واثق عباس
تتبدد أحلام وآمال كثير من الخريجين في الجامعات العراقية بصخرة الواقع التي تواجه المواطن عندما يتخرج من الكلية بعد أن كان متسارعا وفرحا لترتسم على وجهه الابتسامة والزهو ويتحفز للوصول إلى نهاية المطاف لينتهي بعد سنين الكلية فيجلس على رصيف الانتظار للحصول على درجة وظيفية تفرحه بعد ان خاض هذه المدة للوصول إلى هدف يتوقع نيل شيء. الكلام عن صعوبة الحصـول على وظيفة أصبح مشكلة شائكة، وحلم كل عراقي والكل ينتظر من قانون مجلس الخدمة العامة الاتحادي، ان يحل المعضلة التي تفاقمت حتى أصبحت نسبة البطالة اعلى كل البلدان العربية. نسلط الضوء من خلال السطور الآتية على هذه المشكلة التي تعد واحدة من اعقد المشاكل في العراق الديمقراطي اليوم…
*يقول احمد خالد (خريج معهد الفنون الجميلة): أنا المعيل الوحيد لعائلتي فكنت اعمل إلى جانب دراستي وكان همي أن أصل إلى بر الأمان وان أغير حالتي واحصل على وظيفة تليق بي بعد هذا التعب والعناء في حياة صعبة وكنت احلم في حصولي عليها حالي حال كل الخريجين، ولكن الذي حصل إننا تخرجنا قبل (15) عاما ولم نحصل على وظيفة ولكن خلال هذه الفترة كنا نسمع من بعض الزملاء من الذين تخرج بعدنا يحصل على وظيفة فكيف استطاعوا الحصول على تعيين لا احد يعلم؟، وهناك من الخريجين مَنْ يعمل في السوق على الرصيف او يبيع على المحلات ، وانا أخبرك عن زميل لي تخرج عام 2002 وشهادته الآن حبر على ورق، وله ثلاثة أطفال وزوجته تعاني مرضا مزمنا وكل ما يتمناه الحصول على وظيفة تليق به بعد حصوله على الشهادة، إن الظروف صعبة تجبر الشخص على ممارسة أية مهنة من اجل الحصول على عمل يستطيع إن يعيش منه آو يصرف على أولاده وبيته.
*ويذكر لنا المواطن معاذ حسيب عن بعض مَنْ يعرفهم ممن تخرجوا معه في نفس الكلية ولم يحصلوا على وظيفة وهم يعانون ظروفا صعبة فيذكر احدى زميلاته في الدراسة وفاء حسن التي أكملت الجامعة معهم وتخرجت لكنها لم تحصل على وظيفة ومرت عائلتها بظرف صعب حيث توفي والدها المعيل الوحيد للعائلة مما اضطرها الى ان تتجه الى العمل لإنقاذ عائلتها، ولقد كانت أمنيتها أن تحصل على وظيفة تناسب الجامعة التي تخرجت منها .
*وينضم الينا علي نوري، تربوي متقاعد حيث قال: كان العراق حسب تقديري على رأس قائمة الدول العربية من ناحية قيمة الشهادة الجامعية، حيث كان الضبط يعلو على كل شيء، فلقد كانت الجامعات معروفة في جميع الدول فالدكتور الطبيب والمهندس المتميز كلهم من هذه الارض وحتى بعض رؤساء الدول هم من خريجي الجامعات العراقية، والذي اريد ان اقوله انه في ذلك الوقت لم يكن هناك تأثير للسلطة أو الرشوة فكانت الجامعات تخرج طلاب يشار اليهم بالبنان كما ان الخريجين كانوا يفتخرون بتخرجهم في الجامعات العراقية وليس كما يحصل الان فلقد ضاعت الشهادة بين الدهاليز، حيث لاوجه مقارنة بين خريج العراق والدول العربية وخاصة الخليجية بكيفية التعامل والراتب الذي يتقاضاه ونحن لو وصلنا الى ذلك اكيد سوف نصاب بالذهول ولن يصدق أحد ذلك .الان هناك صعوبة في تحصيل فرصة عمل وهي أهم المشاكل التي تواجه الخريج فهناك عدد كبير من الخريجين منذ سنوات لم يحصلوا على عمل، ويتهم الكثير منهم ان هناك محسوبية ورشوة تقف حائلا دون الحصول على فرصة مناسبة للعمل، اقترح غلق الجامعات الجديدة والكليات المستحدثة حتى لا يزداد عدد العاطلين عن العمل الذي ارتفع بشكل كبير ومخيف حتى انني سمعت ان نسبتهم وصلت الى 35 %.
*ويذكر احد الخريجين اوس فاضل: انه بعد الانتهاء من مرحلة المعاناة الطويلة والسهر والكد والاجتهاد من اجل النجاح في الدراسة تأتي مرحلة جديدة من العذاب وهي البحث عن وظيفة حيث وصل عدد الخريجين الى عشرات الالاف بتخصصات مختلفة، اليس من المفروض ان تقع المسؤولية على الحكومة في ايجاد فرص عمل لابنائها، والذي حصل اننا اضطررنا الى ان نوافق على اي عمل حتى لو لم يكن يليق بنا ولكي نتخلص من الظرف الاقتصادي، وقد نضطر الى ان نهرب خارج البلد في وقت من المفروض ( نحن الشباب ) عماد البلد وسند الوطن، ويعتمد علينا في النهوض والوقوف امام التحديات وخاصة نحن شريحة مهمة يعتمد عليها في البناء والتطور فمن يعمل على حل مشكلتنا؟.
*وهنا لابد ان نتوقف عند اهل الاختصاص فتوجهنا الى الاستاذ الدكتور محمد المعموري مستشار في رئاسة الجمهورية، وقد كان عميد احدى الكليات الذي قال لنا: تحديات هائلة تواجهنا اليوم والمسؤولية كبيرة تفوق القدرات، فهناك اعداد هائلة من الطلاب الخريجين وهذا يولد انفجارا بشريا هائلا، كما يحتاج الى زيادة في كل شيء وامكانيات كبيرة، مع تخطيط محكم .وحسب المعايير العلمية هناك ضرورة في انشاء جامعة لكل مليونين من المواطنين وهذا يعني وجود 20 جامعة و38 معهدا وهذه الاعداد تستوجب ضرورة ايجاد فرص عمل للخريجين بعد ذلك، ولكن الصحيح هو العمل على تأسيس جامعات متخصصة هدفها تطوير المعرفة والمهارات بحيث يتم توجيه الطلاب نحو الاطلاع والقراءة والاتقان باسلوب عملي بدل التلقين واجترار المعلومات .فنحن نتوجه الى سوق العمل الذي يتطلب موارد بشرية مؤهلة، لان زيادة الجامعات والكليات تعني مزيدا من الارهاق للاقتصاد الوطني، بتوفير اعداد هائلة من الخريجين لشغل وظائف في الدولة لاحاجة للبلاد اليها، فهذا يدل على ان الدولة تسهم بشكل آخر في زيادة البطالة لشريحة واسعة من الخريجين من دون ان توفر لهم وظائف مناسبة، حيث تزداد نسبة الخريجين من دون حاجة البلد لهم .اذن، لابد من مشروع وطني لحل جميع مشاكل العراق والتحول الى عملية انقاذ المواطن من الكم الهائل التي وقعها بها .
*ويقول الناشط في مجال حقوق الانسان غانم السلمان ان نسبة البطالة في المجتمع العراقي قد بلغت مايقارب 50% من مجموع الايدي العاملة وان اكثرهم هم خريجو الجامعات ولن يستطيع القطاع الخاص استيعاب هذا الكم الهائل من الخريجين، وان تشغيل قسم منهم يأتي عن طريق ضغط الواسطات والمحسوبيات وتمرير المصالح المتبادلة، ولقد غزت البلاد البطالة بشكل لافت للنظر ولا ندري ما هو المهرب الحقيقي لحملة الشهادات وفي ضوء هذا وصل عدد العاطلين الى ما يقرب من مليون ونصف المليون عاطل وهي مشكلة فعلا تحتاج الى حل سريع وجذري وفتح مجالات مع توفير فرص عمل في المؤسسات الحكومية التي هي اصلا تعاني من بطالة مقنعة ويجب التركيز على النوع وليس الكم، كما على الحكومة ان لا تنسى ان تعطى فرصة لخريجي السنوات السابقة .
*وتساءل الدكتور عباس علي أستاذ في جامعة ديالى قائلا: أيهما أقدس العمل آم الدراسة الجامعية؟ بالتأكيد العمل هو الأقدس كما يقال في أوربا فرصة العمل أهم من أية دراسة، يجب على الدولة ان توفر فرص عمل حقيقية للعاطلين عن العمل وليس المهم توفير فرص عمل بالبطالة المقنعة، لان استيعاب الخريجين في دوائر الدولة جميعهم سوف يثقل ميزانية الدولة من دون جدوى حقيقية لعملهم، الجميع يعلم انه اليوم لا توجد فرص عمل حقيقية في المجتمع لكني افرض ان تقوم الدولة بصرف مخصصات للعاطلين عن العمل بدلا من تعيينهم وجعل الكادر الوظيفي أكثر فسادا وترهلا .كما ان تعيين الخريجين جميعهم سيمنع تعيين إي خريج في السنوات اللاحقة مما يدمر اقتصاد البلد ويجعل مسألة البطالة بلا حل لذا على الدولة أن تقوم ببناء مشاريع يمكن من خلالها ان توفر أموالا لكي تمتص البطالة من الشارع ويجب أن تمنح كل عاطل عن العمل أجورا تكفيه ليعيش عيشة كريمة إلى حين توفر فرصة عمل حقيقية له كما يجب ان تدعم الدولة القطاع الخاص بان تمنح العاملين في القطاع أجورا إضافية تساعدهم في حياتهم، وعليها دعم الخاص وجعله يوازي العام وبشكل أفضل ويقدم ويوفر فرص عمل تستوعب البطالة العراقية. إن الدراسة بالعراق للأسف نظامها غير صحيح ، العراق يحتاج الى العالم والحرفي والسائق والمعلم والدكتور والمهندس، انا عندما درست في المدرسة الابتدائية كان معي في الصف 50 طالبا تقريبا لم يكمل الجامعة منهم إلا 5 فقط هذا التسلسل الهرمي بالتعليم كان مناسبا وجيدا يمكن من خلاله جعل لكل شهادة قيمتها واحترامها، بينما نحن الآن نرى أن كل مَنْ يدخل المدرسة يجب أن يصبح مهندسا آو طبيبا آو مدرسا آو حتى اكمال دراسات عليا من الماجستير أو الدكتوراه وهذا شيء خاطئ، يجب أن تكون هناك ثقافة اجتماعية تشجع على العمل أكثر مما تشجع على التعليم، إن صرفيات الدولة على التعليم هائلة، لذا يجب أن يحدد التعليم العالي لمن مستواه يؤهله لذلك .
*وكان الاستاذ علي نيسان استاذ العلوم السياسية قد طرح الحلول لمشكلة الخريجين فقال: هناك عشرون الف شهادة مزورة لموظفين حسب الاحصائيات الحكومية وحسب البيانات. فمن المفترض سحب هذه الدرجات وتوزيعها بين العدد الكبير ممن ينتظرون التعيين من الخريجين ولو حصل هذا فعلا سوف نلاحظ كيف تحل مشكلة كبيرة، كما ندعو الى تأسيس دائرة تابعة لمجلس الوزراء ولها فروع في جميع المحافظات تستقبل طلبات الخريجين كافة وتعيينهم حسب الاسبقية اي من تخرج قبل عامين ينتظر عاما حتى تكون له الاسبقية في التعيين ولا يكون حسب ما نراه اليوم عن طريق التقديم المباشر لان هذا المبدأ يحتمل مخاطر التزوير وتعيين الخريج سيمنحه طمأنينه الانتماء للوطن. وعندما توفر فرص للخريجين سيتوجه الخريجون الى عمل يناسبهم ويتركون العمل غير المناسب مما يؤدي الى زيادة فرص لغير الخريجين لان القطاع الخاص يعاني مزاحمة الخريجين لاخوانهم الذين لم تتهيأ لهم فرصة اكمال دراستهم .ومن الاجراءات الممكنة ايضا خفض سن التقاعد لفتح باب التعيين امام الطاقات الشابة من اجل زجهم في العمل والحصول على طاقات مبدعة .ولا ننسى تنشيط القطاع العام والخاص وزيادة الاستثمار من اجل توفير فرص اكثر، وهذه تقلل نسبة البطالة ولابد من وضع حلول ومعالجات فعلية، فليس من المعقول ان يكون كل العراقيين موظفين او كلهم عاطلين، لا بد من تخطيط مسبق ودراسة تضع برنامجا صحيحا وناجحا ولا بأس من اخذ تجارب الاخرين لحل مثل هذه المشاكل، والتعلم من الاخرين ان منفعة الوطن واجبة.





_1617644865.jpg)



