حوارات وتحقيقات

أطفال فقدوا الرعاية الاسرية واهملتهم الدولة يعيشون واقعاً مريراً ويتعرضون للعنف والاستغلال والترهيب وترك الدراسة

ايتام ومهجرون

* يقول الدكتور غيلان  (باحث قانوني) : ان إحصائيات غير رسمية قامت بها منظمات مجتمع مدني تعنى بشريحة الأطفال  تشير إلى أن نحو (22.000) طفل قاصر يعملون في الشارع بمختلف المهن ابتداء من التسول ووصولا إلى بيع أشياء بسيطة  ذات مردود مادي قليل . وتصل نسبة الأيتام والمهجرين بينهم إلى حوالي 73%. والعديد من هؤلاء الأطفال لم يتلقوا تعليما في المدارس نتيجة للتهجير الذي طال عوائلهم في المناطق الساخنة وتركوا على إثره المدرسة أو بسبب ضعف العامل المادي والمعيشي لعوائلهم التي فقدت اغلبها المعيل الذي كان يوفر قوتهم مما اضطرهم إلى ممارسة العمل في الشارع بكل ما ينطوي عليه من مخاطر على براءتهم . عمل الاطفال في الشوارع ظاهرة تستفحل لتحتل اغلب الارصفة والتقاطعات المرورية في بغداد، اسبابها كثيرة ، لكن السبب الرئيسي هو تقصير الدولة الواضح في هذا الجانب ولعل احد أهم الأسباب التي ساعدت في ظهور أطفال الشوارع بهذا الشكل الواسع هو الفساد المستشري في الدوائر الحكومية المختصة بهذا الشأن ولامبالاتها بشريحة  مهمة يتوقف عليها مستقبل البلد في مختلف الميادين , خصوصا أن بلدا مثل العراق يتمتع بموارد هائلة ، بإمكانه إذا ما توفرت النوايا الحقيقية والجادة في هذا المجال لمؤسساته المختصة ,أن يقضي نهائيا على هذه الظاهرة التي تهدد بخلق أزمات اجتماعية في المستقبل القريب . ظاهرة أطفال الشوارع وعمالة الاطفال في سن مبكرة والتسرب المدرسي إدانة حقيقية وواضحة لسلطات الدولة التي لاتحتضن أبناءها .

* عامر مطلك (12سنة ) يبيع كارتات لشحن الموبايلات قال : انطلق يوميا في الصباح حاملا عددا من كارتات شحن الموبايل في سوق بغداد الجديدة ، ولن اعود قبل ان احصل على نقود كافية تضمن استمرار يومنا الجديد . عامر الذي اجبرعلى تحمل مصروف البيت (بعد وفاة والده اثر مرض عضال) تاركا مدرسته وزملاءه فيها وهم ينظرون اليه بشفقة عندما يشاهدونه صباح كل يوم ، يشعر بندم لتركه الدراسة ليوفر مبلغ عشرة الاف دينار من خلال عمله هذا ليسد بها رمق عائلته . لقد حرم هؤلاء الاطفال من مقاعد الدراسة بسبب ظروفهم المعاشية الصعبة ، إن هذه الظاهرة بدأت بالازدياد حتى باتت التقاطعات المرورية لاتخلو من هؤلاء الصبية والأطفال ، وظهور فتيات بعمر الورد يبعن العلكة والمناديل الورقية في مايشبه التسول .

 

التسرب من الدراسة 

*لم يشهد قطاع التربية والتعليم تطوراً ملحوظاً ولا اهتماماً من قبل المسؤولين ، فبقي الحال على ما هو عليه في كثير من مدارس العراق وفي كافة محافظاته ، فخلال ثلاثة عشر عاما من التغيير لاتزال هناك مدارس مشيدة من الطين والقصب، وتزدحم صفوف اغلب المدارس بأعداد كبيرة من الطلبة تتجاوز الـ (60) طالباً ، و نقص كبير في الكادر التدريسي ، وفي عدد المدارس ، و في كتب المناهج الدراسية والقرطاسية ، ولا تزال كثير من المناهج الدراسية دون تغيير. وبسبب هذا التردي الكبير في الواقع التربوي والتعليمي اضطر الكثير من الطلبة إلى ترك الدراسة ، وخاصة طلبة المدارس الابتدائية ، مما يهدد عملية التعليم المجاني والإلزامي في العراق ، ويرمي بهؤلاء الطلبة الى العمل او التسول.

* يقول الكاتب المسرحي عبد السادة جبار : ان حروب النظام السابق والحصار الاقتصادي تركت اثارا سلبية على التعليم حيث اضطرت بعض العوائل الى عدم الاهتمام بمستقبل اولادهم بسبب الظروف القاسية التي كانت تمر بها ، وشكل هذا الوضع تدهورا كبيرا في المستوى المعاشي للفرد والاسرة مما اضطرها الى زج اولادها في مهن واعمال تساعدها على العيش وتوفير اسبابه في تلك المرحلة الصعبة من حياة العراقيين. لذلك ادت هذه النتيجة السلبية الى ارتفاع نسب التسرب والرسوب . واضاف « لايوجد ارشاد وتوجيه في المدارس ولاقوانين تحد من ظاهرة التسرب من المدارس ولايوجد اهتمام بالابنية المدرسية ، حتى ان بعض المدارس لاتوجد فيها مرافق صحية نظامية ، مما يسبب  نفور الطالب من المدرسة ناهيك عن الساحات والحدائق والتجهيزات المدرسية والاهتمام بالنشاطات اللاصفية والسفرات المدرسية الترفيهية والعلمية «. واشار الى ان احد اسباب تسرب الاطفال من الدراسة هو تدني مستوى الطالب الدراسي وعدم اهتمامه بالتعليم اضافة الى الوضع الاقتصادي للاسرة الذي يجعل غالبية الاباء يجبرون اولادهم على ترك الدراسة بسبب الجهل وانخفاض المستوى التعليمي للاب والام بشكل لا يمكنهم من مساعدة ابنائهم في دراستهم، وهناك اسباب اخرى كثيرة حولت هذه الظاهرة الى ظاهرة اجتماعية بسبب اعمال العنف والارهاب والاختطاف والتهديدات وعمليات التهجير القسري والتي طالت مناطق عديدة في العراق اضافة الى ان العديد من العوائل لا تحبذ تعليم الفتيات او تكتفي بتعليمهن القراءة والكتابة فقط  وتشغيلهن في الاعمال المنزلية ، وهذا كله يسبب خطرا على التعليم في العراق» . واكد جبار ان مشكلة التسرب المدرسي مشكلة وطنية تحتم على الجهات المسؤولة بذل اقصى الجهود لإيجاد حلول سريعة لها .

*وحسب إحصائيات وزارة التربية، يبلغ العدد الكلي للمدارس الموجودة في العراق حاليا حوالي 20 ألف مدرسة لكافة المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية. وهناك حاجة ماسة في الوقت الحاضر لإستحداث أكثر من 6000 مدرسة جديدة وإعادة بناء ما يزيد على 1000 مدرسة مبنية من الطين وأخرى متهرئة»

* يقول الطالب قاسم ناصر : تركت مدرستي قبل عامين لأساعد والدي في بسطته في سوق بغداد الجديدة، لكني كنت ارغب في اكمال الدراسة، على الاقل للحصول على الشهادة الابتدائية والتعيين في الجيش أو الشرطة، لكني وجدت نفسي في السوق ، بائعا على بسطة للمواد والعدد المنزلية والكهربائية البسيطة ،ان ظروفنا المادية الصعبة حالت دون استمراري بالدراسة . وقاسم واحد من بين أكثر من 250 الف طفل يتسرب سنويا من المدارس العراقية، والتي تعد الزامية في مراحلها الابتدائية، في ظاهرة خطيرة ستضع هؤلاء ومئات الآلاف من افراد عوائلهم أمام مستقبل قاتم .

 

الجنوح

*الجنوح يشمل تلك الأفعال التي تعتبر جرائم، إذا قام بارتكابها الاحداث مثل سرقة السيارات والسطو، وأيضًا تلك الأفعال التي تعتبر غير قانونية ، مثل شراء وتعاطي المشروبات الكحولية في البلاد التي لا تمنع قوانينها تعاطي المشروبات الكحولية للكبار. ويستخدم معظم الناس تعبير جنوح الأحداث ليشمل أي شيء يقوم به الصبيان يتعارض مع معايير المجتمع بغض النظر عن كونه قانونيًا أو غير قانوني  . يختلف العمر الذي يعتبر الشخص فيه حدثًا من مكان لآخر، لكنه في معظم البلاد يكون أقل من 17 سنة. يعد جنوح الاحداث من اكثر مشاكل المجتمعات المعاصرة خطورة واهمية، اذ يتصل اتصالاً وثيقاً بالطاقة البشرية المحركة للمجتمع، لأن الحدث الجانح خسارة لجزء من تلك الطاقة، ليس ذلك فحسب، بل انه يجبر المجتمع على الانفاق على متطلبات اصلاحه، وهي متطلبات تزداد تنوعاً وكلفة مع تطور اساليب وبرامج العمل الاصلاحي . والجنوح من الناحية القانونية (أي فعل او نوع من التصرف او موقف ما يمكن ان يعرض الحدث للمثول امام المحكمة واصدار حكم قضائي بصدده ) . 

* تشير الإعلامية انتخاب القيسي إلى أن «جنوح الأطفال يأتي عادة بسبب مهن مذلة ومهينة يمارسها الحدث كالتسول أو بيع أشياء بسيطة  في مناطق موبوءة يعمد فيها الى تقليد الاخرين , وعادة مايكون هؤلاء من المدمنين . بحيث يتعلم من هؤلاء ممارسة العنف وحتى الجريمة ليثبت للاخرين الذين حوله بأنه لايختلف عنهم ولايقل شأنا، ومن هنا تنبع  خطورة الظاهرة على المجتمع كله وليس على الطفل فحسب»  . واضافت « ان رفقة السوء لها دور كبير في انزلاق الحدث الى هاوية الجنوح لان الحدث يحاول تقليد سلوك رفقته من السيئين في الفاظهم، ويتقمص شخصياتهم، وبعض تصرفاتهم التي تقود (فيما بعد) الى الانحراف الذي لا يعد جنوحاً في بعض الاحيان، وإنما ما يطلق عليه في علم النفس الاجتماعي بـ (الانحراف السايكوباثي)، وهو بدرجات مختلفة الشدة، ويضم الكذب، والخداع، والاحتيال». وشددت القيسي «على الانتباه الى سلوك الطفل ومراقبة علاقاته مع اقرانه، لكي لا يتشبه بجماعات الاحداث الجانحين ويرافقهم، فينزلق فيما بعد الى هاوية الجنوح» . واكدت « أن على الحكومة توفير أماكن ملائمة لاطفال الشوارع والمشردين ورعايتهم واعادة تأهليهم ليندمجوا مع المجتمع ، وفتح مدارس خاصة لهم يديرها اختصاصيون نفسيون». 

العنف

*إن معظم الأطفال الذين يتعرضون لأعمال العنف ، سبب لهم ذلك الأمر عقداً نفسية ، مما خلق لديهم ردات فعل عكسية , مولداً في أنفسهم حب الجريمة وارتكابها عندما يكبرون , والبعض منهم يقدم على ارتكاب الجرائم برغم صغر سنه ,ونجد أن بعض المجرمين ممن تجاوز عمر الطفولة قد أقدم على ارتكاب جرائم مختلفة بدوافع غالباً ما تكون دفينة نتيجة لما تعرضوا له من أعمال عنف وشدة في طفولتهم . لذلك فان جميع الأطفال لهم الحق في الحماية من العنف والاستغلال والإيذاء. إلا أن عددا من الأطفال في العراق من كافة الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والفئات العمرية يعانون يومياً من العنف والاستغلال ، سواء في داخل عوائلهم او في مدارسهم . ويتعرض بعض الاطفال لأخطار بسبب الوضع الاجتماعي والاقتصادي . وغالباً ما يرتبط العنف بالأطفال ذوي الإعاقة والأيتام والمشردين . وهناك مخـــاطر أخرى على الأطفـــــال مرتبطة بالعيش والعمـــــــل في الشوارع، والبطالة والفقر والتهجير . ويحدث العنف والاستغلال والإيذاء في البيوت والأسر والمدارس وأماكن العمل.  ويتعرض العديد من الأطفال لأشكال مختلفة من العنف والاستغلال والإيذاء، بما في ذلك الاعتداء والاستغلال الجنسي والعنف المسلح والإتجار بالأطفال وعمالة الأطفال والترهيب.

* الاعلامي كاظم لازم تحدث عن العنف الذي يتعرض له الأطفال قائلا : ان العنف الذي يمارس ضد الاطفال يبدأ من العائلة  ولاينتهي بالمدرسة ، اذ ان كثيرا من الاطفال الذين يواجهون ظروفا صعبة ومعقدة تدفعهم لترك الدراسة والتحول الى العمل في سن يحرم بها القانون عمالة الاطفال كثيرا ما يتعرضون للعنف ايضا ، ظاهرة العنف يجب أن لا تؤخذ على أنها حالة تمارس داخل المدرسة فقط ، بل هناك أصناف أخرى يجب إدراجها ضمن هذه الظاهرة الخطيرة، كالعنف الإجباري الذي يفرض على الطلبة دراسة مواد منهجية دون الأخذ برغبتهم وحبهم لتلك الدروس ، كذلك أود التطرق الى مشاكل قلة الأبنية المدرسية وتزايد أعداد الدارسين في الصف الواحد؛ مما يسبب تذمر الطالب من الدوام بشكل منتظم ، وهذه أنواع من العنف لا تقل أهمية عن حالات الضرب القاسي أو الإيذاء البدني وما شابه ذلك . واشار الى « ضرورة الاهتمام بالطفولة المبكرة وخفض كثافة الصف الواحد ، والتجديد وترميم المدارس القديمة واستخدام المناهج المناسبة والمتطورة، التي تسمح بحرية الابداع والابتكار للتلاميذ، واعداد المعلم حيث انه هو صانع التطوير الاول، ولا بد من اعادة النظر في احواله الاجتماعية والمادية والتوجيه الدائم للاطفال الذين تظهر لديهم حالات العنف وتدعيم الربط بين أسرة الطفل والمدرسة»  .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان