حوارات وتحقيقات

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي: الاصلاح الحقيقي ضرورة ورافعة للتغيير المنشود

* طرح الحزب ثلاث وثائق، ومنها وثيقتا النظام الداخلي والبرنامج المقران في المؤتمر الوطني التاسع كمشروعين معروضين للدراسة والبحث والنقاش الى المؤتمر الوطني العاشر، أما من جديد يمكنى تقديمه ؟

– عندما يعقد الحزب مؤتمره في مرحلةٍ ما، فمما لا شك فيه تكون وثائق ذلك المؤتمر متعلقة بتلك المرحلة، يحدد مهامها وقواها المحركة وتناقضاتها ويوضح رؤيته أيضاً، ومنذ عام 1934 كانت هناك برامج تغطي المراحل المختلفة، ففي مرحلة النظام الملكي كان هناك برنامج، واخر ليتماشى مع متطلبات مرحلة انتصار ثورة 14 تموز 1958 حيث استجدت مهام جديدة، ثم بعد مرحلة انقلاب شباط الاسود 1963وهكذا وصولاً الى ما قبل الاحتلال عام 2003.

في مرحلة ما قبل الاحتلال،عقد الحزب مؤتمراته الرابع والخامس والسادس والسابع، كان لكل مؤتمر برنامجه يتماشى مع المرحلة وخصوصاً المؤتمر الخامس والذي يعد من المؤتمرات المهمة جداً في مسيرة الحزب النضالية. ولاحقا كان لابد من الإعداد الواسع والعميق لوثائق المؤتمر الثامن الذي عقد في عام 2008 حيث استجدت اوضاع مختلفة واختلفت الظروف . ومن يرجع الى وثائق هذا المؤتمر، يلاحظ فيه استعراضا لكل التطورات التي حصلت قبيل السقوط والاحتلال وأثناء السقوط، مثبتاً موقف الحزب من الحرب وما بعد التغيير، والخيارات والقرارات التي اقرّت وشعارنا الذي رفعناه (لا للحرب ..لا للدكتاتورية)، وموقفنا من انهيار النظام وانهيار مؤسسات الدولة وكيف تعاملنا وتفاعلنا مع الوضع الجديد، وعندما عقد المؤتمر التاسع، أيضاً لاحظنا عدم حصول تغير عميق وكبير في طبيعة الوثائق لأن معظم المهمات المشخصة في المؤتمر الوطني الثامن، ما تزال قائمة، اي بمعنى عدم تحقيق البديل الديمقراطي الذي كنا نناضل من اجله، مواجهة نظام نهج المحاصصة وكيفية التخلص منه، مواجهة الأزمات، ومن ثم الخيارات الاقتصادية، وعملية بناء الدولة التي لم تحسم والتي ما تزال بحد ذاتها مجالاً للصراع حول الاتجاهات والمضامين، كل هذه كانت موجودة في المؤتمر الوطني الثامن، ولكنها دققت في المؤتمر التاسع في ضوء التطورات التي حصلت واتضاح الأمور بشكل أكثر. واليوم ونحن نتوجه الى المؤتمر العاشر وأمامنا معطيات 13 سنة منذ التغيير، وكثير من القضايا العقدية التي كان ينطوي عليها الوضع الجديد ولم تجد لها معالجات سليمة، كانت تحمل عناصر تحولها إلى أزمات ربما كانت بشكل جنيني، وكإرهاصات، لكنها اليوم أصبحت أكثر وضوحاً واستفحلت لتتحول إلى ازمة . والأزمة هي أزمة نهج المحاصصة والتي أصبحت عميقة وواسعة ومتجلية في مظاهر تشمل مختلف الميادين السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية والتي يمكن اعتبار تمدد داعش وغير داعش من التنظيمات الارهابية احد نتائجها او تداعياتها، وكذلك الحالة المأزومة لاقتصاد البلد وسوء ادارة الدولة والفساد والاعباء التي يلقيها كل ذلك على ابناء شعبنا.اقتصاد البلد اليوم أصبح في حالة مأزومة والمواطن يدفع ثمن ذلك .

وحينما نقول (تدقيق وثائق المؤتمر) فنقصد ان الحزب نبّه في وثائقه إلى مشاكل وقضايا عالقة،ولا تتوفر ارادة جدية للوصول إلى حلول بشأنها . ظواهر مستعصية الحزب شخصها كازمات قائمة وقال انها موجودة تحتاج الى علاج وأخرى بدأت تتشكل. الآن الأزمات التي جرى التنويه إليها استفحلت وتكاثرت بسبب عدم التوصل إلى حلول بشأنها. وهذه الأزمات تداخلت وتشابكت وأصبحت استعصاءات كان لها نتائج وخيمة، ونتائجها كارثية وخصوصاً في الجانبين الأمني-العسكري والاقتصادي، فالفساد بات مستشريا والأموال بددت بمشاريع فاشلة او وهمية وبفساد بيّن. واليوم وصلنا الى حالة أصبح من الضروري إجراء تغيير، ولم يعد التخلص من المحاصصة مجرد خيار سياسي، وإنما ضرورة محتمة لأن الكيان العراقي أصبح مهدداً ومعاناة المواطنين شديدة.

اما ما تقصده في سؤالك (أما من جديد؟)، فهذا يحصل حينما تكون هناك انعطافة . نعم حصل جديد في وثائق وبرامج الحزب في فترة ثورة 14 تموز 1958 وفي فترة الجبهة الوطنية وما بعد 1978/1979حينما انتقلنا الى المعارضة، اي حينما تحصل انعطافة يحصل تغيير واضح في برنامج الحزب. ما يطرح في وثائق المؤتمر الوطني العاشر هو امتداد لما موجود في المؤتمر التاسع ولكن مع التدقيقات، فهناك أمور تجاوزتها الحياة، هناك تغيرات في الملامح الاجتماعية – الطبقية والتي أصبحت أكثر وضوحاً، فالعراق يعيش مرحلة انتقالية وكل البنى تحت التشكيل. شرائح جديدة نمت وتصاعدت وتضخمت مالياً اعتمادا على أموال ريعية ونشاطات طفيلية، واخذت تتبلور لدى هذه الفئات والشرائح ملامح مصالح طبقية معينة وقطعت شوطاً كبيراً باتجاه ترسيخ تلك الملامح، والمثال الأوضح هوما يخص البرجوازية الطفيلية. وهناك جماعات وفئات لها مواقع متنفذة تسيطر على السلطة السياسية، كما تمسك بمفاتيح مهمة في المجال الاقتصادي وتملك وتسيطر على فضائيات ومنابر اعلامية ولها تاثير في القرار الاقتصادي والاعلامي . وهذا يؤشر بدايات تبلور سلطة اوليغارشية، اي سلطة القلة، او «الحيتان»، تعمل على تفريغ المؤسسات المنتخبة من مضامينها وتنزع عنها السلطة الفعلية. نحن نرصد ونتابع وندرس هذه التغييرات الجارية في المجتمع وعملية التمايز والفرز الاجتماعي-الاقتصادي الحاصل ونحاول استشراف اتجاهات تطورها وتاثيرها على لوحة الصراع السياسي . والتقدير انه بدأت تتبلور ملامح فئة معينة نحن نرصدها ونتابعها. وسيتوقف المؤتمرمليا عند الحراك الجماهيري لمناقشة ابعاده المختلفة، ويبحث في تأثيره على المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية، ودوره في تحفيز وتعبئة وتعزيز وحدة عمل القوى الطامحة للاصلاح والتغيير، وبشكل خاص القوى المدنية الديمقراطية.

* بعد المؤتمر التاسع حصلت تغيرات كبيرة على الساحة السياسية العراقية، ما مدى مواءمة مشروع البرنامج المطروح مع المستجدات الواسعة؟

– كما اسلفت في اجابتي على السؤال السابق، الملامح الأساسية للأوضاع ولمآزق العملية السياسية بسبب اعتمادها نهج المحاصصة الطائفية والأثنية، لا تزال قائمة منذ المؤتمر الوطني التاسع، ولكن الأزمة بجوانبها المتعددة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة. فالعملية السياسية انطلقت منذ عام 2003 وتحددت طبيعة النظام السياسي الذي تسعى لبنائه في الدستور الذي تم اقراره عام 2005. والعملية السياسية للأسف بُنيت على أساس المحاصصة، بارادة سلطة الاحتلال وبالتفاهم والاتفاق مع قوى الطائفية السياسية التي تصدرت المشهد السياسي. بدأت العملية السياسية وهي تحمل في داخلها نواتات بذور أزمتها. فمسيرتها سرعان ما بدأت تتعثر بفعل الانقسامات والصراعات بين قواها الرئيسية وقد سارت بخطوات متعثرة وخرجت عن الطريق الصحيح، وبالتالي برزت الحاجة الى إعادتها الى الطريق الصواب. وقد دعونا، كحزب، منذ وقت مبكر الى عقد مؤتمر وطني يجمع كافة القوى المشاركة في السياسية، سواء المشاركة في السلطة او خارجها من اجل مراجعة المسارات، وقد حظي هذا المقترح بتأييد ودعم على كافة المستويات، بما فيها من قبل رئيس الجمهورية في حينها السيد جلال الطالباني، لكن للأسف فإن معظم القوى لم تكن جادة في الاستجابة لهذا الموضوع.

واليوم بلغت الأزمات حداً كبيراً بالارتباط مع استمرار الصراع ما بين الكتل السياسية المتنفذة وداخلها، ما اوجد مزيدا من التشظي انعكس على بنية واداء الدولة وسلطاتها الثلاث. والمحصلة هي الفشل في بناء مؤسسات دولة فاعلة توفر الأمن والخدمات للمواطنين، وصاحب ذلك استشراء للفساد وهدر للمال العام وغياب للتنمية. وتتحمل القوى المتحاصصة مسؤولية هذا الفشل والتردي في الاوضاع العامة، والذي تكشفت ابعاده الخطيرة بصورة مـاساوية في احتلال تنظيم داعش الارهابي للموصل من جهة، وفي تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية اثر الهبوط الحاد في اسعار النفط عالميا من جهة اخرى. وتزداد مسؤولية كل قوة من القوى المتنفذة في ما آل اليه الوضع في العراق، كلما كانت «حصتها» في الدولة وفي السلطة أكبر، وليس لأي من قوى المحاصصة أن تعفي نفسها من المسؤولية إزاء ما حصل ويحصل.

وما كان مطروحاً منذ سنوات كمقترحات وحلول، قد يحتاج الآن، وفي ضوء التجربة، إلى مراجعة وتدقيق، وربما إلى معالجات جديدة. كنا قد طرحنا في المؤتمر الوطني التاسع شعار وهدف اقامة دولة مدنية ديمقراطية على أساس العدالة الاجتماعية، وهذا الشعار يحمل عملياً رؤية تتنافي مع نهج المحاصصة وتمثل مشروعا بديلاً يعتمد مبدأ المواطنة الضامن لمساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بعيدا عن اي تمييز. وهو مشروع دولة لا تحجب مشاركة اي تكوين من طيف الشعب العراقي التعددي، بل تحفظ حقوقه وتمكّنه من ممارستها والتمتع بها، وتضمن مشاركة جميع تكوينات الشعب الدينية والمذهبية والعرقية والاجتماعية في الدولة ومؤسساتها، على اساس المواطنة ومنظومة الحقوق والواجبات المرتبطة بها، وبالاستناد إلى نص وروح الدستور. وحزبنا، والقوى المدنية الديمقراطية عامة، حريصون اشد الحرص على المشاركة الفعلية لسائر مكونات الشعب العراقي، ولا سيما القومية، في ادارة شؤون البلاد وعلى مختلف المستويات في اطار البناء الديمقراطي الاتحادي واللامركزي للدولة العراقية.

إلاّ أن هذه المشاركة في السلطات وفي أجهزة ومؤسسات الدولة الاتحادية، ينبغي ان لا تتم وفق نهج المحاصصة. وكما بينت تجربة السنوات الماضية، فإن المحاصصة عمّقت من الانشطار او التشظي العمودي للدولة، واعتُبرَت الدولة غنيمة تتصارع قوى الطائفية السياسية المتنفذة لتقاسمها. ومن نتائج هذا الصراع بين قوى المحاصصة، الأزمات الدورية التي تكاد تشل عمل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وتجعل منها دولة غير قادرة على بلورة رؤى موحدة وتنفيذ الخطط في اي مجال، كما تجد صعوبة بالغة في رسم سياسة خارجية للدولة متوافق عليها من القوى المتشاركة في سلطات الدولة، إذ من المتعذر عليها ان تتفق على تحديد العدو والصديق، العجز ذاته عندما يتعلق الأمر بماهية النهج الاقتصادي المطلوب!

كما جعل نهج المحاصصة من عملية صناعة واتخاذ القرار أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد نتيجة المناكفات وغياب الثقة والصعوبة المتزايدة في التوصل إلى توافقات بشأن العديد من القضايا الكبرى التي تعيق اعادة الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية الى البلاد كملفات النفط والغاز والمناطق المتنازع عليها والمصالحة الوطنية والعلاقة مع الأقليم والجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة وغيرها، لذلك ظلت هذه الامور معلقة منذ عدة سنوات مع ما تسببه من آثار وتداعيات سلبية سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، وينعكس ذلك على اداء الوزارات والاجهزة الحكومية وعلى قدرتها في تنفيذ الخطط والمشاريع وتلبية حاجات المواطنين، وليس غريبا أن يجد الفساد، بجميع اشكاله، في هذه الأوضاع بيئة مؤاتية لنموه وانتشاره في معظم مفاصل الدولة واجهزتها.

ثمة رأي شائع يحمّل مبدأ التوافق مسؤولية كبيرة في تردي اداء الدولة واستشراء الفساد. ويجد هذا الرأي ما يدعمه في طريقة استخدام وممارسة مبدأ التوافق من قبل القوى المتنفذة، حيث تم توظيفة في احيان كثيرة كوسيلة ابتزازية لانتزاع المكاسب الفئوية لهذه الكتلة او تلك، او لتعطيل اتخاذ قرارات بشأن قضايا ذات مساس بحياة المواطنين. إلاّ ان الممارسة المشوهة لمبدأ التوافق، والفهم الخاطيء له ينبغي أن لا يقودنا إلى التغافل عن اهميته في المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق وفي ظل التحديات الخطيرة التي يواجهها كيانه السياسي ونسيجه المجتمعي من قوى الارهاب، والاطماع والتدخلات الخارجية، والاحتقانات الاجتماعية وميول واتجاهات التعصب والتطرف في المجتمع، إلى جانب مهمات بناء الدولة الديمقراطية الاتحادية التي ينص عليها الدستور.

فالتوافق، كما نفهمه، هو السعي من اجل حل المشاكل الكبرى بما يحقق المصلحة الوطنية العليا. وفي السنوات الأولى التي اعقبت اقرار الدستور وتشكيل الحكومات الدائمة، كانت الأزمات اقل حدة مما هي الآن، فمنها ما كانت في بداية نشوئها، وكنّا نؤكد إمكانية إيجاد الحلول لها شريطة توفر الارادة السياسية الحقيقية. وقد شخص المؤتمران الوطنيان الثامن والتاسع طائفة من القضايا العالقة التي طال استعصاء ايجاد الحلول لها، كالعلاقة بين الاقليم والحكومة الاتحادية،القوانين والتشريعات المعطلة، موضوع المحاصصة ومعالجته، وكل ما يتعلق ببناء الدولة، وكان في الوقت متسع لخوض حوار ونقاش بشأن الإصلاح وخططه.

إلاّ أن الإصرار على ذات النهج وعدم الأخذ بمبدأ التوافق العقلاني، ادى الى حصول الشلل وإلى تراكم المشاكل والاستعصاءات، فكبرت وتعمقت وتحولت |إلى أزمات، واستشرى الفساد وأصبح يمثل الخطر الاول الذي يهدد مجمل عملية تسيير الدولة وعملها والحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، والمؤسسة العسكرية وانهيارها أمام داعش في الموصل مثال صارخ على ما حصل. وكذا الحال بالنسبة لاقتصاد الدولة حيث انحسرت الانشطة الانتاجية لصالح الاستهلاك للبضائع المستوردة والنشاطات الطفيلية، والبلاد تعيش حالة من الارتباك الاقتصادي: الخزينة شبه خاوية، السوق منفلتة ورواتب الموظفين تغطى جزئيا بالديون، والمشاريع الحكومية الجديدة متوقفة ومراهنات على الاستثمار الخارجي والخاص المحلي لتغطية العجز الحكومي . فهذه من تداعيات و نتائج بقاء الأمور معلقة وما يترتب عليه من اضعاف للدولة لأدائها ودورها واطلاق العنان لقوى السوق المنفلتة.

وفي ظل هذه الأوضاع بات الإصلاح الحقيقي ضرورة ورافعة من أجل التغيير، واصبح مطلبا جماهييريا تنادي به التظاهرات في مختلف المحافظات. والشيوعيون واصدقاؤهم مشاركون نشيطون في الحراك السياسي الشعبي بفعالياته المتنوعة ويسعون بثبات من اجل توحيد وتوسيع عمل جبهة القوى المطالبة بالاصلاح، والاصلاح المنشود ليس مجرد ترميم للاوضاع السائدة وإنما يعني تغييرا لها يفتح ابواب امل حقيقي في مستقبل أفضل للعراق والعراقيين.

طريق الشعب: هل تعتقدون بوجود الأسس للشروع نحو التغيير الذي تقصده؟

الدستور رغم نواقصه، يضمن حريات واسعة دون إغفال بعض الاشتراطات التي تتضمنها بعض نصوصه والقابلة للتأويل لفرض بعض التقييدات، ومع ذلك فهو يوفر مناخاً جيداً، علماً ليس كل ما يتعلق بالمنظومة الحاكمة هو سيئ ويجب رميه في النهر! هذا كلام ليس موضوعيا، فهناك عناصر وربما مجاميع لو توفرت لها المناخات الايجابية وموازين قوى مناسبة، يمكن أن تشترك في عملية الإصلاح، ولكن الظرف غير مؤاتٍ لذلك حالياً الجمهور الأكبر يريد الإصلاح، إلاّ أن هذا الجمهور لا يمتلك مفاتيح السلطة والمال والتي هما بيد قوى متحاصصة لا مصلحة لها في الإصلاح أو في القضاء على نظام المحاصصة. فالقوى الماسكة بالسلطة ليس لها مصلحة في مكافحة الفساد او تنظيم السوق وفق الأسس السليمة، بل هي تشكل منظومة لها مصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه، ووصل بعضها الى حد التفاهمات مع مجاميع مسلحة. لذا فان الحراك في جانب منه، يعكس اكتشاف اوساط جماهيرية متزايدة كانت مخدوعة، والكثير منها كان صامتاً وسلبياً، ولكنه انجذب اليوم الى ساحات الفعل عبرالتظاهر، مما فتح إمكانيات جديدة للضغط.

نحن لا نختلف مع من يقول بأن التغيير المنشود لم يحصل بعد مرور اكثر من سنة على بدء الحراك، لكن في نفس الوقت، لا يمكن الادعاء بان الوضع اليوم هو نفسه الذي كان قبل سنة. فالقوى الداعية الى الإصلاح أصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً وتلعب مطالباتها بالاصلاح والتغيير وضرب الفساد دورا اساسيا في تحديد المناخ العام في المشهد السياسي، اذ لا توجد قوة سياسية تستطيع ان تقف علناً بالضد من المطالب الإصلاحية، بغض النظر عن مدى جدية وصدقية هذه القوة او تلك. فأطروحة الإصلاح اصبحت ذات حضور واسع وراسخ في الخطاب السياسي العام مع وجود صراع على تحديد مضامينه السياسية والاجتماعية-الاقتصادية، كما تولدت قناعات، آخذة بالاتساع، بعدم إمكانية الاستمرار في إدارة شؤون البلاد كما في السابق، بل حتى المستفيدون من المحاصصة يعترفون علناً أن نظام المحاصصة جلب الويلات.

ونتيجة الضغط الذي أحدثه الحراك، اتخذت الحكومة اجراءات محدودة وخجولة ضد الفساد وتخرج قليلاً عن اشتراطات المحاصصة، من بينها التغييرات الوزارية الأخيرة. وانعكس ذلك ايضاً على عمل البرلمان، اذ رغم محاولات بعض القوى توظيف تفعيل دوره الرقابي والتشريعي باتجاه خدمة أجندات ومصالح كتلوية وسياسية ضيقة، فإن البرلمان أصبح أكثر جرأة في المحاسبة والاستجواب بصرف النظر عن الدوافع المصلحية التي قد تقف وراء ذلك، وبات اليوم من غير المقبول استمرار وزراء ووكلاء ومستشارين ومديرين عامين في التمادي في أدائهم غير المسؤول والتفرط بالمال العام وكأنهم خارج القانون.

قد تعتبر كل هذه الأمور جزئيات، ولكن بمجموعها تشكل عناصر رئيسية لتوفير مناخ ضاغط نحو التغيير. هذا صراع وسيتجلى حينما تحل الاستحقاقات الانتخابية، سيجد ذلك ترجمة له في النتائج الانتخابية بهذه الدرجة او تلك.

فإمكانيات التغيير قائمة ولكن يجب أن يسبقها فعل سياسي كبير من قبل القوى ذات المصلحة الحقيقية في اجراء الإصلاح. ونحن نعتقد أن قوى التيار المدني الديمقراطي هي الأكثر انسجاما ووضوحاً في رؤيتها، ولكنها ليست الوحيدة في الميدان، وتوجد إلى جانبها قوى أخرى تشترك معها في رفض الفساد وتحقيق بعض الاصلاحات، ما يطرح ضرورة التعامل معها والبحث عن المشتركات وتعزيزها.

المجتمعي، فالحراك لا يقتصر على النشاط الاحتجاجي.

* كيف يتم الإعداد لعقد مؤتمر الحزب؟ ولماذا يأخذ فترة طويلة من الإعداد ولحين انعقاده؟

– احدى صور الديمقراطية في حياة الحزب الشيوعي الداخلية تتجلى في عقد مؤتمراته، والمؤتمر يجب ان يحضره مندوبون منتخبون، وهذا يتطلب سلسلة من الإجراءات الاستحقاقية وفق النظام الداخلي، فيعقد رفاق الحزب اجتماعاتهم وموسعاتهم ومؤتمراتهم من اجل انتخاب المندوبين ابتداءً من الخلايا وصولاً الى المحليات، فمؤتمرات المحليات في عموم العراق وكذلك في منظمات الخارج تسبق المؤتمر الوطني المزمع عقده، وهذه المؤتمرات تتطلب حضور مندوبين يتم انتخابهم من كونفرنسات الأساسيات والفرعيات والتي أساساً تأتي من الخلايا، وتنتخب مؤتمرات المحليات مندوبي المؤتمر الوطني. وتعقد هذه المؤتمرات والمجالس الحزبية وفق مؤشرات ونسب تحددها اللجنة المركزية. وتشرف اللجنة المركزية على مؤتمرات المحليات وبحضور لجنة الرقابة المركزية. ومنذ سنوات أخذ الحزب بمبدأ الكوتا لتمثيل النساء والشباب في هيئاته القيادية المحلية والمركزية. ويحري اقرار جميع الضوابط المنظمة لعملية انتخاب مندوبي المؤتمر من اللجنة المركزية بعد ان تتم دراستها بكل شفافية من فبل الهيئات الحزبية على مختلف المستويات، وتخضع للممارسة الديمقراطية في إقرارها، كي يجري العمل بها كضابط لهذا النشاط الحزبي المهم.

ونتيجة لهذه العملية الانتخابية سيتألف المؤتمر من المندوبين المنتخبين من داخل وخارج العراق إضافة الى نسبة محددة من مندوبي المؤتمر، لا تتجاوز العشرة بالمائة يتم تخصيصها للرفاق الذين لا تسمح ظروفهم وتكليفاتهم الحزبية بالمشاركة في الانتخابات الحزبية فتتم دعوتهم الى المؤتمر، وبعد ان  ينالوا الشرعية يتم ضمهم الى قوام المؤتمر كمندوبين. كل ذلك يجري بالتزامن مع إعداد الوثائق، وفي مؤتمرنا هذا هناك ثلاث وثائق آنفة الذكر. هذه الوثائق تخضع لدراسة وبحث وإقرار كل رفاق الحزب بدون استثناء ابتداءً من الخلايا صعوداً، والأمر المهم وربما نختلف عن باقي الاحزاب في هذا، أننا أشركنا الجماهير في دراسة هذه الوثائق، وهذا المبدأ عملنا به منذ المؤتمر الوطني الثامن بعد فسحة الحرية التي وفرها التغيير، لذلك نشرنا الوثائق في منابرنا الحزبية المختلفة ولمسنا التفاعل الكبير معها من قبل الجماهير على اختلاف تخصصاتهم وتطلعاتهم ومستوياتهم ومبادئهم، كما أن اللجنة المركزية شخصت لجانا متخصصة لتجمّع وتبوب وتلخص كل ما يردها من ملاحظات سواء على النظام الداخلي او البرنامج او الوثيقة السياسية.كما سيقدم الى المؤتمر التقريرين الانجازي والمالي .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان