حوارات وتحقيقات

رياض الأطفال..جنان الأرض المهملة

شوقي كريم حسن

 

العطر يوشم القلب ويجعلك تتمنى لو عادت بك الايام الى ماضي زمانها، تتمنى لو ان تلك الام المضخمة بكل الوان الامومة، هي امك، رغم الفارق بين ثياب اليوم، وتلك الثياب التي كانت موشومة بالوان تمنح الارض اخضرارها، امهات الامس كن اكثر لطفا، وحميمية فيما اخذت الايام امهات اليوم الى حيث الوظيفة، والامال التي لا تعني للصغار شيئا سوى ان امه ستغادره لبضع ساعات.. يمتلئ المكان بالالوان، والوجوه التي تغفو محاولة الامساك ببعض من منامات الليلة الفائتة ولكن هذا  يبدو ما يشبه المستحيل حيث تدخل المعلمة وكما يقال لها بلغة هذه الامكنة «المس» فتروح الرؤوس ترقب اوبتها وهي تفرش زاد حبها الجميل امام كل الاعمار، فينتقي كل غايته وتكركر الحناجر..احاول القبض على ما تبقى من طفولتي الايلة الى الانقراض لم تكن تشبه تلك التي اريد دخولها عنوة الان ولكني احاول جاهدا منح نفسي بعض من فرح تلك العيون التي كانت تبصرني بشيء من الاستغراب والحيرة، عيون لم تفقه بعدمعنى ان يكون واحد مثلي وسط هذه الجنة التي تحوي احلام افئدتهم الغضة؟ امرتني المس ان اجلس في الصف الاخير،فجلست، كانت رسل تجلس الى جانبي وهي مستغربة وحين اخرجت دفتري ازداد العجب، لكن الوقت قد ازف وبدأت الشفاه تتلو ما يجلو قهر الاباء والامهات اصوات هي روح حمائم السماء وعناوين مسير الدجلتين 

موطني.. موطني.. الكمال والجلال.. والبهاء.. موطني..

تستمر الاصوات بالعلو وتغدو الحناجر اكثر رقة وعذوبة فهي تحوي العراق بكامله تلك القصة حدثت في روضة (دندنة) ومعها سارت قصص اخرى، تبحث عن رياض الاطفال ما هي عليه..

سألت حمودي الولد الشقي القافز كجدي ما الذي تريد ان تكون عليه؟

لم يفهم سؤالي فأسئلة الكبار تعيق مسرات الصغار لكنه تلقف ما قامت به المس فنظرني بمودة وجلس قبالتي قائلا:

ــ اريد ان اكون راقص باليه!!

سيطرت الغرابة على كل جوانحي  وخللت ابصره باستغراب ترى من اين استقى تلك الاجابة وهل ثمة روح للفنان في اعماقه قلت ماذا تعني الباليه؟

فراح سعيدا مبتهجا يطير ويطير مقلدا راقصي البالية بحركات  هي اشبه برفرفة اجنحة البلابل ضحك الجميع فيما ظل حمودي يداعب خياله محاولا ان يبقى في حضور عوالم الفن الانيق..

تقول الست نادية كاظم زوير مديرة روضة دندنة: تاسست الروضة عام 1998 بتمويل ذاتي وباجازة رسمية من وزارة التربية كان التأسيس الاول في الرصافة وعام 2000 انتقلنا الى الكرخ تستقبل الروضة وحسب المواسم الاطفال من الشهر العاشر الى الشهر الرابع اما الاعمار فمن يوم واحد الى سن المدرسة..

 رياض.. ولكن

انظر الى الفصول وهي غرف دندشتها الالوان صور شتى حيوانات اليفة طيور غزلان شاردة وارقام تبدأ بالاول وربما لا تنتهي ابدا..

وعند الجدار الثاني كانت ابجدية الحروف.. تنقسم رياض الاطفال وبحسب ما تمليه وزارة التربية الى روضة وحضانة وتمهيدي..

تقول الست اسراء فتحي، وهي مربية حضانة: للاسف الشديد لم يزرنا احد منذ زمن طويل ولم نتلق اي دعم ومن اية جهة سواء كانت حكومية اومنظمات المجتمع المدني التي تعنى بشؤون الطفولة، لهذا تجد ان الكثير من رياض الاطفال اما اغلقت بالكامل او تراجعت خدماتها بشكل ملحوظ اذ لا تكفي الاجور التي نأخذها من الاسر لتنفيذ برامجنا وسد احتياجات الروضة، ولكننا نحب ممارسة هذا النشاط ولا نريد له ان ينقرض.

هالة محمود مسؤولة تعليم الرياضة والترفيه تقول: العاب رياض الاطفال بسيطة جدا، ولا تتعدى الالعاب السويدية ومرات نقوم بسفرات الى الزوراء او مدينة الالعاب بصحبة الامهات ولو كان الدعم موجودا لما حدث هذا التراجع المريع، حيث لا تجد العابا متميزة لدينا طموحات وامال كبار لكن الظرف الامني يفرض علينا الكثير من الضغوط التي تمنعنا من ممارسة عملنا بشكل طبيعي..

صفاء ياسين مربية ومسؤولة عن مرحلة التمهيدي تقول: رياض الاطفال مرحلة مهمة في حياة الطفل، اذ انها تعده وتعوده الى المدرسة وتحاول جاهدة ان تجعله متعلما لا يتعب حين ينتقل الى الابتدائية لهذا ترى الذين درسوا في الروضات اكثر تفوقا من غيرهم  وهناك دروس منهجية منها القراءة والرياضيات والتربية الاسلامية..

 التخرج والسلام عليكم

اليوم تجمع البعض فلقد بدأ العام الدراسي ولابد لهؤلاء الذين كبروا بين احضان هذه الرياض ان يحتفظوا بذكرى ما، اصطف الجمع، والتقطت الصور.. ومع الصور وزعت شهادات التخرج التي تؤهل المتخرج بالذهاب الى المدرسة..

كانت الفرحة كبيرة والعيون ترى ان الاعمار قد تجاوزت استحقاقها الطفولي وغدت مؤهلة لان تمارس دورها في الحياة..

تقول الطالبة سوسن خالد.. ست سنوات: الروضة جميلة ولدينا اصدقاء سنذهب سويا الى المدرسة وانا احب المس كثيرا لاني عشت هنا خمس سنوات كاملة!!

الطالب براء نعمان قال: الان كبرت ولكني سأظل اتذكر الروضة لانها علمتني اشياء كثيرة وجميلة، اما المدرسة فالاشياء فيها تختلف ومعاملة المعلمين هناك غير معاملة «المس» هنا..

الطالبة سهام نوري قالت: اود لو ابقى هنا، لكن امي تقول ان علي اليوم ان اذهب الى المدرسة، وانا لن انقطع عن الروضة ابدا لاني احبها..

بين الرصافة والرياض قصص

حملت بعضي ورحت ابحث عن سر هذا الانتشار في منطقة الكرادة الشرقية كانت رياض الاطفال اكثر  اشراقا وبهجة وهي اقرب الى المدارس في كل شيء هنا منظم ودقيق، والاطفال لهم رونق بهي تقول الست جانيت ميخائيل:

ـ تاسست الروضة عام 1960 وهي من اقدم رياض الاطفال في العراق، ونحن نستقبل كافة الاعمار ومن الساعة السادسة حتى الساعة الرابعة عصرا ولدينا خطوط تجلب الاطفال وتعود بهم ثانية الى البيوت، ما يميز الروضة ان بعض الاباء كانوا هنا يوما وها هم يجلبون اطفالهم..

انا مختصة برياض الاطفال والمعلمات كلهن خريجات ومعلمات يعرفن ما يراد منهن ونحن نقوم بتعليم اللغات ايضا لهذا ترى طلبتنا من المتفوقين دراسيا!!

 حكاية لها اساس

وانا احدث السيدة جانيت والتي كانت في يوم ما تلميذة في هذه الروضة، دخل رجل ستيني وهو يقود صبية بضفائر سود تتطاير خلفها بعد ان سلم دعته السيدة الى الجلوس فجلس مبتسما:

قالت ــ هذا ابو هند وهو طبيب اطفال..

قلت ــ اهلا ومرحبا اذن انت تشرف على الوضع الصحي للاطفال..

قال ــ نعم ولا ..فانا واحد من تلاميذ هذه الروضة.. وقد تطوعت للمساهمة مجانا في فحص من يحتاج الرعاية وغيري الكثير وكل اولادي درسوا هنا..

قالت السيدة جانيت كان زميلي حتى الخامس الابتدائي هو وزوجته لهذا يمكن ان تقول انها عشرة عمر..

قال الدكتور عبدالهادي الفهد (ابو هند) رياض الاطفال في عمومها تحتاج الى اشراف مباشر من قبل وزارة التربية والصحة والجهات ذات الاختصاص في السابق كان هناك من يزور هذه الرياض ويشرف على امورها ولكننا ومنذ سبع سنوات لم نجد من يزور الروضة وهي تحتاج الى بعض الاهتمام مثلها مثل المدارس.

 هلي ورياض الاطفال

اخذتني المسافة بين احضانها لترمي بي وسط هذه اللجج الغريبة والمكتظة والتي تسمى مدينة الصدر  هنا تبدو المدينة وكأنها تتحرك صوب اتجاهات غير محددة، لم اتذكر في المدينة روضة واحدة ولكن قد تكون السنوات غيرت الامر حين سألت عند بداية ساحة مظفر لم اجد جوابا..

فدخلت في العمق فوجدت ضالتي روضة في مكان يشبه كل البيوت حين دخلته شعرت بالحزن على نفسي اولا وعلى تلك الطفولة التي تشعر ازاءها لا بالحزن بل بالوان شتى من الاضطراب والخوف.

عند الباب سيول من الماء وقد وضع حجر تلو حجر لعبور الاولاد والبنات وعند الطرف الاخر تكدست اكوام من النفايات التي تشبه تلالا تذكرنا بالفواجع.

في الداخل لا شيء سوى بعض من الالعاب البسيطة، وكراس عتيقة وصور رخيصة علقت على الجدران التي لم تصبغ منذ سنوات تقول السيدة خيرية فارس مديرة الروضة قطاع 37.

فتحت الروضة لاني شعرت بحاجة العوائل اليها بعد ان تكاثر عدد الامهات الموظفات واعترف لك انها مركز ايداع اكثر مما هي روضة انا خريجة معهد معلمات واعرف ما تحتاجه الروضة ولكن من اين والحال كما تعرف الام تدفع 40 الف للطفل الواحد ومن الساعة السابعة حتى الثالثة ونحن نقدم وجبتين مسائية وصباحية ولدي اربع مربيات وعليك ان تحسب علما ان البيت ايجار وصاحبه يطالبنا بزيادة الايجار كل مدة، لم يعطنا احد دعما زارتنا بعض المنظمات، ووعدونا خيرا، ولكنهم ذهبوا لم نسمع بهم وما جاؤؤنا بشيء، منظمة واحدة عراقية قدمت لنا لعبا بسيطة، بعضها مشترى من البالات اما عن الاجازة فقد راجعت وزارة التربية وتربية مدينة الصدر، فلم اجد جوابا لهذا لا اعرف الى اين اتجه..

الدكتورة عفراء السامرائي.. مشرفة تربوية قالت:

ـ رياض الاطفال في العراق تعاني من اشكاليات كثيرة، ومهمة والبعض منها يعمل دون مناهج ودون فهم لدورها التربوي الاساس ومن المؤسف اننا جميعا لم نفكر حتى في ايجاد منهاج تربوي موحد وندخل المربيات دورات تخصصية تجيز لهن التعامل مع كافة الاعمار اما تلك التي في المدن الكبيرة فيجب ان تتوافر فيها شروط المدرسة من حيث المكان والمعلمات وكل الاشياء الاخرى والا سنجد انفسنا دون رياض صحيحة تربوية..

تلك هي كانت رحلتي  عبر الطفولة التي اوصلتني الى كل هذه المعاني ثانية نفضت نفسي وامسكت بوجع القلب وعدت الى حيث كنت، اسفت لعودتي فالطفولة شيء لا يعوض، والبقاء تحت غطاء فرحها متعة ما بعدها متعة، ولكن المس ايقظتنا وهي تطلب منا جميعا ان ننشد ببراءة طيور السماء «بابه ومامه همه اثنين.. كل واحد يستاهل عين».. الملم اغراضي واضع طفولتي بين طيات دفتري.. واعود ولكنه ليس بالعود الا حمد.. فلقد انتبهت الى ما اوجع قلبي.. كان هناك ثمة مجموعة من الاطفال وهم يلعبون وسط كومة من النفايات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان