اصدر المجاميع الشعرية الاتية: فصول التأويل ، مرايا لسيدة المطر ، مداهمات متأخرة ، الون باسلة ، اعد واخرج سبوتات تلفازية في تلفزيون اليمن ، شارك في العديد من المؤتمرات والبرامج العلمية في صياغة سترايجيات الاعلام الصحي. برز كناقد له بصمته الخاصة، رغم انه بدأ شاعراً، وما زال يكتب الشعر . عن الأجيال الجديدة وكيفية التعاطي معها ، مع همومها الثقافية والانسانية، ومع طبيعة التحديات التي تواجهها وعن ملامح الكتابات الجديدة في الشعر والقصة والرواية والنقد والتحولات التي طرأت على الثقافة العراقية، والإشكاليات التي تواجه المثقف، كان هذا الحوار مع الناقد علي حسن الفواز:
* هل يجد المثقف العراقي نفسه أمام وقائع جديدة من الصعب مواجهة تحدياتها، أم أن سيظل يمارس نوعا من الهروب حتى لا يتورط في نتائجها الكارثية؟
-صحيح أنّ المثقف العراقي- شاعرا أمّ قاصا، أم روائيا، أم ناقدا- وجد نفسه أمام تاريخ لم يشارك كثيرا في تدوين أحداثه، بحكم السيطرة المرعبة للسياسي والحزبي والثوري على كلِّ شيء، لكن اعادة قراءة هذه اللامشاركة ستتبدى عن مظاهر وهزائم أسهم المثقف فيها، لأنه كان شديد الحساسية من السياسي، وهذا غير مبرر بالكامل، فضلا عن كونه مسكونا بالكثير من الوهم والغرور والتعالي، وهو ما أسقطه في فخّ الفرجة والإنطواء، وأحيانا في فخِّ السلبية..
اليوم ندرك ضرورة أنْ يملك هذا المثقف الكثير من الشجاعة، لمواجهة رعب تدوين تاريخ السفالة والقتل والطرد والتهميش، مثلما عليه أن يكون أكثر جرأة في التعاطي النقدي مع أفكار دينية/ طائفية، وقومية ورجعية وجماعاتية باتت تفرض نفسها بوحشية على معطيات الحياة، وعلى صناعة الوعي والرأي العام، وأحسب أنَّ هذه العُقد قد انعكست بشكلٍ أو بآخر على كل أنماط الكتابة، وعلى قدرتها في صناعة الوعي الضدي، أو حتى ملاحقة السياسي والديني الطائفي والفقهي والجماعاتي وهو يفرض أدوات رعبه على المسرح وعلى عمليات انتاج النصوص والأفكار..
الكتابة تحت هذا الهاجس يمكن أنْ تكون نوعا من الخلاص، ومحاولة في التطهير وأنسنة الرعب، وبيان مدى قدرة المثقف على أن تكون وظيفته الأدبية بمستوى التحدي، وبتجاوز راهنية الظروف التاريخية القلقة، ومواجهة مزاج الجمهور الذي يتعرض الآن الى أخطر عملية استلاب في تاريخه..
*هل تعتقد أن مايكتبه الشعراء والقصاصون والروائيون، وحتى النقاد يرتقي الى فاعلية التجديد، والى التماس الأسئلة التي تثيرها الحداثة؟
-قد يأخذنا هذا السؤال الى منطقة اشتباكات معرفية خاصة، والى مقاربات فنية ومهنية، وحتى مناهجية تدخل في أطر نظرية واسلوبية، لكنها في الجوهر تتعالق مع فكرة الكتابة الأدبية والنقدية ذاتها، فبقدر ما تتطلبه هذه الكتابة من آليات وتمثلات، إلّا أنها تتعالق أيضا مع فضاءات توليد هذه الثقافة والقبول بها واليات استهلاكها، فما نعيشه اليوم يجعلنا أمام مفارقة مرعبة مابين الثقافي والاجتماعي والسياسي، وحتى التاريخي، فالكثير ممايجري مصاب بعطب رجعي، ويعيدنا الى جغرافيا التوحش والرداءة والسلفية التاريخية والدينية، وهذا بطبيعة الحال متقاطع تماما مع شروط الحداثة وتحولاتها واشتراطاتها، وامكانية التوافق مع ماتثيره من أسئلة.. لذا أجد أنّ هذا الكثير الذي يُكتب ممسوس بهذا التشظي، وحتى الرواية بوصفها ديون العرب الحديث، لم تستطع أن تواجه هذا التغوّل التاريخي، فبدت السرديات أكثر تمثلا للشجن الشخصي، وللهموم التي يعيشها المواطن/ الكاتب، بعيدا عن نقد الظواهر التاريخية والاجتماعية الاستلابية ورعبها، والتي تحولت الى ممارسات في العنف الاجتماعي والسياسي والديني، والى عمليات ممنهجة للطرد والتكفير والاقصاء..
العزلة التاريخية المُكرَسة للثقافي، وفشل الانتلجنسيا الثقافية العربية في التعاطي مع الأسئلة الوجودية الكبرى، وطبيعة الرعب السياسي للأنظمة العربية جميعها، والإنقلابات الدموية، وصعود الجماعات والهويات المقتولة لأن تكون قاتلة، وكذلك فشل التنميات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وسوء ادارة ملفات التعليم المعرفة والخدمات والحوار، كلها أسباب قارة في تعطيل انتاج البيئة الثقافية الصالحة والمناسبة للحوار الثقافي والقبول بالتنوع والتعدد والمشاركة..
*الأجيال الجديدة، موضوع واسع، ومثير للجدل..كيف يمكن التعاطي مع هذه الأجيال، مع همومها الثقافية والانسانية، ومع طبيعة التحديات التي تواجهها؟
-موضوع الأجيال من أكثر الاشكاليات إثارة للجدل في تاريخنا الثقافي، فهو قرين صراعات ثقافية وسياسية وأديولوجية، مثلما هو انخراطه في لعبةِ منابر ظل صدى خصوماتها الى اليوم، إذ كثيرا ماكان يستغورها السياسي، وتُعتّم على منجزها طبائع علاقتها الملتبسة بالسلطة والمعارضة، حدّ أننا نفتقد الى وجود المثقف(المستقل) و(المثقف النقدي) وحتى حديث(المثقف العضوي) فيه الكثير من الوهم والتعالي والرومانسية..
اليوم نجد أنفسنا أمام معطيات مفارقة، يتوه فيها صراع الأجيال بمعناه النمطي، وتغيب معه صورة المثقف الايديولوجي والمتعالي لنكون أمام صورة غائمة لمثقفٍ مسكون بالاحتجاج والتمرد والرفض، لكنه أقل حكمة ومهنية، فتاريخ الأيديولوجيا في العراق رغم رعبه ورثاثته أحيانا، إلّا أنه كان ممارسة حادة في صناعة الوعي وفي الخبرة وفي القراءة.
الأجيال الجديدة غير خاضعة للمهيمن المركزي للسلطة والأيديولوجيا والطائفة، فهم يبحثون عن وجود بلا حافات، وطبيعة هذا الوجود الزلق يكون أكثر خطورة وهشاشة، لكنهم بالمقابل أقل تلوثا بالامراض القديمة، بما فيها مرض العزلة، لاسيما مع وجود التقانات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي التي قطعت الطريق على مناطق التغييب التي ظل يعيشها الكثير من المثقفين.. هذه الأجيال وجدت نفسها في غابة من الكتب والتكنولوجيا، مقابل غياب شبه تام لفوبيا القمع السلطوي، وهو مايجعل مهمة التمثل والتجاوز وصناعة المستقبل أكثر خطورة، لأنهم أمام انهيارات كبرى في كل شيء، وأمام طرق مفتوحة لكنها بلا حراس للذاكرة..
*هل هناك ملامح واضحة للكتابات الجديدة في الشعر والقصة والرواية والنقد؟
-لاشك في أن التغيرات الحادثة في الوعي وفي البيئة وفي انماط التواصل الثقافي، وحتى في طبيعة الحاكميات السياسية تنعكس بشكل خطير على ممارسة فعل الكتابة، ولو بشكلٍ ما، لاسيما الشعر الذي فقد الكثير من سلطانيته لصالح الرواية، تلك التي تحولت هي الأخرى الى محاولة لتمرير العديد من السرديات السرية، بما فيها سرديات المقموع والمسكوت عنه، فضلا عن سرديات الهوية والجماعة والجنس والدين وغيرها..
القصيدة- رغم كل الذي يجري حولها- ظلت مهمومة بمشاغلها الشكلية، وبغياب النقد الذي كان يطارد تحولاتها الداخلية، فالأشكال لم تعد مقدسة، بما فيها قصيدة النثر والعمود، فكل شعراء هذين النوعين ظلوا يمارسون الإشهار بعيدا عن مرقاب الناقد الذي انشغل بمراقبة الرسالة الشعرية وأنساقها المضمرة وحمولاتها السياسية والنفسية، كما أن هذا العصر بدا أقرب الى اعلان موت(القصة القصيرة) أمام زحف الرواية والقصة القصيرة جدا، ورغم كثرة فضاءات النشر الالكترونية إلّا أن قراء الأدب يتناقصون مثل الراكضين خلف السراب..
الرواية لوحدها مازالت تملك علبة الصفيح، والنقد تحول الى منطقة اشتغال معرفي وثقافي، وحتى أقرب للفلسفي والنظري، وسط تشوهات المؤسسة الأكاديمية التي لم تستطع أن تتحول- عربيا وعراقيا- الى بيئة حاضنة للتحول الثقافي الكبير، والى تأسيس ستراتيجيات كبرى تمسّ الصناعة الثافية وأسئلتها الأنطولوجية..
*الإرهاب والعنف بات ظاهرة لها وجود واقعي، ولها أقنعة ثقافية خطيرة..أين يجد المثقف ذاته في هذا الصراع المفتوح والمباح؟
-الإرهاب والعنف هما نتيجة لأسباب عميقة ظلت بعيدة عن المراجعة والفحص، وأن تراكم فشل بناء الدولة، وفشل تأسيس المشروع الثقافي مسؤولان عن تضخم ظواهر العنف والارهاب والكراهية والتكفير، الى الحدّ الذي أسهم في إفشال التحوّل التاريخي الذي عاشت مظاهره العديد من الدول العربية خلال مرحلة(الربيع العربي) فهذا الربيع الافتراضي كان يمكن أن يكون مدخلا لتحوّل تاريخي كبير، لكنه اصطدم بعجز القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التنويرية من أن تكون بمستوى الوعي باستحقاقات التحول..وأنّ ماحدث من فشل نكوصي أسهم بشكل خطير في العزلة الثقافية، مقابل صعود القوى السلفية والجهادية والتكفيرية المدعومة من دول وجماعات معينة، ومن مؤسسات ثقافية واعلامية ذات توجهات طائفية، والذي جرّ معه للأسف الكثير من الممارسات الثقافية الى الظهور، على مستوى صناعة الصورة التلفزيونية المشوهة، وصناعة(الفقيه الفضائي) كما سمّاه الغذامي، وصناعة المحلل السياسي والثقافي والطائفي، وهذه اللعبة الخبيثة واللزجة تورط فيها الكثير من الأسماء الثقافية، وممن يعملون في مؤسسات تدار رساميلها وعقولها الثقافية من دول ومن بنوك ومن جماعات لها أجندات وتوجهات معروفة..
* المثقف العراقي هل هو خارج هذه اللعبة، أم يحاول الهروب بعيدا حتى لايتورط بتائجها الكارثية؟
-لايختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي كثيرا، رغم أنه الأكثر تعرضا للرعب بحكم ماعاناه من تاريخ الاستبداد الطويل، وماعَلُق من آثار استلابية مع الإحتلال وتداعيات الصراع المدني في الداخل العراقي..
أدرك الكثير من المثقفين العراقيين خطورة الواقع، لاسيما الصراع الطائفي وفشل بناء الدولة، وهذا ماجعل اغلبهم يبحث عن خطوط أخرى للمواجهة، تلك التي تتعلق بإعادة ترميم صورة(المثقف النقدي) والذي يسعى الى أن يكون صوته عاليا، وأن يكون أكثر جرأة في نقد هذا الفشل المريع، وفي نقد الظاهرة الطائفية التي بدت أكثر رعبا وتعويقا لشرعنة التحوّل الديمقراطي والتنموي، فمظاهر الفساد والخراب والحرب الطائفية هي جزء من مظاهر العطب، والقصور الذي وضع المثقف خارج اللعبة، وربما ورطه في اصطفافات ومواقف وخيارات لايمكن الحديث عنها بوصفها(كتلة تاريخية) بل هي الأقرب الى محاولة تشويه صورة المثقف الاصلاحي والتنويري، مقابل صعود وجه الكائن الطائفي المأزوم بعقدة السلطة والمركزة والهيمنة.





_1617644865.jpg)



