حوارات وتحقيقات

(الحقيقة) تستذكر القاص والروائي الراحل فهد الاسدي في ذكرى رحيله الرابعة .. السومري الجريء في ضمائر مثقفي ومبدعي العراق

أصدر العديد من المجموعات القصصية، لكنه معطل عن الكتابة منذ عام 2008، منذ صدور روايته الاخيرة (الصليب حلب بن غريبة)، وله رواية مخطوطة تتحدث عن انتفاضة  الاهوار، اكمل الجزء الاكبر منها ، كما لديه مجموعة قصصية هي الرابعة ومعدة للطبع ايضا بعنوان : (عقدة غوردوس)، كما لديه مجموعة كانت تنتظر ان يضيف لها ثلاث او اربع قصص وله مسرحيتان مخطوطتان هما : (صلوات الانتظار) و(مافي الهميان)، تُرجمت أعماله القصصية للغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والمجرية  والكرواتية. «الحقيقة» التقت عددا من الكتاب والادباء والمثقفين ليتحدثوا عنه في الذكرى السنوية الرابعة لرحيله:

 

اشارات في عالم فهد الاسدي القصصي

الناقد علوان السلمان:

الطبيعة..الوعي..الفن.. ثلاثي الابداع مع الوجود الانساني الاول..فالعمل الابداعي ايا كان نوعه يبدأ في المجتمع  وينتهي به .. ثم يخترق الافاق بعد ان يوجده المبدع الفرد ويوجهه للاخرين بحكم نظرته الثاقبة – المحللة المتالقة ووعيه لرسالته الانسانية التي تبدا من الواقع الملتف حوله من اجل ايجاد حالة توازن وانسجام بينه والمحيط للوصول الى المثال الذي يغازل فكره .. فالفن أي فن كان خلقا ابداعيا يتجلى فيه الواقع من خلال الوجود الانساني كما يقول (روجيه غارودي) .. وفهد الاسدي المحامي ـ المعلم ـ  القاص الستيني الجاد ـ المقل في الكتابة ـ المتميز بعطائه وتجربته القصصية عبر مجاميعه (عدن مضاع)  969 والتي يرى فيها القاص كل الحزن.. (وطيور السماء) 979 (ومعمرة عِلي) 994 والتي حذف منها الرقيب قصتين مهمتين لهما النصيب الاكبر فيما يريد القاص قوله وهما (عقدة غوردوس) (وعيون العشيرة المطفاة) ومجموعة قصصية رابعة رفضها رقيب دار الشوؤن الثقافية لان عنوانها لم ينسجم والتوجهات المرسومة انذاك وهي (الصليب) .. فهد الاسدي القاص الجنوبي احد اولئك الذين ساهموا  بشكل فاعل في خلق فن قصصي منحاز كليا للانسان يقول عنه الناقد فاضل ثامر (انه قاص واع مؤمن بقضية الانسان والمستقبل وهو ينطلق في اقاصيصه من رؤيا واضحة ومن منطلقات فكرية وفنية سليمة وبفهم ذكي للواقعية الجديدة وامكاناتها..  فالقاص في جميع قصصه منحاز الى قضية الانسان ) اذ اتخذ من واقعه  الريفي الملتصق به منهجا في اكثر كتاباته القصصية وهذا يتضح من خلال اختياره لشخوصه المتميزة ببساطتها وثرائها الانساني .. فهو ابن (الجبايش ) عام 939 طفولة وشبابا لذا كثيرا مانجده مؤرخا لمناطق الجنوب باهوارها وقراها المنسية .. فهو يقول (الجبايش معين ثر مازال يمنحني الرؤية والرؤيا واقعا وحلما).. اذ معاناة عمال السخرة والمزارعين الماجورين والصراع بين المضطهدين (فلاحين وعمال ) والمضطهدين (الاقطاع) ..وهو ميزة اساس في كتابات الاسدي انعكست بوعي عبر استلهامها الواقع المعتمد على الاسطورة والقصص الشعبي كما في قصة (المزار ) المنشورة في مجلة الاقلام العدد الخامس /1990 .. (لقد عاش طالب الشياع حياة لم يحب فيها سوى امراة واحدة (خسرها في اول نزال ) وما اتخذ سوى عربة واحدة وما صاحب غير حصان واحد وماعبد غير قبة واحد .. وحين نصحه شيخ الكار يوما قائلا له :- 

ـ ان الحية التي لاتبدل جلدها تموت ..

اجاب قائلا ..

ـ لااسعى ـ  ياشيخ ـ كي الدغ احدا..  

لقد اجمع الباحثون على ان فن القصة من اوفر الاداب اهتماما بالسياسة والاصلاح الاجتماعي ..لذا فالقاص الاسدي يعيش في كتاباته احلام اليقظة الممتدة في فضاءات الروح الحالمة بصفاء مع ناس تبحث عن الحرية للانعتاق من السيطرة الفردية (الاقطاع) .. لذا فهو يقول (ان قرائي في تضاريس جغرافيتي الادبية في اناس يسلكون الدروب التي سلكتها ويعانقون الخيبة التي عانقتها ويحاصرون قدر التاريخ الذي حاصرني ..)  وقد استطاع بجدارة من المزج بين ادواته الفنية واحداث قصصه وشخوصها بالحياة .. 

(اكنت ضالا حقا ياحلب .. ام انك لم تعرف من البداية الهداية ؟ امرك ابن الشيخ يوم الهرج بان ترقى السارية .. 

ناولته الخرقة التي بهتت الوانها ..قهقه مزهوا ولم تكن تعرف لم يضحك .. جرها منك .. وراحت لبلاها تتقطع بين يديه .. وبقي العمود فارغا كعنق طويلة عارية تغري بالصفعات .. في محاكمتك هز احد الحكام ..

ـ لقد راوك ..وانت تصعد .. 

ـ امروني ياسيدي – امروني . 

ـ ويصفعك صوت كقرن ثور لايرحم : 

ـ كان عليك ان ترفض .. لقد مزقت امجادنا ايها التيس: 

ـ لقد مزقت علم المملكة .. 

يريدون منك ان ترفض ..ولكن هل استطعت يوما وبوجه القار هذا ان ترفض اوامرهم ؟ وهاهم الان يحتمون وراء ظهر ابيهم الشيخ ومعه هذه العساكر والنجوم اللاهثة .. وها انت معلق بين الحياة والموت .. 

ـ حلب.. صب.. القهوة.. 

ـ حاضر ..محفوظ ..

ـ حلب.. هات العشاء .. 

ـ حاضر ..محفوظ 

ـ حلب.. اغسل الايدي .. 

ـ حاضر ..محفوظ  ..    /طيور السماء / ص13– ص14 

الاسدي عبر مجاميعه القصصية يلتزم الصدق الفني وعدم الخروج على طبيعة عمله الفني ..اذ القصة تمثل عنده( تشكل موضوعي الوجود الواقعي والحقيقي للحياة  فمع القصة ليس هناك زيف او اسراف او لمعان – وهي لاتعني بالصقل اللامع والا لم تقبلها مقاييس الجمال ومعها تجد الجمال في القبح وتبصر الخال في وجه القمر .. فهو يعرض لموضوعاته عرضا اساسه الوصف المحلل الدقيق من غير خطابيه ولاسرد زائد .. وحوادثه المتحركة من غير اسراف مع حوار حي لين ينساق به القارئ الى تتبع الحوادث .. فهناك تفاعل ما بين شخوصه والحوادث مع تنسيق يجعل منها وحده مترابطة هادفة .. ففي قصصه نكتشف عالما يحتدم فيه صراع الذات الانسانية وابراز قيمتها ازاء  مايعترضها وهي تسبح في محيطها بلغة مؤثرة ذات نبرة ذاتية تمتاز بمرونتها واكتنازها اذ تختطف اللحظة وتصورها بواقعيتها.. لذا كانت قصصه تبرق بالصدق والجمال والحركية مع استقصاء نفسي في سبر عوالم الشخصية وكشف اسرارها ..كونه يكتب بوجدان حي يستوعب الحياة.. مع قدرة تصويرية في تجسيد مشاهده القصصية .

(كان هواء المروحة التي تدور بكسل قد فشل في ان ينعشها من حرارة جسدها التي اخذت بالارتفاع ..كما انه لا يخيف جيوش الذباب التي مازالت تطن في اذنيها ….) . (قصة الراضوع ـ جريدة الثورة 20/3/1994)

ان الاسدي بواقعيته هذه يقرب الحوادث من الواقع المحسوس بحيث يصرف القارئ عن كل شعور بخياليتها الى الاستمتاع والاقتناع بقابليتها للحدوث.. فقصصه تمتاز باسلوبها السهل الذي يجرك للانحياز لها بقوة كونها تجعلك تحس ان الناس الذين يصورهم الكاتب انت بينهم …وان الطابع المميز لهم هوانهم نماذج مقهورة بسبب الظروف البيئية التي يعيشونها او الطبقية بفعل آثار النظام الاقطاعي الذي يعانون منه.. لذا شخوصه دائما مازومة لكنها لاتعرف الياس كونها تتميز بثرائها الانساني مع اصدارها على استمرارية الوجود من اجل الحياة . (الجثة اودعت في ثلاجة الطب بعد ان سجلت الشرطة مجهولية القاتل ومعلوماتية المقتول ..وعلى الصدر شمخت قطعة قماش تحمل حروفا بارزة (نجم الغافل ).. حفظت الجثة والتحقيق ..ولكن التكهنات هي ما لا يمكن حفظه :ان تكن القتلة ثأرا فالرجل ماقتل ذبابة ..او تكن حادث شرف .. فالرجل لا يقرب النساء موت نجم فتح العيون ..وجد اهل المدينة انه يتسلل الى لحومهم فيقرصها صاح البعض… الله : المسألة الواحد لا يأمن على نفسه بعد الان ..)   طيور السماء/ص79..

وكثيرا مايقال ان (ان تكتب تعبيرا عن نفسك بصدق فهذا شيء عظيم اما ان تكتب عن الناس بصدق فهذه هي العظمة نفسها …) وفهد الاسدي جعل الناس موضوعه الاساس فامتلك العظمة والنجاح كون.. الكتابة عنده هي فن التعبير بالكلمة المكتوبة .وقد وعى ذلك بصدق وامانة فهو يكتب للبسطاء وعنهم ويكشف لحظات حياتهم..  (من خلال ضجيج العربات المارة ونداءات الباعة الجوالة وصخب الاطفال اللاهثين تسمع هديرروحها القلقة المشبعة كالاسفنجة بعشرات القصص عن احبة ماتوا بقضية ،وبدون قضية …) هكذا يصور القاص (العمة فهيمة) التي فقدت ابن عمها (زوجها) الذي قضت معه ايام الشدائد القصار التي لم تكن لتدري ان كانت تلك لقاء مع الفرح ام وداعا له..) معمرة علــي ص 29-30 . (وهذه احدى المناطق الريفية المحصورة بين القرنة والجبايش) قطنها علي الجد الاكبر لاسرة توارثت هذا الاسم عدة اجيال ..) ومن هذا نستنتج ان الاسدي من القصاصين الذين يمتلكون مستوى من الاجادة الفنية والاستفادة من التكنيك القصصي مع اصالة في التعبير عن الاجواء الجنوبية للحياة الريفية ..اذ هنالك عالم الهور وحياتة الاولى واسراب الطيور المهاجرة والعائدة والبط والسباحة وحيات الماء والاسماك.. هذه البصمات تركت آثارها في ذاته الجنوبية..  لذا كان اهتمامه بالمكان حتى اصبح عنده ظاهرة ناتجة من تفاعل الاشياء المكونة للمحيط البيئي والمفاهيم والقيم .فاستخدم مفرداته واشياءه التي تمثل حضورها المؤسس لعلاقات المجتمع معتمدا لغة التاثير لا التوصيل فهو يعتمد الفصيح لانه يرى ان الادب تاثير وايحاء وتنشيط لمواطن الحس والجمال ..ومن ثم السمو بالحياة عن طريق الفنون والاداب لذا (فعاميته) قليلة في كتاباته كونها لهجة الحياة العادية للتوصيل … 

 

فهد الاسدي .. تواضع الكبار

الكاتب والصحفي سعدي السبع:

منذ صدور مجموعته القصصية الاولى ( عدن مضاع ) اواخر الستينيات وما نشره من قصص قبلها وخصوصا في مجلة الاداب البيروتية برز القاص والروائي فهد الاسدي كواحد من المبدعين الذين دخلوا دائرة القص الفني المتميز بتمكن من تطويع لغته وادواته ورؤاه الفنيه لانتاج نصوص وحكايا ابداعية معتمدا بسردها وفق الواقعية الفنية التي تميز بها ليستمر بعد ذلك بمسيرته الابداعية رغم ما تعرض طيلة سنوات طويلة من الابعاد ومحاولات الاقصاء من المشهد الثقافي الثقافي وكتابة قصصه الرائعة ولايمكن لاي متابع او دارس ان ينسى قصته الرائعة ( معمرة علي ) وغيرها من القصص الجميلة الاخرى في هذه المناسبة باستذكار رحيل الاسدي لا بد ان نتوقف عند الجانب الانساني والاجتماعي الذي اتصف به طيلة حياته تلمسه كل الاصدقاء المقربين ومن تلك الخصائص هو تواضعه الجم وحسن تعامله مع الاخرين رغم علو قامته الادبية فضلا عن سمو اخلاقه ونقاء قلبه ومحبته للجميع وقربه من معاناة الشرائح الاجتماعية الفقيرة منطلقا من وطنيته وحبه لبلده الذي يغادره رغم كل الظروف الصعبة عاشها رحلت روح فهد الاسدي ولكنه بقي بينا كبيرا بأرثه وانجازه الإبداعي.

 

فهد الاسدي قارئ جذور القصب

القاص والكاتب المسرحي عبد السادة جبار: 

حين تريد ان تقرأ التاريخ الانساني لاينبغي لك ان تعتمد فقط على مايخطه المؤرخون لانهم سيكتبون تاريخ الزعماء والقادة بل ينبغي ان تقرأ ماكتبه الساردون لانهم يكتبون تاريخ القاع والقاعدة التي تشكل مرجلا حقيقيا للتحولات التاريخية والاجتماعية و(فهد الاسدي ) واحد من جهابذة هذا التدوين السرد الحقيقي للواقعية التي تتشكل ادبيا لتؤرخ للمسحقوين والمناضلين وصانعي الحياة والتحولات ،وبالرغم من ان الاسدي من جيل الستينات الا انه لم يقطع صلته باساليب السرد للمراحل السابقة الا اننا لايمكن الا ان نعتبره مجددا للواقعية وليس تجريبيا والشهادة الكبيرة لهذا الكاتب العراقي الكبير هي روايته المهمة الاخيرة (الصليب ) والتي بقيت سجينة منذ السبعينيات الى مابعد 2003 ، لقد قرأت قصصا قصيرة وروايات صورت واقع الجنوب والاهوار الا ان بعضها انشغل برومانسية الوصف والمشاعر والانفعالات التي جعلت من ذلك السرد بمثابة قصص جميلة تتلمس مسحا لتقاليد وعادات وحوادث تقترب من الفوتوغرافية او تتحرك باتجاه الفنتازيا للتماهي مع الحكايات الشعبية ، لكن فهد الاسدي في الصليب خلع البطولة على كتف امراة مضطهدة كاشفا عورة الاقطاع ومنطق العبودية المتخلف الآسن ، اذا كان البعض قد سرد حكايات وحواديث القصب وصورها من المنطقة التي ابصرها فان فهد الاسدي غاص الى تلك الجذور ليكشف عورة الظلم ويكشف عن تلك الاحراش التي تمسك بخناق الانسانية بواقعية جديدة لن يستغني عنها اي قارئ. 

 

السرد والوجع

الروائي حميد الربيعي : 

لا ادعي مجايلة القاص الراحل بقدر ما اكتنز في داخلي ذكرى صداقات ، امتدت على طوال سنوات ثقال من الوجع العراقي ، فالسارد الجميل وان بزغ نجمه في أوائل السبعينيات ، بيد انه ، في الحقيقة واصلا ، كان استاذنا في ثانوية « قتيبة» ، مما أهلنا لان نحتك به ونخالطه عن قرب . يضاف إلى ذلك أن فهد الاسدي احد الأسماء البارزة في السرد القصصي ، فكان يرافقني في سنوات الغربة في أي محفل أدبي ،  أتذكر إبداعاته وأشيد فيها ، مع زملائه أبان تلك المرحلة ، مثل محمود الجنداري واحمد خلف ، وان اختلاف الثلاثة في المرحلة العمرية وطبيعة المعطى الإبداعي ، بيد أنهم أمثلة لما رسخ في الذاكرة من القص العراقي ، خلال مرحلة الغربة ،  التي امتدت إلى أماكن عدة وعقود ثلاثة . حين عدت التقيته صدفة في مقر اتحاد الأدباء ، بمجرد ما رأيت عكازه وحاله الصحي انتابني الانكماش ، فلم اقو على الاقتراب ، رغم حدة الشوق والحنين إلى الجيل السبعيني ، لكنه ، ويا للذاكرة المتقدة التي يتمتع بها رغم الظروف ، فقد التقط الصوت ، فكانت الأحضان وانثيالات الذكرى ، المكللة بالفرح والحزن في آن معا .انه فهد الاسدي ، الإنسان الذي مازال يعيش بين جوانبنا محبة وإبداعا . هو أيضا يبقى ذلك الطود العميق في جذر تربة السرد العراقي ، بما تركه من قصص ورواية ، فلقد كان مميزا أكثر من غيره ، بما كان يتناوله من ثيمات والتقاطات من أساطير رافدينة عميقة في الوجدان ويقاربها مع زمن الناس البسطاء،  بتلك الحكايات التي مازالت شاهدة على ثرائه المعرفي والإبداعي .

 

مبدع حقيقي

الشاعر الدكتور عبد القادر جبار: 

فهد الاسدي من المبدعين الذين يعدون الأكثر جرأة في تاريخ القصة العراقية ، له قدرة على تطويع اللغة بما يخدم رسالة النص بشكل فني قل نظيره ، المسكوت عنه في الموضوع الخارجي كثير في قصصه لكن العوالم الداخلية التي يكشفها المبدع الراحل لم تبق شيئا للمسكوت ، لهذا فهو من الرواد في هذا المجال انه مبدع حقيقي فقدته ساحة الابداع القصصي .

 

رحيل فجائعي

* الشاعر والناقد ريسان الخزعلي : 

في ذكرى رحيل القاص الكبير فهد الاسدي، لابد ان نتأسى لرحيل ٍ فجائعي وموت ٍ أفجع، حاول ان يطيح بقامة ابداعية سردية تفاعلت مع الواقع بخصوصية نادرة ،واقتطفت من اشجاره نسغ الاغصان والجذوع..، واحتكمت لصمت الجذور التي تستطيل مع هذا الصمت .كتب هذا القاص المبدع عن الزوالات التي لفحت الواقع وقد صحا على (عدن ٍ مضاع)، ولم تكن طيوره يوماً ارضيةً ، جاهزة للذبح وانما كانت (طيور السماء) المبحرة باتجاهات متعددة وغامضة..، وما (معمرة علي) الا الاشارة الى خراب هذه المعمرة .وكم كان مدهشاً في استعادة ترتيلة اعدام (حلب ابن غريبة)..؟! في احالة تجانس مع موت الفقراء المحتجين. لقد برع هذا القاص في تجسيد واقعيته.. سومرية الامتداد والتاصيل..كان وما زال يواصل الحضور ملوّحاً من أعلى (إيشان)..ليطمئن المراثي قائلا ً :انها معرفة العاجز.

 

الحلقة المفقودة

القاص والروائي شوقي كريم حسن :

يشكل فهد الاسدي المعلم والمبدع الحلقة السردية المفقودة منذ بدايات تاسيس القص العراقي الذي حاول ان يكون مدنيا لاعلامة فيه من علامات الريف وموجوداته الفكرية والجمالية، وإن وجدت فانما هي اشارة للفقر والبؤس والانعدام …ثمة منيلوجيا جنوبية تغمرها مياه الاهوار وتلوكها حكايات الاباء والاجداد.. حكايات مبهرة، .. والحلم الذي ابهر المدينة وفتح الابواب امام الجمع السارد ليكتشف هذا الانتماء الحقيقي غير المالوف .وشكلت كتابات الكبير فهد الاسدي الحافز الاول لدينا نحن ابناء الطين والفقر والحكايات لان ننتمي الى مساره الاول فرحنا بكل عناية نتابع خطاه اينما حلت واتسعت مصابيحها.. السرد قيمة فكرية وعنوان هوية انسانية.. فهذه هي ابرز سمات القص لدى فهد الاسدي.. جنوب يتحدث بصدق انسانيته وعمق وجوده الحضاري الصانع لكل مباهج الدنيا وقراتها المستمرة.. حين تقرأ حلب بن غريبة تكتشف كم من الامال اضاعها الاجداد عند روح الاستعباد وكيف رصد الاسدي هذا الفيض الكبير من التداعيات والهموم والامال ايضا.. هذا هو حلب .. تلك هي روحه الدمثة المغسولة بعبودية التاريخ.. لكنها ثائرة بالفطرة تبحث عن طريق ثائر يجعلها تمارس انسانيتها التاريخية. التوصيف يلاحق الفكرة.. والسرد المبتكر الفاتح لابد وان يثمر عثوقا من السرديات المبهرة وهذا ما فعله الاسدي.. فتح الابواب على مصراعيها من الجبايش حتى اهوار المدينة.. اباح الرقم والشفاه وجعلنا نتأمل مسارب الهور الى اين يمكن ان توصلنا.. ما الذي يحدث حقا عند تل حفيظ وعند غيابات القص الابهاري بواقعيته الغرائبية.. عالم لايحده لون ولاتوقفه فكرة لانه يبتكر القص كل هنيهة وقت… هذا هو تاريخ اهوار الجنة العدنية التي ضاعت في لجج الاستعباد والكراهيات.. لكن السارد فهد الاسدي استطاع اعادتها بهدوء الباحث الى الحياة. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان