن عدة جهات عصية على الاستجابة لأهدافها الإنسانية. فهي من جهة تعاني من غياب فلسفة سياسية للثقافة العراقية عموما، وكذلك من النظرة الضيقة لأصحاب القرار في الحكومة المحلية، وأيضا من احتكار المركز لأهم البنى الارتكازية الثقافية والتمويل والمؤسسات الإعلامية. ورغم هذا لا يخلو الوسط الثقافي في الناصرية الآن من عدة مبدعين وضعوا بصماتهم على ذاكرة الثقافة العراقية والعربية.  

  *المسار الشعري في الناصرية.. كيف تقرأ واقعه؟

– الناصرية مدينة حاضنة لتراث معرفي هائل، بوصفها تعيش على كنز حضاري يمثل طفولة الفكر البشري بشتى تنويعاته. والشعر السومري الشفاهي والمدون ظل يمد الأجيال الشعرية في هذه المدينة، بنسغ الأصالة المثري لمحاولات التجديد. وكانت ولاتزال موطنا للإبداع الشعري على مرّ الأزمنة، حيث ولد وترعرع فيها شعراء لامعون في سماوات الإبداع. والمسار الشعري للناصرية كما هو مسار الشعر العراقي الآن، تتعايش فيه عدة أشكال شعرية ابتداء بشعر التفعيلة بنوعيه (العمودي والحر) ومرورا بقصيدة النثر ومن ثمّ تداعيات تحولاتها الكتابية اللامحدودة. ورغم أن المدينة لا توفر للشاعر فضاءات ممكنة للتطور والانتشار، غير أنها لا تفتقر إلى أصوات شعرية متنوعة في انتاج أشكالها، تمكنت من تسويق جهدها الإبداعي إلى مديات عراقية وعربية وحتى عالمية. ولنا أن نذكر أهم الأصوات الشعرية الجادة في الناصرية، مثل: رسمية محيبس زاير/ أجود مجبل/ علي شبيب ورد/ رزاق الزيدي/ خضر خميس/ حيدر عبد الخضر/ علي مجبل الخفاجي/ عبد جبر الشنان/ ناجح ناجي/ عدنان الفضلي / محمد الحافظ/ أمير ناصر/ وسواهم. وهناك أصوات شعرية قادمة بعضها يعد بالكثير، مثل: خالد خشان / علي الشيّال/ حازم عجيل/ أحمد ساجت شريف/ صادق مجبل/ وربما غيرهم.

  *هل تعاني الناصرية أزمات ثقافية؟ ما  أبرز تلك الأزمات؟

– لعل الناصرية واحدة من أكثر المدن التي تعاني من أزمة أو إشكالية ثقافية، بوصفها تستبطن نصوصَ الأسئلة البكر للسفر البشري. وهذه النصوص المدونة على الطين، تتطلب من أصحاب القرار أن يُبعِدوا عنها عراقيل الرؤية القاصرة، التي تجد في هذا الموروث ما لا يتناسب وتوجهات الدين السياسي ضيقة الأفق. لذا فان هذه الرؤية تشكل خطرا ماثلاً، على التطور المحتمل لهذه المدينة والمنطقة عموما، بعد تزايد الحراك السياحي المتوخّى. فعلى المخلصين من أبنائها تقع مسؤولية التوجه الجاد والعملي، لإعادة الاعتبار لتراثها العظيم، الذي تنافست الحكومات السالفة على نفيه ومنع أية محاولة للتنقيب الحقيقي عنه. ومن هنا يفترض بالحكومة المحلية أن تبتعد عن ازدواجية النظرة تجاه هذا الكنز الحضاري، والعمل على الإفادة منه كثروة وطنية تنافس الثروة النفطية. إن الحملة الشاملة المتوخاة لتخطيط وتنفيذ المشاريع الخدمية والتطويرية للمعالم الآثارية في المدن السومرية ومناطق الأهوار، لها الأثر البالغ في تخليص المدينة من عطلها الثقافي. وهذا المنحى يفتح آفاقا جديدة للوسط الثقافي في المدينة لابتكار وسائل شتى للخروج من أزماته الأخرى، والتي تهيمن على مفاتيح حلولها، الرؤى الظلامية المقيدة للحريات الخاصة والعامة. كما أن أجواء التناحر بشتى أنواعه، تفعل فعلها لإنتاج ثقافة الانصياع للسلطة، التي عادة ما يتبناها مثقفو الخنادق، وأنصاف المثقفين. وكأن هذه الأحزاب لم تتعظ بعد من دروس الماضي، التي حولت المثقف إلى متسول دائم على أرصفة الفاقة، بوصفها تبحث عمّن يجمل أخطاءها. ولعل أكثر أزمات الثقافة وضوحا وتأثيرا، هي طغيان الفقر الثقافي الشامل لدى عامة الناس، نتيجة سياسات التجهيل المتعمد من لدن حكومات القمع عبر الأزمنة.  

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان