حوارات وتحقيقات

في مخيمات العوائل العراقية النازحة وجبات غذائية مجانية لكنها تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كثيرة

تحقيق / خلود العامري

 

كانت حبات الرز تتناثر من الوعاء البلاستيكي الذي أمسك به الطفل محمد غزوان وهو يسير في اتجاه خيمته، بعدما تسلّم حصته من الطعام المؤلفة من الرز وبعض الصلصة الحمراء التي صُبت فوقه، فيما استقرت فوق الوجبة المتواضعة ملعقة بلاستيكية مشطورة من جانبها. ويبدو ان مخيمات النازحين باتت الوطن الامثل الذي يلم شمل العائلة تحت سقف مصنوع من القماش وبوابة من الهواء الطلق، وازمات صحية ونفسية وعقلية تعصف بهم كل لحظة بمجارات العيش والهموم المتتالية من شغف العيش وصعوبة امضاء اليوم وتحمل المسؤولية لرب الاسرة، مع استذكار من فقدوهم من احبتهم خلال الازمة الامنية التي عصفت ومازالت في البلاد. 

*محمد وعائلته مثل كثيرين غيره في مخيم عربت في مدينة السليمانية (إقليم كردستان العراق) يتناولون الوجبة الغذائية ذاتها يومياً، وهو ما يحصل أيضاً في مخيمات أخرى حيث يحصل الأطفال وعائلاتهم على وجباتهم المجانية في شكل منتظم، لكنها تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كثيرة. التسابق إلى مكان توزيع الغذاء هو السمة الغالبة في المخيم، لكن المنظمات المحلية والدولية بدأت أخيراً بتوزيع مواد غذائية رئيسية ليطهو النازح وجبته بنفسه. وغالباً ما تتضمن تلك المواد الرز والزيت والسكر وبقوليات يابسة، أي أن النازح يضطر إلى طهو الوجبة ذاتها كالتي كان يحصل عليها جاهزة، وهي عموماً لا تكفي لسد الحاجات.

*تقول نسرين أحمد والدة محمد: «لا أحد سيموت من الجوع على رغم رداءة الطعام الذي تقدّمه منظمات الإغاثة. في النهاية الجميع يتناول ثلاث وجبات يومياً وإن كانت مجرّد حشو لمعدتنا». وتضيف: «هنا عدد النازحين كبير، وكثيرون ونحن منهم رفضوا العودة إلى الديار بعد تحريرها إثر سماعنا عن حوادث تفجير منازل عدة على سكانها عقب عودتهم. لذا، لا يمكن إطعام هذا العدد الكبير بسهولة ونحن ندرك ذلك، لكن ما لا نفهمه هو لماذا تخلو الوجبات من الفاكهة والخضار، فأولادنا كانوا معتادين عليها”. وسبق أن قدّم لاجئون شكاوى عدة عن نوعية الطعام المقدّم في مخيم عربت ومخيمات أخرى مجاورة. وتلفت إحدى المقيمات قرب عربت إلى اقتصار الفطور على البيض فقط . وتسأل: “كيف لنا أن نتناول البيض صباحاً والرز والفاصوليا للغداء والعشاء يومياً. يتصرّفون وكأن هناك قوانين ثابتة للطعام ولا يغيرونها إلا في ما ندر”. وقد عمدت عائلات إلى تعويض نقص الغذاء قدر الإمكان من المردود المالي البسيط التي يحصل عليه أفرادها لقاء العمل في المدن التي نزحوا اليها. فعلى رغم الصعوبات التي يواجهونها في الحصول على لقمة العيش في المجتمع المضيف، يحاولون التأقلم وسدّ بعض ما ينقصهم في الوجبة الغذائية مما يجنونه من العمل في الأسواق الشعبية والمراكز التجارية وبعض المهن.

*العائلات العراقية التي نزحت من المدن التي سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2014، تبدو متأقلمة مع ما يقدّم لها من وجبات على رغم افتقارها إلى العناصر الغذائية الأساسية، لكنها في الوقت ذاته تعلم أنه طالما كانت تلك الوجبات مجانية ومن دون مقابل، فلن تحصل على أفضل منها. كما أن الرز والصلصة أو (المرق)، كما يسميه العراقيون، مع قطعة لحم وبعض الخضار والسلطة، هي الوجبة الرئيسية في المنازل. لكن الرز والصلصة هو ما بقي فقط على «موائد» النازحين منهم. المعاناة الكبرى التي تمثلت في العيش بمخيمات لا تتوفر فيها أبسط مقومات العيش. النازحون اليوم يعيشون ظروفا غاية في التعقيد إضافة إلى انتشار القوارض والعقارب والأفاعي السامة في مخيماتهم، ناهيك عن فقدان الرعاية الصحية والخدمات الأساسية ومخاطر احتراق الخيام التي كان آخرها في مخيم (بهار تازة) شمالي بعقوبة في حادث راح ضحيته 6 أطفال. ويعاني أكثر من ثلاثة ملايين نازح عراقي يسكنون المخيمات في مختلف المناطق، من ظروف معيشية صعبة وانعدام الخدمات، ونداءات متكررة من منظمات دولية ومحلية بتعجيل المساعدات الانسانية وتوسيع نطاق التوزيع ليشمل اماكن الانهيارات الامنية الجديدة (كالفلوجة التي نزح منها مؤخرا نحو 60 الف شخص) الأمر الذي تسبب بمشاكل اجتماعية وصحية ونفسية على حياة المواطنين.

*مليونا نازح استقبلتهم مدن إقليم كردستان وأماكن أخرى قادمين من مدن الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين، إضافة إلى أكثر من 700 ألف نازح آخرين قرروا السكن في الفنادق وإيجار البيوت والسكن في هياكل المباني التي هي قيد الإنجاز أو عند أقاربهم أو في مخيمات أخرى في بقية مدن العراق. 

*وتقول: «أم حارث»، 44 سنة، النازحة من مدينة الرمادي غرب العراق والمقيمة مع أسرتها في مخيم قرب أربيل: «خرجت من المدينة في أحلك الظروف وأصعبها برفقة زوجي وأولادي الـ4  بعد أن خيم الرعب على أجواء المدينة وخرج كل أهلها ووجدت نفسي أمام أمر واقع: إما البقاء ومواجهة الموت في أي لحظة بعد وصول المعارك بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم داعش الارهابي إلى أزقتنا أو الرحيل». وتضيف”خرجنا من البيت فورا وبلا شعور اتجهنا حيث يتجه بعض الهاربين من المعارك وبعد مسير قارب الساعتين استقللنا زورقا لعبور نهر الفرات للضفة الأخرى من النهر بعد ذلك أمضينا قرابة الـ  5 أيام في التنقل والمبيت في مناطق مختلفة وأحيانا نفترش الأرض في العراء إلى حين وصولنا إلى مخيمات النازحين في مدينة أربيل بإقليم كردستان وها نحن هنا منذ عدة أشهر عانينا فيها الكثير بدءا من معاناتنا من العيش في أجواء حر الصيف اللاهب وعدم توفر الخدمات الأساسية إلى العيش في ظروف أكثر قسوة ومواجهة برد الشتاء والأمطار وتفشي الأمراض ونقص الأغذية والرعاية الصحية.. مما تسبب في حالات وفاة للكثير من الأطفال وكبار السن نتيجة الصعوبات التي مرت بها العوائل الساكنة في المخيم”.

*منير، 23 سنة، نازح من مدينة الموصل يقول: «منذ 6 أشهر وأنا أعيش في هذا المخيم مع بقية أفراد عائلتي المكونة من 5 أفراد إضافة إلى أمي وأبي الكبيرين في السن. أبرز معاناتنا ومعاناة بقية النازحين تكمن بافتقار المخيم إلى أبسط الخدمات الضرورية وقلة المواد الغذائية وغياب الرعاية الصحية اللازمة وعدم وجود أماكن للاستحمام إضافة إلى انعدام المرافق الصحية .

*ومن مخيم النازحين في أربيل إلى مخيم النازحين في قضاء خانقين، 100كم شمال بعقوبة مركز محافظة ديالى التي شهدت معظم مناطقها اضطرابا أمنيا نتيجة سيطرة مسلحي تنظيم داعش على مناطقها. في هذا المخيم قالت السيدة أوهام هادي، 54 سنة: “تمكنت بشق الأنفس من الخروج من بيتي في ناحية جلولاء التي سيطر عليها مسلحو تنظيم داعش. غادرت البيت وأنا أحمل ملابس أولادي فقط. 5 من أبنائي كانوا طلابا مجتهدين في مدارسهم تركوا الدراسة بسبب تلك الأحداث. كنت قبل نزوحنا أعمل ليل نهار في خياطة الملابس كي أوفر لهم احتياجاتهم من أجل استمرار تفوقهم الدراسي هذا ما عاهدت نفسي عليه بعد وفاة والدهم، لكن شاءت الأقدار أن يتحول حلمي إلى كابوس وها أنا أعيش مرارة الحرمان في هذا المخيم ويعيش أطفالي في جو غير الذي تمنيته لهم وأفنيت أيامي لأجله”.

*وأوضاع النازحين إلى بغداد ومدن الجنوب لا تبدو أفضل حالاً. فهؤلاء زجوا أولادهم في سوق العمل، ويكتفون بأجور منخفضة قياساً بسكان تلك المناطق، ما ولّد ضدهم مشاعر حقد وتبرّم. وتوفّر تلك الأعمال للنازحين وأطفالهم مدخولاً يعينهم على صعوبات الحياة، لكنه لا يكفي ليعوّض النقص في التغذية للأطفال الذين يتعرّضون بسبب ذلك إلى وعكات صحية متلاحقة.

*ويقول اختصاصي التغذية الدكتور محسن علي ياسين، إن عدم تناول الأطفال لوجبة كاملة تحتوي على العناصر الغذائية الأساسية، قد يسبب أمراضاً مزمنة وقد يؤدي الى عاهات معينة. فمثلاً عدم تناول الحليب يسبب نقصاً في الكالسيوم وهشاشة في العظام. كما أن افتقاد الوجبات بعض أنواع الفواكه يؤدي إلى تلف الأعصاب وضعف البصر. ويضيف: “معظم النازحين لا يتناولون اللحم في وجباتهم، ما يعني أن هناك نقصاً في كمية البروتين الذي يصل إلى الجسم. إن نقص الغذاء المهم للجسم أو نقص عناصر غذائية سبب رئيسي في انتقال الأمراض سريعاً بين النازحين، وبالتالي لن يستطيع جهازهم المناعي مقاومة الفيروسات والبكتيريا”.

*من جهته وصف المنسق العام للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في شمال العراق جوزيف ميركس احتياجات النازحين العراقيين بأنها ضخمة ولا نهاية لها، مشيرا إلى أنهم بحاجة ماسة إلى الماء والغذاء والدعم الصحي والنفسي، خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون في مناطق سيطر عليها )تنظيم داعش الإرهابي) حيث تعرضوا لصدمات نفسية وذهنية. وأوضح أن المفوضية العليا في شمال العراق لديها خزينة طوارئ لكنها بحاجة إلى دعم مالي سريع، موضحا أن الاحتياجات الآنية تتطلب 300 مليون دولار بشكل فوري لتلبية تلك الاحتياجات. ودعا ميركس الدول المانحة التي تعهدت في مؤتمر بواشنطن بتقديم 2.5 مليار دولار للمفوضية لمواجهة احتياجات اللاجئين، إلى الإسراع بتقديمها قبل تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة، متوقعا وصول 600 ألف نازح جديد إلى شمال العراق في حال تحرير الموصل. كما دعا الحكومة العراقية إلى تسهيل العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم وتأمين وصولهم إلى تلك المناطق، مشيرا إلى أن نحو 1800 نازح يصلون يوميا إلى شمال العراق.

*وتذكر التقارير أن أغلبية النازحين ( 87 %) هم في الاصل من ثلاث محافظات: الانبار 42% (1,334,592 فردا) ونينوى 32%( 1,011,606 افراد) وصلاح الدين 13%( 407,142 فردا). وسجلت مصفوفة تتبع النزوح من الفترة 27 آب ولغاية 29 أيلول زيادة في عدد النازحين الذين هم في الاصل من الانبار ( 22,368 فردا) ونينوى ( 20,412 فردا) و محافظة كركوك( 10,200 فرد). ويعزى سبب هذه الزيادة الى الاشتباكات المستمرة بين الجماعات المسلحة والقوات الامنية العراقية في الفلوجة في الانبار وحول مدينة كركوك والقرى المحيطة بمدينة الموصل في نينوى. وتبقى المحافظات التي تستضيف أكبر عدد من السكان النازحين هي الانبار 18%( 583,050 فردا) وبغداد 18% ( 577,584 فردا) ودهوك 13% ( 426,966 فردا) وكركوك 13%(401,280 فردا) وأربيل 9%( 284,310 افراد) ونينوى 6% ( 203,652 فردا) والسليمانية 5% ( 161,724 فردا) تستضيف هذه المحافظات السبع مجتمعة 82% من مجموع السكان النازحين المحددين. وأفادت التقارير أن أكثر من 400,000 نازح عراقي قد عادوا الى مواقعهم الاصلية. وتقريبا أكثر من النصف ( 218,928 فردا) قد عاد الى صلاح الدين وأكثر من الثلث ( 155,694) قد عاد الى تكريت وبالاخص الى مركز تكريت. بدأت تحركات العودة هذه في اواسط حزيران. وبهذا فإن خلال شهر أيلول 2015 إزداد العدد الكلي للعائدين بمقدار 43,794 فرد.

*قال توماس لوثر فايس، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في العراق ” يستمر النزوح في العراق بالإزدياد والنازحون بحاجة الى دعم شامل، معظمهم لاذ بالفرار حاملين فقط ما يستطيعون حمله. بالتعاون مع فريق الامم المتحدة القطري والشركاء في العمل الانساني والحكومة المحلية والجهات المانحة، تستجيب المنظمة الدولية للهجرة الى النزوح وذلك بتوفير المأوى وطرود المواد الغير غذائية وتوفيرالرعاية الصحية والخدمات النفسية الاجتماعية. تعتبر هذه المساعدة المنقذة للحياة أمر ضروري لان النازحين العراقيين تضرروا بشدة من جراء الازمة ويتطلب ذلك منا توفير اقصى الدعم لهم”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان