حوارات وتحقيقات

الإدارة الناجحة للأزمات تعوّض عن غياب النُخب ببدائلها المناسبة الموت المفاجئ للزعماء .. يرسم تداعياته على المجتمعات

تعددت الأسباب .. 

والرحيل واحد 

ولقد تعددت الأسباب، لكن الموت واحد، وفق أدبيات الشعوب في تفسير الظاهرة، فمن السكتة الدماغية، الى توقف القلب عن العمل، إلى الأمراض الطارئة، والاغتيال بالسم أو الرصاص، يرحل الزعماء عن الدنيا، كما إن الحوادث العابرة والمُختلقة تحسم الامر لصالح الأقدار في الرحيل، في بعض الأحيان. وفي حالة كريموف، فان السكتة الدماغية التي أصابته دفعت البلاد إلى المجهول، فيما راحت القيادات الموجودة تجاهد لتأمين المرحلة الانتقالية من الاضطراب. وقبل ذلك، وبالتحديد في الأول من مارس 1953، اضطربت صحة الزعيم الشيوعي جوزيف ستالين، وهو الذي كان يتمتع بحالة صحية جيدة. ففي خلال مأدبة عشاء بحضور نخب سياسية وقادة عسكريين تدهورت حالته بشكل مفاجئ ومات بعدها بأربعة أيام. وفي حين أفادت المذكرات السياسية لـ مولوتوف والتي نُشرت في عام 1993 بأن وزير الداخلية بيريا عمد إلى دسّ السم لستالين بهدف قتله، إلا أن المصادر الرسمية تؤكد بأن وفاته كانت نتيجة جلطة دماغية. ومهما كان السبب، فلقد هزّ موت ستالين، العالم، وحال إعلان نبأ رحيله المباغت، تدارست القيادات الأوربية والولايات المتحدة التداعيات، لبحث سبل التعامل مع الزعيم السوفيتي الذي سيحل محل ستالين والذي كان ندا قويا لها في الحرب والسلم.

متلازمة الموت المفاجئ

ومتلازمة الموت المفاجئ (بالإنجليزية: Sudden unexpected death syndrome) مرض يصيب الانسان خلال فترة نومه غالبًا، ويفتك بحياة نحو مائة ألف شخص، ومعظم الضحايا من الشباب الذكور، وفق موسوعة ويكيبيديا، وكان له ضحاياه على مدى التاريخ، ومنهم الزعيم المصري جمال عبد الناصر، والذي شكّلت وفاته صدمة كبيرة للمصريين والعرب، على رغم ان مرضه كان يدق جرس الإنذار الى النهاية المحتومة، فقد عانى الزعيم من انسداد في الشريان التاجي، وترافق ذلك مع ازدياد في نسبة الكوليسترول في الدم والسكري وارتفاع في ضغط الدم، ما أحدثت الوفاة فجأة في 28 سبتمبر1970، والتي اعتبرت زلزالا سياسيا، ترك تداعياته على الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى التوازن الدولي بين الشرق والغرب، والتي كانت مصر محوره. وغيّبت ذبحة صدرية طارئة، في أوائل الستينيات، السياسي السوداني الصديق المهدي بعد أن جعلته طريح الفراش لفترة قصيرة كتب في خلالها وصيته، مثلما غيّبت الملك فيصل الأول ملك العراق ما بين عامي 1921 و 1933، وأمير الكويت صباح السالم الصباح ما بين عامي 1968 و1977، والملك خالد بن عبد العزيز ما بين عامي 1975 و 1982، والمغني مايكل جاكسون في 2009. ومثلما غيّبت الذبحة الصدرية ملك المغرب، الحسن الثاني فجأة، ما بين عامي 1961 و 1999، فانّ وعكة صحية غير متوقعة داهمت والده محمد الخامس، وأدت الى وفاته في 26 فبراير 1961، فكانت مفاجأة للشعب المغربي والعالم، لاسيما وانها حدثت في وقت خرج فيه المغرب للتو من الحماية الفرنسية، إلى الحد الذي ربط فيه البعض بين كفاحه لأجل الاستقلال والمماطلة الفرنسية في ذلك، حتى ان البعض تحدث عن التفريط والتساهل وعدم الاهتمام الفرنسي بالوعكة الصحية التي أصابته و تطلبت تدخلاً جراحياً على مستوى الأنف، ليسلم الروح بعد تلك العملية الفاشلة التي أثير حولها الكثير من الجدل. وفي العام 2005 اقتحم الموت قصر الحكومة في جورجيا، وارتبكت الأوضاع فيها، اثر الرحيل المفاجئ لرئيس الوزراء زوراب جفانيا، وتأثرت جهود الإصلاح الاقتصادي، التي كان يقودها الى الحد الذي نشأت فيه مخاوف من تحولها إلى دولة فاشلة.

الاختفاء

ولمجرد اختفاء الزعيم الكوري الشمالي، كم جونغ أون، وتواريه عن الأنظار بصورة غير متوقعة، و لعدة أشهر في نهاية عام 2014، أثيرت الكثير من الشائعات حول حالته الصحية واحتمال الإطاحة به في انقلاب عسكري، واتجهت الأحداث في الكوريتين إلى الاضطراب، وقد أثّر ذلك كثيرا على الاقتصاد، والوضع السياسي، ما طرح السؤال عما سوف يحدث لو أن الزعيم الشاب اختفى فعلا وبشكل نهائي، وهو ما حدث فعلا حين رحل والده في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2011 عن 69 عاماً بصورة مفاجئة. وليس من شك في أن الغياب المفاجئ للزعيم، يولّد حالة إنسانية نبيلة الا وهي الحزن، فالزعيم مهما كان الخلاف السياسي معه فانه إنسان، وغيابه يترك أثرا عميقا على أنصاره ومحبيه، بل ان رحيل الكثير من الزعماء والسياسيين خلف الألم في قلوب حتى معارضيهم، وهو يحمل من الدلالات الكثير، أولها الأخلاق السياسية التي يجب ان يتمتع بها السياسيون، وان لا يتشفّى أحدهم بمرض او موت الآخر، ذلك ان الموت حق على الجميع، وليس لأحد أن يواجه في النهاية، غير هذا المصير. وفي حالة الزعماء الشعبيين، فان رحيلهم لطالما خلق حالة شجن عارم، يتمثل في البكاء «الجمعي» والأسف على رحيلهم، لاسيما حين يكون هؤلاء الزعماء قد حققوا الإنجازات لشعوبهم في تحريرهم من الاستعباد والاحتلال، وتحقيق التقدم والازدهار في المجتمع، وتنمية الاقتصاد.

وجهة نظر قانونية

ولقد اعتبر الاكاديمي و الخبير القانوني العراقي المقيم في دبلن في ايرلندا، إسماعيل البديري، في حديثه لـ «الحقيقة» ظاهرة الغياب المفاجئ للزعماء نتيجة الاغتيال أو الموت المفاجئ وحتى العزل، «ذات تداعيات سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية». واعتبر البديري ان الغياب المفاجئ للزعماء يختلف بتأثيراته من مكان لآخر، فالغياب المفاجئ للزعيم في الدول المستقرة سياسيا والمتقدمة ديمقراطيا له تداعيات اقل تأثيرا، ومن أمثلتها اغتيال الرئيس الامريكي الأسبق جون كيندي، فقد اكمل المهمة نائب الرئيس لحين انتهاء المدة المقررة، قانونا وضمن ما حدده الدستور الأمريكي. أما في الدول التي يكون نظام الحكم فيها وراثيا، وخاصة في دول العالم الثالث، فان الاعلان عن الحالة لا يكون الا بعد تعديلات قانونية او سياسية، ومثال ذلك اغتيال الملك فيصل في المملكة العربية السعودية حيث التعتيم على الحادثة لحين اكمال الترتيبات القانونية وتهيئة البديل عندها يخرج خطاب النعي. ويستطرد البديري في الحديث «في حالات الاغتيال او الانقلابات عندها يكون الجانب القانوني واضحا جدا، فاذا نجح الانقلاب يعتبر ثورة وتتم تصفية النظام السابق عن طريق محاكمات صورية، تفضي فيها الأحكام الى الإعدام، علما ان هناك تداخلا كبيرا في الجانب القانوني والسياسي نتيجة لفقدان الزعيم فجأة من خلال التعديلات الدستورية والقانونية، التي يقوم بها النظام الجديد، وعلى ضوئها يمكن أن يكون التأثير السياسي واضحا جدا.

السم والرصاص

وليست الأمراض، وحدها قد ألقت بأسباب الرحيل الأبدي، فهناك من الزعماء من غُيّبوا عن الحياة الدنيا على أيدي معارضين وخصوم، بالرصاص والسم والسيف والسكين وما إلى ذلك من أساليب القتل الدموي المباغت. وكان مِن ذلك أن تدهورت صحة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بشكل مفاجئ، وبدأت بوعكة صحية في مستشفى المقاطعة في رام الله، ومن ثم نقله إلى مستشفى بيرسي في باريس، ليطرح الأمر الكثير من الشكوك والتكهنات، حول السبب الغامض الذي أدى في النهاية الى الوفاة، فيما كانت تداعياته على آليات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واضحة، وعن الخليفة الذي سوف يحل محل عرفات، والكيفية التي يتفاوض بها مع الإسرائيليين. وفي لحظة تاريخية من يوم 27 ديسمبر 2007، اخترقت رصاصة اطلقها مسلح التحصينات من حول زعيمة حزب الشعب الباكستاني بناظير بوتو، وهي الابنة الكبرى لرئيس وزراء باكستان ذو الفقار علي بوتو، وكانت زوجة الرئيس الحالي لباكستان آصف علي زرداري، حين كانت تحضر مهرجانا انتخابيا في مدينة روالبندي، اطلت في خلاله من خلال فتحة السقف في السيارة لتلوح إلى الحشود حتى أطلق مسلحٌ النارَ عليها، و أعلن عن وفاتها في 18:16 بالتوقيت المحلي. واغتيل رئيس للولايات المتحدة الأمريكية الأسبق، جون كينيدي برصاص قاتل مجهول في 22 نوفمبر عام 1963، وقد ترك «تغييبه المفاجئ» أثرا كبيرا على المجتمع الأمريكي، وعُدّ يوما اسود في تاريخ الديمقراطية الأمريكية. وقتل اثنان من الحراس المنتمين لطائفة السيخ، أنديرا غاندي، السياسية الهندية، التي شغلت منصب رئيس وزراء الهند لثلاث فترات متتالية (1966 – 1984)،، ليؤدي غيابها الصاعق إلى صراع كاد أن يرتقي الى حرب أهلية دموية. في 25 مارس 1975، قُتل الملك فيصل على يد احد أفراد العائلة المالكة، بإطلاق النار عليه، ما احدث شرخا كبيرا في داخل العائلة المالكة كاد يودي بتماسكها، وظلت السعودية لفترة طويلة تعاني من تداعيات الرحيل غير المتوقّع للملك الذي كان يسعى الى التحديث والإصلاح.

إدارة الأزمات

ولا ينبغي التوقف كثيرا عن هذا «الموت» فهو حق، وقانون طبيعي، يفرضه توقف النمو والاستقلاب والنشاطات الوظيفية الحيوية، لكن السؤال يقف دائما عند مهاجمته على حين غرّة، الإنسان، لاسيما الزعيم او صاحب القرار سواء في مركز الحكم او الأسرة، مُدخِلا المجتمع في حالة من الإنذار الذي يجب ان ينتهي الى قرارات عملية وذكية تملأ فراغ الغياب، الذي يحتاج الى دراية في إدارة الأزمات يكون فيها الاستعداد في اعلى مستوياته للتعامل مع ما حدث، وما سوف يحدث.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان