حوارات وتحقيقات

النساء العراقيات يتخطين نظرائهن من الرجال… قصة تشكيل أوركسترا الشباب الوطني العراقي

 مهدي الشكرجي

 

 

أوركسترا الشباب الوطني العراقي، هو مشروع يقوده المايسترو العالمي الشهير بول ماكآلندن والذي انبثق من إعلان نشرته جريدة غلاسكو هيرالد عام 2008 حول عازفة بيانو عراقية شابة تبحث عن مايسترو يوجهها.

لعبت  المرأة العراقية دورا رئيسيا في إنجاح هذا المشروع وجعله واقعا منذ بدايته كما يستعرض ماكآلندن خلال كتابه.

تنبثق  القصة كمشروع يحمل روح المبادرة إذ يستند جزئيا على فهم تأثير الموسيقى على المرحلة الانتقالية وظروف المصالحة. فالفكرة ترسم صورة للصعوبات التي تتولد لدى الشروع في تنفيذ مشروع ثقافي بهذا الحجم في العراق اليوم

تعكس  قصة تفاؤل صمود وتصميم المايسترو ماكآلندن وفريقه من الموسيقيين العالميين والعراقيين، بما في ذلك العازفة العراقية زحل سلطان، الشابة التي ابتكرت الفكرة.

تحدث  لنا بول عبر تطبيق سكايب قائلا: “إن الحياة اليومية في العراق تستنزف كماً هائلا من الطاقة لكي لا يكون بمقدورك أن تعزف الموسيقى”، ففي خضم حالة عدم الاستقرار التي يعيشها البلد، كان بول قادرا على تشكيل فريق موسيقي يضم مختلف الطوائف العراقية بأنواعها باعتماده على تجارب الاداء المحملة عبر برنامج يوتيوب.

أفصح  بول عن أبرز ما جاء في كتابه قائلا: “اقترح المسؤولون مرارا أن أخصص حصة للعازفين العراقيين من هذه المدينة أو تلك.” الا أن بول كان عازما على خلق فضاء شامل لأي موسيقي يظهر موهبة واعدة.

 كتب  المؤلف يقول “أوجدت الاختبارات الموسيقية تنوعا طبيعيا ما جعلنا نتمكن من تشكيل مجموعة تضم مزيجا من الرجال والنساء والاكراد والعرب والآشوريين والأرمن في الأوركسترا”

يصف بول ما آل اليه حال معاهد الفنون الجميلة عبر العراق” التي عانت من الإهمال والفساد المستشري في أوصالها.” لكنه في ذات الوقت يستطرد متفائلا “ما يثير الاعجاب والثناء حقا هو وجود عدد من الشباب الواعد الذين دأبوا على تعليم أنفسهم بأنفسهم رغم معارضة السياسيين ورجال الدين الذين يفرضون سلطتهم الدينية باعتبارها الفصل العدل على مجتمع كان يتسم بالعلمانية في السابق”

ويستعرض  ماكآلندن الجولة الأولى من مقاطع الاختبار السمعية ولا يسعه الا ان يشعر بالحزن العميق تجاه ما اعتبره ” “النفوس المتعطشة للموسيقى والتي ترنو الى الاحساس بها في كنف الظلمات” ويصف الطريقة التي تعد للعديد من الموسيقيين العراقيين، “الملاذ الذي يلجؤون اليه بعيدا عن صخب الانفجارات، والخوف، وعالم تعتريه الفوضى”.

اتخذ  بول على عاتقه مهمة بناء فرقة الاوركسترا الوطنية الشابة في العراق “لرفع مستوى الحس الفني والوعي لدى الفرقة الموسيقية لتصبح عضوا حيا بدلا من بقائها كحفنة من النفوس الموسيقية المفككة وبذا، مساعدتهم على رأب الانقسامات فيما بينهم”

غالبا  ما عانت فرقة الاوكسترا الوطنية الشابة في العراق من الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي خلال التمارين الموسيقية أما “هنا”، فيقول بول “فلقد كان الانقطاع بين الروح والصوت”

كانت  العقبات التي واجهتها الاوركسترا الوطنية الشابة في العراق هائلة حيث المناخ الشديد الحرارة وتكييف الهواء المتقطع باستمرار ما جعل الالات الموسيقية التي تعاني من افتقارها للادامة في أسوأ حال لها وهو انعكاس لنقص التمويل والدعم للموسيقى في البلاد.

رفضت  الحكومة في العراق تمويل فرقة الاوركسترا الوطنية الشابة بذريعة عدم ممارسة الفرقة لنشاطاتها ضمن إطار قانوني حينذاك “ففي الواقع” يضيف بول قائلا ” كان بوسعهم ان يمولوا المشروع ولكنهم لم يفعلوا”

“لم ينل  العازفون تعليما لائقا” كما يشير بول . ولكن جنبا إلى جنب مع فريقه من الموسيقيين العالميين، استطاع بول استضافة ثلاث دورات موسيقية صيفية ناجحة في العراق مشددا في ذات الوقت على ان “أسبوعين أو ثلاثة اسابيع ليست بالكافية لاقامة مثل تلك الدورات”

بلغت  التوترات بين الأكراد والعرب هي الاخرى أعلى مستويات لها في المجتمع العراقي ووجدت طريقا لها حتى في عمل الأوركسترا. “أي شخص يرعى أوركسترا من الشباب العراقي سيكون بذلك مسيئا الى الاكراد والعكس بالعكس” كما يوضح ماكآلندن

في حين أ ن التوترات ذاتها كانت حاضرة بين عازفي الاوركسترا كما يصفها بول فبمثل تلك التوترات ومع وجود المشاحنات الشخصية الطبيعية ناهيك عن انعدام وجود لغة مشتركة من شأنها ان تأزم الوضع أكثر من أي شيء آخر. يشير بول على ان “التعاون” هو “الجزء الابرز اهمية من الدورة الموسقية”

شكلت  الاعراف الاجتماعية حاجزا هي الاخرى ويصف الكتاب معاناة الموسيقيين وعدم مقدرتهم على ممارسة نشاطهم الموسيقي إثر النظرة المنتشرة من بعض العناصر المحافظة في المجتمع العراقي التي تصف تأثير الموسيقى بالمفسد للاخلاق

فمثلا  أجبر علي، شاب عازف على آلة البوق ، على أن يعزف على آلته مستخدما منشفة كوسيلة بدائية لامتصاص وكتم الصوت كي لا يسمعه جيرانه ويعرفوا أنه عازف،

أما  بالنسبة للعازفين من الاناث فكانت المشكلة اعظم. لكن الاعراف الاجتماعية لم تستطع ان تقمع نشاط عازفي الاوركسترا المبدعات من الاناث.

وصف  الكتاب العازفة تقى بأنها “استثنائية ” وهي “مغرمة تماما بآلتها التشيلو” ذلك لانها استحقت منزلتها رغم معارضة مدربها ديف ادموندز ” إلى الحد الذي جعلها تجلس في المقعد الرئيسي المخصص لآلة التشيلو ، بمحاذات نظرائها من الرجال الامر الذي عارضه حسام بشدة

 أما دعاء  فهي اول عازفة لآلة المزمار في الفريق وتقطن في حي يضم أسرا تعد انضمام النساء الى الفرق الموسيقية من المحرمات الامر الذي قد يولد عواقب وخيمة. تداركت دعاء الموقف بالمزاح مع الجيران الذين اشتكوا من تعالي اصوات مزمارها حين تتدرب عليه موضحة انها مجرد ضجيج المطبخ.

اما رانيا فهي العازفة  الثانية على آلة البوق “لقد تمكنت من التعلم على العزف على اداة صعبة للغاية بمنأى عن الدعم وانعدام الاستقرار”

“كان  جليا على نساء الأوركسترا أنهن واجهن مشقات جمة تفوق مستواها تلك التي واجهت نظرائهن من الرجال. ففي مجتمع تراجعت فيه نسبة ارتياد المدرسة الى 75٪ ووصل مستوى العاطلين عن العمل الى 86٪ بات لزاما على النساء ان يظهرن براعتهن في العزف ” كما يفسر بول في كتابه تفاؤل ، أثر دور المرأة في الأوركسترا تأثيرا عميقا على الجميع”، ويستمر الكتاب في سرده “تبوئت العازفات النساء من امثال دعاء وآني وتقى ورضوان ادوارا ريادية في الاوركسترا بالاعتماد على قدراتهن الموسيقية”

“تقام  التمرينات على يد معلمين بارزين من امثال أنجيليا تشو أو إييونا بوندا كما وتساعدنا الرحلات المسويقية التي ننظمها الى خارج البلد لتمكين عازفاتنا من الإناث على فهم الدور البارز للنساء في الثقافات الأخرى، وتشجيعهن على اتخاذ المزيد من الادوار الرائدة حيثما كان ذلك ممكنا في العراق” فضلا عن عزف قطع تقليدية من الموسيقى الكلاسيكية الغربية، عزفت الفرقة عدد من القطع التي ألفها موسيقيون عراقيون مثل مقطوعة أنفال للمؤلف نجاة أمين، إحياء لذكرى الضحايا الاكراد الذين قضوا في هجمات الغاز إبان النظام البائد. كما وعزفت الاوركسترا مقطوعة سحر الشرق للمؤلف محمد عزت امين ومعزوفة دعاء للمؤلف علي عثمان كما عزفت الاوركسترا مقطوعة كردية تقليدية من تأليف العازفة تارا جاف. وبعد ثلاث دورات صيفية على التوالي وعدد من العروض التي لاقت نجاحا في العراق وأوروبا، تعثر القيام بجولة موسيقية أخرى في الولايات المتحدة الامريكية إثر احتلال تنظيم داعش الارهابي لمناطق من العراق.

 وعلى الرغم من ذلك لا يزال  بول متفائلا حيال مستقبل الموسيقى الكلاسيكية في العراق حين أضاف قائلا “ان الدافع الداخلي الذي يلهم العازفين كفيل بخلق شئ لينمو ويزدهر”

تحت  إدارة ماكآلندن دأبت فرقة الاوركسترا الوطنية في العراق على تدريس الموسيقى من الطراز الاول للموسيقيين العراقيين. كما أنها عدت ملاذا آمنا “لتوحيد الجميع تحت تجربة عاطفية مشتركة لا علاقة لها بدين أو بسياسة” يصف الكتاب آني ملكونيان بأنها عازفة كمان بارعة ضمن عازفي الأوركسترا وأختصر تعليقها المقابلة حين قالت”ربما لدى البعض خلافات فيما بينهم، هذا وارد ولكن حتى اذا كان هناك شيء من هذا القبيل فبمجرد أعتلاء العازفين لخشبة المسرح حتى يتحد الجميع حول هدف واحد وهو عزف الموسيقى الجميلة وجعل الناس يستذوقونها كي ينسوا كل ما يحدث خارج القاعة والتركيز فقط على الموسيقى” يصف الكاتب ماكآلندن التقدم الذي أحرز من خلال الدورات الصيفية والعروض المستمرة و “بدأت أدرك جيدا مدى استجابة العازفين الشباب وتقدمهم في الاداء” حين قال لقد “[كانوا] مستعدين تماما لتقبل الافكار الجديدة برحابة صدر على الرغم من صغر سن المدربين لدينا الا ان العازفين أظهروا الالتزام والتقيد بكل ما كان في وسعنا تقديمه لهم لم تعد الموسيقى بالنسبة اليهم وسيلة للتغلب على الآلة لكنها بدأت تكشف عن معناها الحقيقي للعازفين حين تبلدت غمائم العقبات الفنية شيئا فشيئا وتمكن العازفين الشباب من التغلب على الشرود واستبداله بالسماح للموسيقى بالانتشار.

يصف مدير مشروع فرقة الاوركسترا الوطنية للشباب العراقي في المملكة المتحدة في تقرير كتبه عام 2012 مفاده “ان ما تجمعه المدرسة الصيفية من جودة عالية في الاداء والخبرة الموسيقية في وقت تكثفت فيه الجهود ما هو إلا دليل على أثر الموسيقى العميق على العازفين الشباب. يسلط الجزء الاخير من الكتاب على أناة الموسيقيين العراقيين وبالاخص تقى وآني اللواتي يدرسن في مدرسة بغداد للموسيقى والباليه وعرضن أعطاء دروس للموسيقى للمهجرين داخل العراق. ويختتم بول ماكآلندن قائلا “إن المعركة الحقيقة تدور رحاها في قلوب وعقول الاغلبية الصامتة من الذين يواصلون مقاومة التخلي عن عيش الحياة رغم انعدام الدعم الرسمي”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان