تحقيق / نهاد قيس
بعـد مرور اكثر من شهرٍ على بدء العام الدراسي 2016 – 2017، وحلول موعد امتحانات الشهر الاول، ما يزال التلاميذ والطلبة بدون «كتب» أو «منهج»، معتمدين على نظام «الاستنساخ» كحلٍ ترقيعي ومكلف، بعد أن أوصدت جميع الابواب في وجوههم، وسط غلاء الاسعار و «شح الكتب»، بينما تراوح وزارة التربية مكانها دون طرح حل سريع ومقنع من شأنه حل أزمة تربوية غير مسبوقة في العراق. «شح الكتب» انتقل من مخازن الوزارة الى الاسواق السوداء، بعد اتخاذ السلطات اجراءات رادعة تصل الى «الاعتقال والحبس» بحق من يبيع الكتب المدرسية، ما فاقم الازمة وأوصد اصعب الحلول ذات التكلفة المادية التي ارتضاها بعض اولياء الامور من اجل مستقبل اطفالهم.
*الوزير اقبال اعلن في مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء (25 تشرين الاول الحالي)، حرمان أكثر من خمسة ملايين طالب في العراق من الكتب المدرسية، وعزا ذلك الى قلة التخصيصات المالية. هذا التبرير اثار عجب نواب في البرلمان، متسائلين عن سبب تغيير المناهج الذي يتطلب طباعة كتب جديدة، إن كانت التخصيصات المالية لا تكفي للطباعة، لاسيما وأن وزير التربية قد تعهد مطلع الشهر الحالي بتجهيز الطلبة بكافة الكتب المدرسية نهاية الشهر الحالي، في تعهد لم يتمكن الوزير من تنفيذه كما يبدو.
مهازل وانتكاسة كبرى
*النائبة عن جبهة الإصلاح عواطف نعمة تقول، إن من «مهازل» وزارة التربية شراء الكتب المدرسية من السوق السوداء، أو اللجوء إلى استنساخها في المكتبات، عادة ذلك «سابقة خطيرة وإنتكاسة كبرى» للمسيرة التعليمية في العراق». وترى نعمة أن ما زاد الأمر سوءاً هو الإصرار «العجيب» للوزير على تغيير المناهج الدراسية كل عام، ما يجعل الوزارة مضطرة لطبع الكتب المنهجية الجديدة، في حين يدّعي قلة التخصيصات، لافتة الى أن مطابع عمان تباشر بطباعة الكتب على الرغم من قرار مجلس الوزراء السابق بطباعتها داخل العراق. وتضيف أن هذه المشكلة باتت قضية رأي عام وهناك حالة استياء وتذمر لدى الناس عبروا عنها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.
مجلس الوزراء يتحمل المسؤولية
*أما لجنة التربية في البرلمان فقد حملت من جانبها، مجلس الوزراء مسؤولية «الفشل» في عدم توزيع وزارة التربية للكتب واشارت الى وجود جهات تغطي على هذا «الفشل» داخل البرلمان. وبحسب عضو اللجنة النائب كاظم الصيادي ، إن «الذي يتحمل الفشل الحكومي بعدم توزيع الكتب على طلبة المدارس هو مجلس الوزراء بكافة اعضائه»، مشيرا الى ان «وزير التربية طالب بزيادة مخصصات الاموال المخصصة لطباعة الكتب والمستلزمات، إلا أن الحكومة في وادٍ ووزارة التربية ومتلطباتها في وادٍ آخر». ويضيف الصيادي أن «لجنة التربية النيابية طالبت قبل اقرار الموازنة المالية بأن تكون هناك دراسة لقضية الاموال المخصصة لطباعة الكتب ومستلزمات الطلبة ولم يؤخذ بها بسبب التقشف»، موضحاً أن «اللجنة طالبت أيضاً باجراء تحقيق بشأن عدم توزيع الكتب على الطلبة.
مقترحٌ لمواجهة «قلة التخصيصات» لا يجد اذاناً صاغية
*وإن كان العذر الذي اعلنه وزير التربية بعدم وجود تخصيصات مالية، فإن هذه المشكلة قد وجدت الحل لها في اقتراح قدمه عضو اللجنة المالية النيابية النائب هيثم الجبوري، ومضمونه «استقطاع رواتب النواب و الوزراء و الدرجات الخاصة لشهر واحد و تحويل مبالغها لطباعة الكتب المنهجية لطلبتنا الاعزاء لعدم وجود مبالغ مخصصة لطباعة هذه الكتب». والجبوري الذي اشار الى «عجز الحكومة عن ايجاد حل لهذه المسألة المهمة واثرها السلبي الكبير على العملية التربوية والتعليمية في العراق»، دعا «رئاسة الوزراء و رئاسة البرلمان لاتخاذ قرار بهذا الشان فورا»، إلا أن هذا الاقتراح وتلك الدعوة لم يجدا اذانا صاغية حتى اليوم.
تجارٌ يسيطرون .. ومحاولات لعرقلة استجواب اقبال
*اما النائبة عالية نصيف «صاحبة الجهد الاكبـر في اقالة وزير الدفاع اثر ملفات فساد اثارتها بحق الاخيــر، قالت ، إن تجاراً «يسيطرون» على مطابع وزارة التربية بالتعاون مع الوزارة، واشارت الى انها خاطبت الوزارة بـ16 سؤالاً بخصوص ملفات فساد لكن دون جدوى. نقاط كثيرة باتت تشكل مصدراً يلهم نوابا ً لإستجواب وزير التربية محمد اقبال، ابرز تلك النقاط وبحسب النائب علي البديري، «قلة توزيع الكتب على الطلبة وبيعها في السوق السوداء». البديري اشار في ذات الوقت الى وجود «محاولات لعرقلة الاستجواب»، فـي وقت أن «ملفات استجواب الوزير كاملة».
الشارع يغلي .. «لا ارحمك ولا اخلي رحمة الله تنزل»
*حجم التذمر والاستياء لدى أولياء امور التلاميذ والطلبة، وصل الى حد «الغليان»، هكذا يقول كريم محمد (37) عاماً لديه طفلان في المرحلة الابتدائية يعانيان من عدم توفر أغلب المناهج الدراسية، مبينا أن «الوزارة والوزير محمد إقبال يستخف عقول الناس ويطل عليهم بذرائع مثيرة للسخرية». ويضيف محمد، وهو يتجول في سوق السراي الشهير ببيع القرطاسية ببغداد، «أية وزارة بائسة هذه تتبجح بعدم توفر الأموال، والأدهى من ذلك أنها منعت بيع الكتب بداعي منع الفساد، وبالتالي ينطبق المثل القائل باللهجة الدارجة – لا أرحمك ولا أخلي رحمة الله تنزل ـ ، في إشارة الى عدم توزيع الكتب رسميا ومنع بيعها في السوق السوداء. ويحذر محمد، من أن «الاستهانة بتوزيع الكتب المدرسية يعد تجاوزا خطيرا يهدد مستقبل الأطفال»، مقترحاً «تحويل التربية الى قطاع خاص وتنحيها جانبها إن بقيت الوزارة عاجزة عن حل الأزمة».
*كما يبدي (ن ، ث )، (40 عاماً)، استغرابه من تلك الاجرءات، متسائلاً «كيف يمكن للتلاميذ التعلم في ظل عدم توفير الكتب في المدارس ومنع بيعها في الاسواق»، مؤكداً بالقول «ارتضينا بشراءها باسعار عالية ولكن لايمكن لنا شراؤها الان، فماذا نفعل». في وقت يشير ثامر الوادي، وهو صاحب متجرٍ في سوق السراي ببغداد، إلى أن «هذه المشكلة تتكرر مع بدء كل موسم دراسي، إلا أنها تفاقمت وتضاعفت هذا العام»، في وقت ابدى مواطن آخر كان يتجول في السوق استعداده «لطبع او استنساخ المناهج الدراسية على حسابه الخاص من اجل مستقبل الاطفال».
دعوة لإلتقاط صور «الشماتة» مع وزير «الـpdf»
وزيرالـ pdf ، هكذا وصف وزير التربية محمد اقبال من قبل ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اطلقوا هاتشاغا حمل هذا الوصف، فــي إشارة إلى لجوء الاهالي الى (الكتب الالكترونية) عبر مواقع الانترنت. *الاعلامي والناشط حسام الحاج، وجه عبر الموقع «الازرق»، رسالة الى أعضاء كتلة «جبهة الاصلاح» النيابية، باعتبار ان تأسيس هذه الكتلة جاء لقتال «الفساد الاداري المستشري»، وأشار متهكماً إلى أن هناك «وزارة اسمها وزارة التربية تبعد عن مجلس النواب؟؟؟ متراً لم توزع الكتب لطلبة المدارس بسبب الفساد، وهذا أتفه وأقل واجب ممكن تقوم به الوزارة». ودعا الحاج، اعضاء الاصلاح إلى «استجوابه أو إقالته والتقاط الصور عند سبورة فرز الاصوات لغرض الشماتة»، في إشارة الى الصور التي التقطها عدد من اعضاء الاصلاح عند سبورة فرز الاصوات التي صوتت على إقالة وزير الدفاع السابق خالد العبيدي.
وقفة احتجاجية ومطالبات بـ «الرحيل»
*أما الناشط اسيل الحبيب، فيرى أن «الفساد انهى مجانية التعليم ولا ينبغى السكوت على اللصوص»، مشيرا إلى أن «الدستور قد كفل مجانية التعليم، بحسب الفقرة أولاً من المادة؟؟ (التعليم حق تكفله الدولة) فيما تنص نفس المادة ثانياً: (التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله.)»، ويضيف «يبدو ان الاموال التي خصصت للمناهج تحولت ارصدة للفاسدين». ويبدو أن التظاهر الذي كفله الدستور العراقي، قد أصبح آخر الحلول، اذ نظم مواطنون واولياء امور وقفة احتجاجية صباح يوم الاثنين، (31 تشرين الاول 2016)، امام مبنى وزارة التربية وسط العاصمة بغداد، رافعين شعارات ابرزها بحسب ماذكره ناشطون، شعار بحق وزير التربية «ارحل»، و «اقيلوا محمد اقبال».
سيتم توزيع الكتب على المدارس خلال هذا الشهر
*وقال مدير عام الإدارية في الوزارة محمد يوسف إن «عملية احتساب كلفة الطباعة للكتب الدراسية لأكثر من مرة اثرت على الوزارة التي تعاقدت مع المطابع بطريقة الدفع بالآجل لقلة الميزانية المخصصة للعام الحالي»، مشيرا الى ان «قلة العروض المقدمة من المطابع الاهلية هي الاخرى اخرت عملية الطباعة حيث ادى ذلك الى اعادة احتساب هذه المبالغ مرة اخرى وأخرت عملية التعاقد مع هذه المطابع لمدة شهرين». وأضاف يوسف ان «عملية طباعة الكتاب ليست بالسهلة، حيث يحتاج الى اسبوعين او ثلاثة من مصادقات وتنقيح وامور فنية وغيرها من الامور الاخرى»، مبينا أن «العقد الموقع مع هذه المطابع يقضي بالانتهاء من طبع جميع الكتب في بداية شهر تشرين الثاني وان 90 % من هذه الكتب سيتم توزيعها على المدارس خلال هذا الشهر». وأشار يوسف الى ان «كتب المناهج التابعة للوزارة والمتسربة للسوق السوداء ليس للوزارة علاقة بها»، لافتا الى ان «تسريب هذه الكتب يتم اما عن طريق المديريات العامة او ادارات المدارس او في بعض الاحيان الكتب التي ترفضها الوزارة بسبب مخالفة المطابع للمواصفات الفنية من حيث الالوان او جودة الطباعة».
مشروع لتغيير النظام التعليمي
*وأعلن وزير التربية محمد إقبال الصيدلي، الاثنين، عن تقديمه مشروعا لتغيير النظام التعليمي في العراق، مشيرا الى أن المشروع يتضمن تحويل المراحل الدراسية الثلاث الى أربع سنوات لكل مرحلة متوزعة بين الابتدائية والمتوسطة والإعدادية. وقال الصيدلي في بيان إن «الأنظمة التربوية والتعليمية في العالم طرأ عليها تطور كبير»، مؤكدا أن «العراق ما يزال يعاني من تأخره بهذا المجال مع بقاء تطبيق الأنظمة القديمة». وأضاف الصيدلي، «قدمنا مشروعا للكوادر العليا في وزارة التربية لتغيير النظام التعليمي في العراق من (6-3-3) الى (4-4-4)، وتم توجيههم بتقديم الدراسات المستفيضة حوله»، مبينا أن «المشروع يتضمن تغيير عدد السنوات المتبعة وجعل المراحل كافة متكونة من اربع سنوات موزعة بالتساوي على الابتدائية والمتوسطة والاعدادية». وأشار الى أن «النظام الجديد في حال إقراره سيعالج حالة الاكتظاظ في المدارس الابتدائية وانخفاض نسبة التركيز لدى الطلبة مع التخلص من المشاكل التي تعانيها المدارس في مجال زيادة نسبة رسوب الطلبة في الخامس والسادس الابتدائي بالاضافة الى القضاء على السلوكيات السلبية وحماية طلبة المراحل الاولية من تلك السلوكيات، فضلا عن انه سيتيح الغاء الامتحانات العامة في الابتدائي وتعويضها بانماط أخرى، بالاضافة الى القضاء على الفيض في ملاكات الدراسة الابتدائية»، لافتا الى أن «النظام الجديد سيتيح توحيد النمط الامتحاني للمراحل الاربع الاولى في الابتدائية والتي تحمل معيار الدرجة 10». وتابع، أن «النظام المقترح سيتيح توسيع النظام الاهلي لانه سيتطلب شروطا اسهل في افتتاح المدارس لاسيما بعد تقليص سنوات الدراسة الابتدائية مما يمكن الوزارة تقليص الدوامات الثنائية والثلاثية»، موضحا أنه «سيعطي الوزارة مدى اوسع لتطبيق نظام تنويع التعليم في مراحل اضافية مما يصب في مصلحة تقدم العراق في المجال التربوي والعلمي ويقلل الفجوة الكبيرة التي تفصله عن بقية دول العالم».





_1617644865.jpg)



