حوارات وتحقيقات

الشاعر والباحث كريم مرزة الأسدي لـ الحقيقة : إيليا أبو ماضي سرق قصيدة من شاعر عراقي إسمه علي الرميثي

في عدد اليوم من صحيفة ( الحقيقة )  نستضيف على مائدة الحوار شاعرا و ناقدا و باحثا عراقيا ، بزغ وهجه من النجف الأشرف ليمتد به الى أقاصي عوالم الأدب ، فاعتلى عرش النقد بكل جدارة ، و عانق الشعر بحبٍ و شغفٍ …حريص على جودة الكلمة و غيور على قيمتها أكثر من مجايليه من الأدباء…و من مشيئةٍ توقظ لون التميز الابداعي غاص في بحور الشعر دراسة و تحليلا ليقدّم القصيدة وفق ما تستحقه من قداسة التراث و البلاغة ،ضيفنا الشاعر و الباحث كريم مرزة الأسدي ،صدرت له عدة مجاميع شعرية نذكر منها: حصاد أيّام وأيّام ،ملحمة وقصائد شعرية،أما المؤلفات الأخرى المطبوعة فهي: 

للعبقرية أسرارها …تشكّلها …خصائصها…دراسة نقدية مقارنة ، 

نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية …مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي تاريخ الحيرة …الكوفة … الأطوار المبكرة للنجف الأشرف،و كتاب الشعر وقضاياه … علما العروض والقوافي والتجديد في الشعر العربي )–(شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية) 

شذرات من الأيام … إضافة إلى العشرات من البحوث والمقالات والقصائد المنشورة في عشرات الصحف والمجلات والموسوعات والكتب والمواقع العربية و العراقية

و على أثير الحقيقة و من منطلق البحث عن التميز ..كان لنا معه هذا الحوار الرائع فأهلاً و سهلا به اليوم بيننا…

حوار – سناء الحافي 

الجزء الاخير 

* الشاعر كريم الأسدي..كيف تفسر لنا عزوفك عن قصيدة النثر و القصيدة الحرة ؟ و تشبتك بكتابة القصائد العمودية ايمانا بقوتها ووقعها على المتلقي؟

 –  القصيدة الحرة أصبحت تسمى (قصيدة التفعيلة) :القصيدة الحرة مصطلح وظفه الروّاد الأوائل لخروجهم عن عمود الشعر من حيث البحور الخليلية ومجزوءاتها ومشطوراتها ومنهوكاتها وأوزانها ونظام الشطرين والفراغ النهري بين أشطر صدورها وأعجازها  ، وعن قوافيها وحرف رويها الملازم لكل قصيدة ، ولكنهم أبقوا على الوزن ، واعتمدوا نظام التفعيلة الواحدة ، ولم يشترطوا بعدد واحد من التفعيلات في أشطرها ، لذا أصبحت نهايات القصيدة متعرجة ، ولم يلتزموا بالقافية ، ولا بروي واحد في القصيدة ، ومع كل هذه التغيرات المهمة ، بقت القصيدة  رائعة  في وزنها الموسيقي وعدم رتابتها ، ولما أطلت ما تسمى قصيدة النثر ، خشى روّادها من التسيب والانفلات ، وضياع تجربتهم الرائدة ، فحددوا ضوابطها وأطلقوا عليها ، قصيدة التفعيلة ،ولي العديد من قصائد التفعيلة الرائعة منشورة في عشرات الصحف والمواقع ،  أمّا ما يسمى بقصيدة النثر لا أكتبها ولا أنقدها ولا أتعاطاها ، لأنني أعتبر الوزن ركناً أساسياً من أركان القصيدة يقترن بموهوبة قوة التحليل والتركيب الهائلة ، ثم أنه لا يُحفظ على ظهر قلب ، فلا يستشهد به ، ويضيع مع الأيام حتى لو كان لأكبر الشعراء ، ولا يُغنى ، ولا يشدو به أحد ، أقرأه دون أن أتعمد إليه ، وخاصة لرواده الكبار ، لأتمتع بصوره ومعانيه ، وبلاغته ، كنص نثري رفيع ، لا يهزّ وجداني طرباً . 

* يقول الشاعر الفرنسي شارل بودلير “إن الشعر هو الطفولة عُثر عليها ثانية”، برأيك متى تكبر القصيدة فيك و كيف تكملان بعضكما لحظة الانسجام ؟

-نعم لا ريب قول شارل بودلير عميق جداً ، ولا أريد أن أكرر نفسي ، فقد ذكرت عن الطفولية لدى الشعراء والفنانين بشكل مكثف في كتابي ( للعبقرية أسرارها … ص 80 – 83 طبعة 1996م) ، وأوردت كلمة لبودلير : ” العبقرية هي العودة الأرادية للطفولة ” ، والحقيقة تأخذ الطفولة – من وجهة نظري – منحييَن في حياة الشاعر ونتاجاته ، الأول الطفولة كنز من الذكريات المخزونة سيان في الوعي أو اللاوعي ويغرف منها الشاعر ما يشاء من الصور والتجارب مما رأى ومما سمع ، وبدرجات أقل مما شم وذاق ولمس ، وتلمس ، وأنا عشت في بيئة عربية شامخة ،تتقطر بالحنان والحب والشفافية والتعاون والعلاقات الاجتماعية المميزة في حي البراق بمدينة النجف الأشرف ، وحولنا عشرات الأسر من عشيرتي ( أل مرزة الأسدي) ، فلا ريب هذه الطفولة أثرت في نفسيتي ، لذلك أعرج  في قصيدتي عن بغداد ( أيا بغداد يا حلماً صبوراً) على طفولتي ونشأتي النجفية في أواخرها قائلاً :

 

  فلا لا تسـألوا عنـّي وحالــي

فعنْ ذكر ِ الأحبّةِ خبّرونــــي

  عن الخلاّن هل جادوا بذكــر ٍ 

وحنـّوا للفتى الزاكي الحنون؟

  وعنْ دفءِ القلوبِ وحضنِ أمي

ووجهِ الطـيبِ في عطف ٍوليـنِ

 وعنْ أيّامِ مدرستي ولهــــوي

وأجوبتي على ريبِ الظنـــونِ

   فأشدو بعدَ تدقيق ٍبزهـــــو ٍ 

يقيناً ما أجبتُ سوى اليقــينِ

 فهلْ أوراقـُها حفلتْ بفكــــر 

كسيل ٍحط َّ منْ قلمي الأمين؟

 فمنْ غسقٍ ٍلخيطِ الصبح ِتهوى

أسطـّرُ عسجداً فوقَ اللجيـنِ

  فمهلاً أيّها الشـــــادي بحدو

لقدْ فطـّرتَ قلبكَ بالحنيـــنِ

  ولو أجريتهُ طلقَ التـّـــــحدي

لأدمعتَ السواجعَ في الغصونِ

   على وطن ٍ يراقُ دماً ودمعـــاً

وعبَّ ثراهُ بالخير ِالثميــــنِ

   سلاماً أيّها الغافي سلامــــــــاً

على ثدي ٍ منْ البؤس ِالهتــونِ

 أما المنحى الثاني فالطفولة تبقى تلاحق الشاعر الموهوب حتى مماته ، فاجواهري يول في (ذكرياتي) : “كأن تلك الطفولة التي قلت وما أزال أقول عنها ، إنها تلاحفني الآن وأنا على أبواب التسعين ، كأنها تعيد نفسها ”  ، ويذكر نزار قباني في (قصتي مع الشعر : “مفاتيح شعري ثلاثة : الطفولة والثورة والجنون ، وبالطولة أعني أعني كل ما هو براءة ومكاشفة وتلقائية …”      

إذن من هذا نفهم إن مرحلة الطفولة حتى الثانية عشرة تخزن صور الحياة بكل صخبها وسكونها ، وأتراحها وأفراحها ، وألوانها وأطيافها ، وأنوارها وظلامها ، وأرياحها وأذواقها .. وفي مرحلتها تتشكل العقد النفسية … فعندما يكبر الشاعر وينضج ، وتتراكم معارفه ، وثقافاته ، وتجاربه الحياتية … تتفاعل لحظة الإبداع بسرعة متناهية لحظة لحظة كل مكنونات العقل الباطن ، ومعارف وثقافات القل الظاهر ، مع الأخيلة الشاعرية كأخيلة الأطفال لتصب صورا شعرية ، وتشكيلات بلاغية على أروع مايكون بتلقائية وعفوية الأطفال دون التحسب لما سيترتب من نتائج على قول الشعر ، بل يتماهى الشاعر ويزهو ويفخر بنتاجاته أيضا بدوافع طفولية ، ومن الطفولية الأنانية ، ويقف هذا الناس مبهوراً مندهشا من تصرفات الطفل العبقري الكبير ، ولله في خلقه شؤون  

    * نعود الى الشعر و قضاياه …فمن خلال وقفتي على أعتاب بحوثك و نصوصك …التمست أنك تحمل همّ اللغة العربية و تحرص على جودة النص الشعري بكل تفاصيله…باعتقادك هل أزمة النقد كفيلة بتدهور اللغة بكل اسقاطاتها أم هناك أزمة فكر عند المتلقي ايضا ؟

-أضحكني هذا السؤال من الفرح والسعادة ، كيف مسكتي هذه النقطة عليّ ، وأنا أتخيل لن يمسكها أحد ، مما يدل على تتبعك لشعري وبحوثي بشكل دقيق ، ومحاورة ذكية !! ويذكرني هذا السؤال بابن الرومي (221 هـ – 283 هـ ) ، أغفل الرجلَ أهل زمانه كالمبرد وثعلب وابن المعتز والأصفهاني الذين اهتموا بمن هو أقل شأناً منه بكثير ، ثم سُلًطت  الأضواء عليه من بعد حتى عذّه العبقري العقاد ، وقد ألف كتاباً عنه ، والمازن مثله من أكبر عباقرة العرب ، لا أريد الأطالة ، أقول في الأزمنة المضطربة يخشى الشاعر والموهوب أن يغفله زمنه ، فكان ابن الرومي إذا نظم شعراً ، وقدمه إلى ديوان الوزير القاسم بن عبيد الله ، يرفقه بحاشية لشرح بعض الكلمات خشية أن يلتبس الأمر على السيد الوزير ، أو يتعمد إعادة بعض المعاني الجميلة لئلا تعبر على القارئ ، فكأنما يجره من يده ، ويقول له :  مالك لم تنظر إلى هذا المعنى وتصفق لي ، وعندما نظم قصيدته الدالية الرائعة في حق صاعد بن مخلد ، أرفقها بقصيدة شعرية قصيرة (ثمانية أبيات) يتوسل إليه أن يقرأ قصيدته الدالية ، يقول في البيت الخامس والسادس منها  :

أول ما أسأل من حاجةٍ أن تقــرأ الشعر إلى آخـره 

قرأة تصدر عن نيةٍ          تفهم قلب المرء عن ناظـره

سيدتي عصرنا مضطرب جداً ، والمصلحية   والتكتلات الحزبية ، والمنافع الشخصية فوق كل شيء ،  النقاد يهتمون لمن في قبضة السلطان ، ومعهم مؤسسات الثقافة ،والإعلام ، إلا المستقلين الشرفاء منهم ، وأنا لكثرة بحوثي ومقالاتي أن يطوي بعضها الزمن ، والشاعر والكاتب يتطلع إلى الخلود ، لذلك أحاول جاهدا أن    أشير إلى بعض الرموز أو الحوادث ، أو المفردات ، بل حتى في الإعراب أقلبها لأتوصل إلى أقوى صيغة إعرابية ، وربما تندهشين عندما أقول لك مرة في سوريا  الحبيبة ، أردت أن استعمل كلمة (عبْثاً) ، ولا يمشي البيت إلا بتسكين الباء ، والصحيح (عبَثا) ، راجعت المعاجم ، وكتب اللغة ، لم أعثر حتى أنقذني أبو العلاء المعري ، والآن تضحك علي السنوات ، بصري ضعيف جداً ، وربما يمر عليَّ السهو ، والله غالب على أمره ، والكمال له وحده ، هذه حالة تخصني  ، وعذري دائماً مع نفسي لأقطع محاججة النقاد والقرّاء الكرام ، الناس أجناس ، وإنني أكتب للعام والخاص !!

يبقى قول اللغة العربية لا تتدهور ، ولا تموت ككثير من اللغات المنقرضة ، لأنها لغة القرأن الكريم ، وللقرآن قدسيته ، والجزائر أمامنا ماثلة ، ناهيك عن التراث الشعري العظيم منذ العصر الجاهلي حتى اليوم ، وما بذله العرب من عباقرتهم وأفذاذهم في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية …       

   * ما رأيك في الحكم القائل بأنّ النقد الذي يكتبه الشعراء يظلُّ مختلفاً عن النقد الأكاديمي

الصارم؟

 – نعم بالتأكيد ، وأتحفظ على كلمة ( صارم) بالنسبة للنقد الأكاديمي ، من الأفضل من وجهة نظري ، أن نقول ( الملتزم ) ، إذ ربما يكون بعض الشعراء أكثر صرامة من الأكاديميين في نقدهم  ، وأتيتِ بكلمة الشعراء ، أي تقصدين نقد الشاعر لنفسه ، أو نقد الشاعر لغيره من الشعراء  ، ثم لنحدد مفهوم الشاعر ، أنا عندي هنالك شاعر شاعر ، وشاعر ناظم ، وما يسمى بشاعر ناثر ، وكلامي عن الصنف الأول .النقد الأكاديمي نقد مقنن وفق قواعد وأسس ومقاييس وضعها  الأولون من أصحاب الشأن والعلم في النحو والبلاغة والصرف والعروض، وربما معها التذوق العادي ،بمعنى الناقذ الأكادي مي  يتعامل مع جسد بلا روح ، بينما الشاعر ينفذ إلى روح النص ،إلى ما خفا من جمال إبداعي  ، يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره :

 

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمــعوا بهِ

            في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ

           ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

 

إذن يبقى الناقد الأكاديمي بحاجة إلى روح شاعر وذوق فنان ليستكمل الربط بين الروح والجسد، بين العلم والفن. والشعراء أنفسم ينقدون شعرهم بعد ولادته ، ويصفونه من الشوائب العالقة ، إذ يرجعون أحيانا إلى علم العروض ، ويدققون بالجوازات ، والزحافات والعلل ، واللغة وصرفها ، وأوجه نحوها ، ومن هنا جاءت الحوليات ، ولكن الجواهري يقول ( وخلّها حرّة تأتي بما تلدُ) ،فالشعراء ليسوا على درجة واحدة في القابليات والقدرات والمواهب . ويوجد نقد الشعراء للشعراء ، فالتابغة الذبياني ،  كانت تضرب له الخيام في الحجاز ، ويقوم بدور الحكم ، وهو الذي فضل حسان بن ثابت على الخنساء ،، وهذا الحسان نفسه حكّمه الخليفة عمر بن الخطاب في شعر هجاء  للحطيئة قاله في  الزبرقان   ، فجاء الأخير إلى الخليفة شاكياً الشاعر السليط ، الذي قال فيه :

 

        دع المكارم لا ترحل لبغيتها

        واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي

 

فقال عمر: ما أرى هذا هجاءً؛  فقال الزبرقان: هذا حسان بن ثابت. فقال : علي بحسان، فأنشده الشعر. فقال: ما هجاه يا أمير المؤمنين ولكن سلح عليه ! فأحضر الحطيئة، وقال: هات الشفرة أقطع لسانه ؟ فاستشفع فيه فحبسه، فكتب إليه من الحبس :

 

        ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخ 

       زغب الحواصل لا مـاءٌ ولا شــجر

غادرت كاسـبهم في قعر مظلمةٍ

     فاغفر هداك مليك الناس يا عمـــر   

 

وقصة تحكيم الراعي النميري بين الفرزدق وجرير ، وكلاهما تميميان شهيرة في مدينة البصرة ، إذ حكّم هذا الراعي عسية بعد سماع الطرفين لصالح الفرزدق بقوله:  

 

يا صاحبي دنا الأصيل فسيرا 

             غلب الفرزدق في الهجاء جريرا 

 

وثارت ثائرة جرير حتى نظم  قصيدة هجاء قاسية بحق بني نمير ، جعلهم يتوارون عن الأنظار ، وينتسبون إلى قبائل أخرى خشية العار الذي لحقهم – حسب مقاييس عصرهم-  لقول جرير فيهم :

        فغضّ الطرف إنك من نميرٍ 

                         فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا 

فالشعراء أفهم للشعر من حيث روحه وذوقه الفني ، فهم المبدعون الحقيقيون ، ويفقهون كل أسراه ، والأكاديميون يستطيعون الطعن بالزحاقات والعلل غير الجائزة ، و التي تصل إلى حد العيوب ، والقضايا النحوية التي لا يستطيع الشاعر أن يبررها بالضرائر الشعرية.

* من زاوية شاعر …أين يقف الشعر العراقيّ الآن بعد فورته مع جيل الرواد المؤسسين، وانفجاره الهائل مع جيل الستينيات المتعدّد والمثير للجدل؟ هل لا زال يشكّل مصدر إلهام للحركة الشعرية العربية؟ وهل هناك متابعة نقديّة رصينة لمجمل مجرياته في الداخل والمَهجر؟

 – بعد الحرب العالمية الثانية ، وما أدت نتائجها الرهيبة من تدمير هائل ، وقتلى  بعشرات الملايين ، وتغيّرات جيوسياسية ، حدث شرخ اجتماعي ثقافي في المجتمع العربي ، وخصوصاً في عراق الحضارات والشعر ، فبزغ فجر التجديد الفكري والثقافي على مستوى الفن التشكيلي ، والسرد القصصي والروائي،  وحركة الحداثة الشعرية على أيدي الرواد السياب وملائكة والبياتي ، والتي نجحت في اختراق الساحة العربية ، وتلاقف  تجربتها الرائعة   رواد مجلة ( شعر) اللبنانية ، وتمادوا ليقفزوا على العروض والأوزان، بل حتى  وزن (التفعيلة) الجميل، ليعلنوا ميلاد (قصيدة النثر)، ومن رواد هذه التجربة التي تعوزها الموهبة الحقيقية للشعر وموسيقاه ، وسرّه الخفي ،وغنائه الطروب ، وسهولة حفظه لروايته ، والاستشهاد به ، أقول من روادها محمد الماغوط و أودنيس و أنسي الحاج و شوقي أبي شقرا وعبد العزيز المقالح و يوسف الخال … ووجد شباب العراق وبعض أدبائه في هذه التجربة ما يحقق طموحاتهم ، والانخراط تحت لواء الشعر ، وخصوصاً هذا  (النص الأدبي) يعفيهم من الشعر الوطني المباشر الذي حمل رايته شعراء العراق العموديون والتفعيليون ، والظروف الموضوعية القاسية  كانت تساعد على ولوج هذا المسرب!! الذي ارتدى لباس الرمز والأسطورة بل الإكفاء على الذات ، والتعلق بمنهج المتصوفين ونزعتهم الحلولية ، وما نفذوا بريشهم ، فتشكلت أجيال  الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات … ولكل  أسماء العشرات من كتاب نصوصها  في العراق وحده، ولكل جيل سماته ، وكتب نقاد هذا النوع حول هذا الموضوع  وأنا لا أميل لهذه الحواجز المتقاربة ، فالشعر فن ليس له زمن ، وليس له مكان ، كما ذكرت سابقاً ، وإنما قسم الشعر العربي القديم إلى عصور مختلفة لظهور مفاصل رئيسية غيّرت معالم الأمة ، ونهج حياتها ، وسلوك أهلها بشكل جمعي وجلي .. وأنا أكرر هذه التجربة النثرية  سيكتسحها الزمن ربما أسرع مما اكتسح تجارب أرقى منها ، وموزونة ، وجميلة ، كالموشح و،الكان كان ، والبند ، والمواليا … لأنها ليست بشعر يغنى ويحفظ   ويُروى ، ويستشهد به ،المهم بقت الساحة العراقية شامخة بشعرائها العموديين كالجواهري  والسيد مصطفى جمال الدين ، وعبد الرزاق عبد الواحد ، وشعراء التفعيلة  كنازك  والبياتي ومظفر (ذكر لي في لقاء خاص عابر ،أنه لم يكتب قصيدة النثر) ، طيلة القرن الماضي ، وهنالك العديد من الشعراء الذين ينظمون على عمود الشعر حاليا منهم جواد جميل (حسن السنيد ، السيد جابر الجابري ، كريم مرزة الأسدي ، سامي العامري ، عبد الفتاح المطلبي ، جميل حسين الساعدي….لم تسنح لي الفرصة واقع الشعر العمودي داخل العراق ، لعدم اهتمام وزراة الثقافة العراقية ، ولا مراكزها التقافية للشعر والثقافة ، إلا لمن لهم  معهم علاقات شخصية ، أو مصالح طائفية ، أو تكتلات حزبية ، لا أرى في هذا العهد معنى للوطنية إلا من خلال الأحزاب الطائفية ، حفظ الله العراق ، ووقاه من كل شر ، وسوء ، ولنا أمل كبير بالمستقبل والأجيال .     

   * يقال أن الشاعر و السياسة… توأمان يوحدهما الوطن… أين كريم مرزة الأسدي من الحراك السياسي الحالي بالعراق؟

 – هذا القول لا ينطبق على واقع الوطن العربي عموماً ، ولا على واقع العراق خصوصاً ، السياسي عندنا همه الوصول إلى السلطة ، وعند الوصول ينسى الوطن ، ويهتم للتشبث بالسلطة حتى لو كان على حساب الوطن وبدهاء خبيث  وقسوة متناهية  ، أما الشاعر الشاعر ، فهو طفولي النزعة ، رحيم القلب ، بسيط في سلوكه غير ساذج ،  نبه جداً ، لا يتمتع بدهاء كبير ، الصراحة والتلقائية والعفوية من سماته  ، بل تصاحبه قضية الفوات ، أي ينسى أو بالأحرى يتناسى معظم الإساءات الموجه إليه ، لأنه يعتبرها من الصغائر ، ولكن لا يتسامح مطلقا بمن يمس كبرياءه وشموخه ، لذا في أوطاننا الشعراء ضحية االسياسيين ، ونخص من في السلطة ، وقد طالبت في مقالتي ( الثقافة العربية متهمة ..) ، بأن يكون المثقفون والشعراء والأدباء مشاركين في صنع القرار ، لا تابعين ،وإن زعم السياسيون العكس ،   بقولي       

 لا يتمُّ ولن يتمَّ التطور الخلاّق دون أن يكون المثقف الحقيقي المبدع المتفهم لواجبه الأخلاقي , مشاركا حقيقياً في صنع القرار , لرفد الحضارة والإزدهار  , غير مُهيمَن عليه بسياسة التبعية والإحتواء ,  إنْ لم نقلْ الإزدراء , والاّ  فاستميحكم عذرا , نحن , وكل منـّا , على الأغلب  :

 

         كالعيس ِ في البيداءِ يقتلها الظما

       والماءُ فوقَ ظهورها محمولُ

           وكلّ يدّعي  وصلًا  بليلى        

                               وليلى لا تقرُّ لهمْ بوصل

وقالها شاعرنا  الكبير معروف الرصافي بعظمة لسانه معترفاً بهذا الشرخ مابن السياسي المحترف لمصلحة الحكومة الجائرة ، والمثقف الوطني :

  أنا بالحكومة والسياسة أعرف 

                 أأُلام في تفنيدهـــا وأعنَّـف

سـأقول فيها ما أقول ولم أخف

                من أن يقولوا شاعر متطرِّف

هذي حكومتنا وكل شُـموخها 

               كَذِب وكل صنيعهـا متكـلَّف

غُشَّت مظاهرها ومُوِّه وجهها 

               فجميع مافيها بهـارج زُيّـَف

وجهان فيها باطن متســـتِّر

      للأجنبيّ وظـــــاهر متكشِّف

والباطن المستور فيه تحكـّم 

      والظاهـر المكشوف فيه تصلُّف

 

العراق هو العراق ، وأصبح أتعس هذه الأيام إذ يعاني من الإرهاب الدولي والداخلي ، والسلطة غير قادرة كما يبدو جلياً –  على صده ، ولا تستعين بالرجال القادرين لمعاونتها ، للمحاصصة الطائفية والحزبية التي تنخر بالعراق ، ولا تسمح أن يحتل الرجل المناسب المكان المناسب ، بل تحاول بإصرار إبعاد كلً الشخصيات الوطنية المثقفة والواعية والمنفتحة من التقرب للوطن، والوصول إليه، وإن وصل تضع كل المعوقات والمثبطات لإرغامه للعودة من حيث آتى ، لتبقى الساحة لهم منفردين بها ، متناسين أن الدنيا دول ، وكل ما فوق التراب تراب ، رحم الله من مضى ، ووقى الله من آتى ، والحكم على ذمة التاريخ ، والأجيال القادمة على ضمائرها في الحكم تعتمد ،كما يقول الجواهري . 

   * الشاعر كريم الأسدي …هل من مشاريع أدبية جديدة أو اصدارات سترى النور قريبا على أرض الأدب ؟

نعم ستصدر أواسط السنة القادمة (1914م) ،الكتب التالية  وكل شيء معد للطبع :

1 –  ( الشعر وقضاياه … علما العروض والقوافي… والضرائر الشعرية ). 

 2 – (شعر وشعراء – دراسات أدبية وقراءات نقدية – من الشنفرى حتى الجواهري) .

3 –   ( الديوان   كريم مرزة الأسدي).

قد ألفت كتاباً مخطوطاً عن   دعبل تحت عنوان (دعبل بن علي الخزاعي الوجه الآخر للشعر العربي ) بخمسمائة صفحة كبيرة ، ودرسته من جميع النواحي التعريف به تماماً  وبقبيلته وتاريخها وأصولها ، وعصره وبيئه ، وعقيدته وموقفه وما قيل عنه ورددت على أغلب النقاد والكتاب الذين رموه بالبذاءة وسلاطة اللسان ، وجرست شعره من حيث السخرية والهجاء والمديح والرثاء والفخر والنسيب ، وصيغه البلاغية ، وشواهده النحوية وصوره الفنية ، وعثرت على أكثر من عشر مقطوعات ونتف وأبيات يتيمة غير موجودة في كل دواوينه المطبوعة … قضيت ثلاث سنوات كاملة معه ، وكنت لا أجيد الطباعة ، فدونته بخط يدي ، وبعد ضعف بصري ، اختلطت علي الأوراق ، وأحتاج إلى جهد كبير للملمتها ، والكتاب دراسة أكاديمية دونت فيه كل المراجع والمصادر ، وهذا أحد الأسباب التي دفعتني للهجوم على وزارة الثقافة الجاهلة المتجاهلة للثقافة والمثقفين ، بل تحاربنا بقسوة مقللة من شأن العراق ورجالاته – إن صح القول –   

وقد باشرت قي كتابي ( الشعر وقضاياه  ج2 – التجديد في الشعر العربي ) ، وأنتهيت من التجديد في العصر الجاهلي وعصور صدر الإسلام و الأموي ، ودخلت في العصر العباسي ، ونشرت ست حلقات مطولة منه . وهنالك مشروع أخر هو ( هؤلاء بين أيدي هؤلاء …!!) ، وهو كتاب يتضمن وقوف الشعراء بين أيدي الملوك والخلفاء ، وأنتهيت من خمس حلقات ، ووصلت العصر الأموي ، والله الموفق لكل خير :

      على المرء أنْ يسعى بمقدار جهده 

           وليس عليه أن يكون موفقا

شكراً سيدتي الكريمة ،  والشكر موصول للصحيفة الغراء والقرّاء الكرام. وأعتذر إن وقعت أخطاء مطبعية ، فالحوار طويل ، وأكتب استرسالاً على الأغلب ، ولا أستطيع مراجعته ،والعين ضعيفة ، والعذر عند كرام الناس مقبولُ ، شكراً لجميل صبركم .      

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان