تحقيق / احمد جبار غرب
في شارع عتيد هو الاكثر شهرة في العاصمة والاكثر غرابة لما فيه من تناقضات هي جزء من تركيبته السوريالية و مكتظ دائما بالمتسوقين من كل المشارب والمدن فيه مجموعة من الاسواق المتداخلة بعضها مع البعض الاخر فهناك سوق للسلاح ومثله للدراجات البخارية والهوائية وايضا سوق للموبايلات المستعملة وايضا هناك اماكن لتزوير المستمسكات الرسمية، وكذلك وجود اسواق للكهربائيات والاجهزة الكهربائية وهناك سوق لباعة البالة والملابس المستعملة وايضا سوق للطيور الأليفة والدجاج ناهيك عن مئات المحلات الصغيرة والكبيرة التي تحيط بالشارع الرئيسي من كل اتجاه، وانت تسير في وسط الشارع يملؤك الضجيج واصوات الباعة معلنين عن بضاعتهم لجذب الزبائن يدهشك غرابة ما ترى وطريقة عرض البضائع، والمكان يضج بالزائرين وتضيق فسحة المكان مهما كبرت ، ذلك هو شارع مريدي الذي سمي بهذا الاسم نسبة الى الحاج مريدي الذي كان قد فتح اول كشك صغير في ذلك الشارع الممتد من تقاطع الداخل الى نهايته في تقاطع الشركة ،واصبح الان رقعة جغرافية ممتدة من دور الشهداء الاولى حتى تقاطع الاورزدي باك القديم، ومن بعده توالت المحلات والدكاكين ليصبح عما هو عليه الان، حتى اصبح مهيمنا على الشارع العام ومزاحما السيارات، بل تم قطع الشارع وتحويل مسار السيارات باتجاه اخر وهذا من تناقضات شارع مريدي، انه خارج المألوف والقانون ايضا، ورغم محاولات الحكومات السابقة والحالية لاغلاق هذا السوق بسبب شدة الزحام وكونه معوقا لحركة المرور، الا ان المحاولات باءت بالفشل بسبب امتصاص هذا السوق لأعداد كبيرة من العاطلين عن العمل في وقت تمر فيه البلاد بازمات متعاظمة ، وفي مدينة ذات كثافة سكانية عالية عانت الكثير من الازمات والمشكلات ودفع ابناؤها ضريبة انتمائهم الوطني أرواحا غالية في مختلف المراحل الزمنية، ومدينة ذات طبيعة عشائرية وشعبية منفتحة على بعضها يقارب نفوسها الثلاثة ملايين نسمة او اكثر، تعاني الكثير من المشاكل، فانشطار العوائل نتيجة تكدسها ولمدة زمنية طويلة في بيوت لا تتجاوز مساحتها الـ144مترا ولم توزع لأبنائها اراضي جديدة تساعد في انتقالهم لاماكن سكنية اخرى باستثناء ما وزعها الزعيم عليهم وتحتاج لخدمات صحية وتعليمية وتحتاج الى كهرباء مستديمة وفي مختلف المجالات ولم تحظ باهتمام الدولة الا نادرا فقط عندما تكون بحاجة ماسة الى ابنائها والذين برز الكثير منهم في الرياضة والادب والفن وهي منجم وكنز كبير للمبدعين والمتألقين الذين نشؤوا في محيطها البائس فأنتجوا ارواحا مملوءة بالجمال والحب عبر اشكال من الابداع الحسي الفني والرياضي والادبي في مواهب جميلة ذاع صيتها وتألق نجومها في محافل كبيرة وتلك الغرسة الطيبة التي انبتها الزعيم عبد الكريم قاسم اثمرت اجيالا مدججة بالعلم والمعرفة والثقافة وايضا هناك العفوية والتلقائية في شخصية من يسكن تلك المدينة كونه من جذور ريفية على الاغلب , انها مدينة الثورة .المدينة المتمردة دائما على كل الحكومات والانظمة والى يومنا هذا لا يحتويها احد مهما كانت الإغراءات وهي التي غيرت اسماءها وحسب مزاج الانظمة والحكومات فكانت مدينة صدام ثم الرافدين و الصدر حاليا لكنها تبقى اسيرة الاسم الذي اطلق عليها عند تأسيسها وانتشلها من واقع البؤس والمرض عندما مد اليها يده بعاطفة نبيلة لم يفعلها اي حاكم من قبله او بعده وهي مدينة الثورة تيمنا بالثورة التي قامت عام 1958وهكذا ظل أبناؤها اوفياء لتلك الصورة والعلاقة الحميمة التي تربطهم بالزعيم علاقة نقاء ووفاء. و شارع مريدي يكتسب شهرة كبيرة لما فيه من بضائع ومنتجات كثيرة ومتنوعة تكون سوقا مفتوحة لزوار اخرين من مدن العاصمة القريبة منها وايضا فيه اشياء قد لا تخطر على البال وخارج حدود المخيلة وفي عرض الشارع وطوله تنتشر بسطات الباعة الذين افترشوا الشارع لعرض بضاعتهم في اجواء مضطربة في حر الصيف وزمهرير الشتاء بمختلف البضائع والحاجات ودافع العيش الكريم هو الاساس، وفي المقابل كان هناك تجمهر وقبول كبير من المتسوقين الذين يرتادون السوق يوميا يبحثون عن ضالتهم وما يحتاجونه من حاجات حياتية وكمالية ولفت انتباهي كثرة انتشار بيع الخرز والسبح المختلفة الانواع والاحجام ولمختلف الاغراض والحاجات والتي يؤمن اصحابها بأن تلك (الخرزات) لها تأثير على حياة الشخص الذي يشتريها لجلب الرزق او منع الحسد او المحبة وهناك خرز يطلق عليها شعبيا بأنها (صاحية) بإمكانها ان تدفع الضرر حتى من الرصاص رغم عدم عقلانية هذا المنطق الا ان البعض يصدقه وهذا جزء من العقلية الشعبية الكلاسيكية والتي تضفي الكثير من السمحة الروحانية والتي تدخل في علم (البارسايكولوجي) او علم القدرات الخارقة , داهمني الفضول للبحث والتقصي عن تلك الاشكال من الخرز فحاولت ان ادخل معترك هذه الاجواء ..سالت احد الباعة (مهدي حسين ابراهيم) وقد افترش الارض مع منضدة صغيرة واضعا عليها مجموعة من الحجار والخرزات بادرته بالسؤال:
*يشاع ان هنالك احجارا خاصة بالرزق ما صحة ذلك؟
– ابدا الرزق على الله ولا يكمن في هذه الاحجار ونحن نبيع هذه الاحجار وفق تصنيفاتها هناك السليماني او اليماني واغلب الباعة هنا نتداول الاحجار والخرز فيما بيننا اي تجارة داخلية نكسب من خلالها بعض المبالغ وايضا هناك من يريد اقتناء حجر او خرزة للمظهر الشخصي وهم كثيرون اما مصدرها الاصلي ايران وتركيا وهي تجارة رائجة تأتي عن طريق بعض الاشخاص الذين يزورون تلك البلدان للسياحة الدينية او للاستشفاء فيجلبون معهم تلك الاحجار وايضا من اليمن وتركيا وايران وهناك احجار جديدة وقديمة فيها روحانية من خلال لمسه باليد تشعر بانجذابك له وتحس بحرارته بعد دعكه و هناك الحجر زر النجف يأتي من النجف الأشرف، والزر الحسيني وهو يأتي من ضريح الامام الحسين (ع) وهو نادر وغالي الثمن والزمرد وفصوص العقيق وتأتي من السعودية من قبل بعض الحجاج، وتختلف الاسعار، هناك بعض الأحجار يصل سعرها ما يقارب ألف دينار وهناك بورقة دولار وهناك بخمس اوراق الى ان تصل للمليون دينار عراقي وهناك احجار فيها بعض الروحانية ونعرفه من خلال لمسه باليد بالنسبة للحجر الجديد اما الاحجار القديمة فالوضع مختلف وهي تجارة قائمة يقوم بها تجار في (الشورية ) او بورصة البضائع العراقية حيث تجلب فصوص العقيق والزبرجد والزامبي وهناك محبس بيع بـ16 ورقة وهو خاتم كولمبي وايضا اوبار استرالي فيه اربع شذرات بيع ب13 ورقة، والمتبضعون عادة ما يكونون مولعين بهواية شراء الخواتم والاحجار وقسم يجمعونها باختلاف اشكالها والاحتفاظ بها الى حين صعود السوق فيطرحها للبيع فيحصل على فارق بالسعر المربح كما هو الحال بتجار السكر من الاحتكاريين يخزنون البضائع ليكثر الطلب عليها فيرفعون من سعرها، واجود الاحجار تأتي من اليمن وهي غالية الثمن” ..ثم رأيت في شارع فرعي ملاصق لشارع مريدي مجموعة من المحلات المزدحمة هناك معامل صغيرة للأخشاب لعمل المناضد والديكورات وبيع قطع الاخشاب الجاهزة (البلايود) وايضا محلات لتصليح الثلاجات وبيعها للزبائن داهمني الفضول للدخول لاحد المحلات التي تبيع الثلاجات المستعملة ثم سالت صاحب المحل (ابو حسنين ) ماهو عمله هنا فاجابني ..(نحن نحصل على الثلاجات من خلال الباعة (الدوارة) وهؤلاء يشترونها من البيوت اذ قد تكون فائضة عن الحاجة او ان صاحب المنزل اشترى ثلاجة جديدة فيقوم ببيعها ونحن هنا نكملها على اتم وجه وسد كل النواقص فيها كأن نضع لها محركا جديدا (ماطور) ونملؤها بالغاز وايضا اي عطلات كهربائية او ميكانيكية نقوم بتصليحها ويأتينا الاهالي من مختلف المحافظات ومن سكان المدينة لشرائها بأسعار مشجعة قياسا الى اسعارها الرسمية ونعطي فيها ضمانا لمدة سنة كاملة، وخصوصا ان الاجهزة الجديدة ونتيجة لجشع التجار ومحاولتهم الربح على حساب النوعية والبضاعة الجيدة يجلبون بضاعة رديئة (وتعبانة) لا تمكث اكثر من ستة اشهر ثم تتعطل، اذ هي ليست مثل اجهزتنا القديمة الاصلية ذات المناشئ الصناعية الجيدة جدا التي كانت تستمر لفترة سنين دون ان يصيبها عطل، صناعة مضبوطة وفيها سيطرة نوعية، اما المنتجات الجديدة واغلبها عاطل وغير مضبوط صناعيا وحتى من يشتريه لا نعطيه ضمانا بها وهذا جزء من الفساد الذي اصاب مفاصل الدولة حيث ان التاجر يريد الربح السهل والغش وما الى ذلك وكله على حساب المواطن، وايضا خسارة للعملة العراقية لأنها تهدر في غير محلها، وبالنسبة للاسعار فالجديد دائما يكون اغلى بسبب انه مستورد حتى اذا كان بائسا وغير متين في حين ان المستعمل والذي نصلحه في محلاتنا نبيعه في اقصى الحالات ب130 الفا ونعطي للزبون الضمان بعمل ثلاجته لسنة كاملة ومن جانبنا نقوم بضبط الثلاجة واكمالها على احسن وجه وهذه هي مصلحتنا نسترزق من خلالها الرزق الحلال بعدم غش الزبون ..غادرت ابو حسنين الى عرض الشارع حيث تزدحم بالناس وتتعالى الاصوات هنا وهناك لفت انتباهي محلات او بسطات على عرض الشارع تبيع اطقم المصاطب (القنفات) والكراسي منها الجديد والمستورد وبألوانها الزاهية تقدمت الى احد هؤلاء الباعة وهو شاب في مقتبل العمر يدعى (حسين علي) ملامحه ضاربة الى السمرة ربما تكون حرارة الشمس قد فعلت فعلها به وسالته حدثني عن بضاعتك ؟فأجاب..(نجلب اخشابا من نوع البلوك الاسود من خلال معملنا الكائن في الشعب ونحن نعمل ما تفتضيه الموديلات التي يرغب بها الزبون واغلبهم يفضل الموديلات التركية كونها جميلة ومنسقة وتحظى باهتمام الزبائن ونعمل موديلات مختلفة ونختار الاقمشة الجيدة التي تباع بأسعار غالية قد يصل سعر المتر المربع الواحد الى 6ونصف الف دينار لتغليف الكراسي والارائك وجعلها بأجمل صورة تجذب الزبون ونحن نبيع بضاعتنا بسعر يبلغ خمسمائة الف دينار الجديد وكل ما نستخدمه جديد وبحالة جيدة القماش والاسفنج او (البطانة) ونحن نبيع الجديد والمستخدم ويختلف السعر حيث نقوم بتبديل البطانات والاقمشة ونحت الخشب اذا كان فيه شوائب بالنسبة للقديم ونبيعه ب350 الف دينار ويتبع السعر نوع المعروض ومتانته وعمله، وهناك طلب سريع وسحب على بضاعتنا حيث المتانة ورخص الاسعار وجمال الموديلات المعروضة .. وحيث ان مدينة الفقراء والطيبين وايضا المتمردين تصبح على ضجيج الاعمال التي يقوم ابناؤها في بداية يومهم وتمسي على ضجيج خافت في نهاية مشوار عمل دؤوب يتكلل بالنجاح اودعها وهي تغفو من تعب السنين العجاف الذي طال ابناءها والذي لم يكرمها حاكم لتضحياتها او رئيس لما قدمت واعطت، بل هي دائما مشاريع سياسية حيث يستغل ابناؤها بسبب عوامل عديدة دون ان يفكر احد ما بوضع حد لمعاناتها.





_1617644865.jpg)



