سوزان الشمري
ضجر، وشتم، وأعصاب مشدودة «هذا واقع حال البغداديين وهم يبدؤون صباحاتهم وسط زخم مروري بات السمة الأبرز ليومياتهم، فمشوار النصف ساعة يوازي رحلة سفر لبعض البلدان.
أزمة المرور في بغداد مدت جذورها في أغلب المفاصل الحركية للعاصمة اذ يصفها البعض بالمشلولة الامر الذي شكل عبئا حقيقيا تتفاقم حدته في ساعات الذروة الصباحية، لتغدو مشكلة تستنزف وقت وجهد البغداديين ، وكذلك الوافدين للعاصمة من المحافظات الاخرى .
أبعاد الازدحام تجاوزت الإرباك اليومي بحسب مواطنين ليشكل سببا مباشرا لأمراض نفسية وعصبية تصنف علمياً «بالموت البطيء» بحسب اخر الدراسات الطبية العالمية.
فيما تقف مديرية المرور العامة عاجزة امام تجوال اكثر من مليون مركبة في شوارع العاصمة ولسان حالها « اليد قصيرة والعين بصيرة» ، واصابع الاتهام توجه صوب « أمانة العاصمة وقيادة العلميات العسكرية»، وقبل الخوص بتفاصيل موضوع تحقيقنا في أزمة المرور في بغداد نستعرض تقريراً علمياً يوضح مخاطر الازدحامات وتأثيرها على الانسان وحياته.
الازدحامات تسبب الموت
تشير أحد البحوث الصادرة عن المركز القومي لأبحاث البيئة والصحة في (نيبيرج) بألمانيا، إلى أن التكدس المروري لا يسبب فقط سوء المزاج، وتدني الإنتاجية، وكثرة أخطاء العمل، ولكنه قد يسبب الوفاة، وأنه يرتبط بإصابة شخص واحد من بين كل 12 بأزمة قلبية، وأن الأشخاص الذين يواجهون التكدس المروري ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية ثلاث مرات عن غيرهم وحذرت من آثار الاختناقات المرورية على أصحاب الأمراض المزمنة كالسكر وأمراض القلب.
وتضيف الدراسة الى أن « تأخر العاملين كل يوم عن بداية وقت الدوام الرسمي بساعة أو أكثر، يقلل في مجمله ساعات العمل المطلوبة مما يخفض الإنتاجية، وكذلك يتكبد القطاع الخاص كثيراً من الخسائر سنوياً بسبب تأخر وصول شحنات وبضائع الشركات نتيجة لهذه الزحمة المرورية، وما يصاحبها من الحوادث المتكررة وبالتالي ترتفع فاتورة خسائر الاقتصاد الوطني بشكل عام.
معاناة يومية
المواطن المتضرر الوحيد في ازمة الزخم المروري يعرض مشكلاته اليومية اذ يشكو المواطن ابو حمزة البياتي رجل خمسيني يصطحب زوجته المقعدة في كرسي متحرك من أزمة زحمة الشوارع ويقول: زوجتي تحتاج الى مراجعة الطبيب مرتين في الشهر، لم اعد اقوى نفسياً على المراجعة بها فرحلة الذهاب بشوارع مشلولة وعاجزة كعجزها يضعف قابليتي على التحمل ويستنزف طاقتي.
نوبات عصبية
فيما يوضح فلاح الراضي وهو اربعيني العمر ، مدرس في احدى المدارس الاهلية الازدحامات الشوارع ويوضح انه يعاني من فوبيا ضغط الشوارع.
ويضيف «أنه يعيش صباح كل يوم أزمة نفسية نتيجة التأخير عن الدوام، لذا يضطر في بعض الاحيان للخروج مبكرا قبيل وقت الدوام الرسمي بساعتين تجنباً لدخوله بزخم مروري يفقده هدوء اعصابه بحسب قوله.
توك تك صباحي
جعفر مهدي طالب في المرحلة الثانوية يستأجر ومجموعة من الطلبة «التوكتك «يومياً في رحلة الذهاب والاياب من المدرسة ،يقول « التنقل بالسيارة غير مجدٍ، فزخم الشوارع يتسبب بتأخيرنا عن الحصة الدراسية الاولى، وهو ما يدخلنا في مطب الغياب مع الاساتذة ، فالحالة تتكرر يوميا مع شوارع شبه مغلقة».
ويضيف: نستأجر «التوكتك» يوميا فهي وسيلة سريعة للتنقل لصغر حجمها وعدم خضوعها للإشارة المرورية خاصة في الشوارع الفرعية.
رحلة عناء
علي الشطري، صحفي وناشط مدني من محافظة ذي قار أحد المتضررين من الزخم المروري في بغداد يقول : اذا نويت السفر الى بغداد، فالأجدر أن اشد رحالي بعد الساعة الثانية من منتصف الليل استعداداً لزحمة شوارع العاصمة ، فمعدل توقفي في أحد الازدحامات يعادل نصف المسافة بين «ذي قار _ وبغداد» ، تنتابني حالات من الانزعاج وكثيرا من يتعكر مزاحي في سفرة بغداد والسبب مئات المركبات المتوقفة عند كل تقاطع. ويضيف «كان الله في عون البغداديين»
لكل «سبب نتيجة» تلك هي معادلة الحياة الوجودية ، فنتيجة ازدحامات الشوارع في أغلب مناطق بغداد، هي امراض عصبية ونفسية ،وقلة انتاجية لموظفي الدولة مما يقوض بتأثيرات «اقتصادية» للقطاعين الخاص والعام .اذ حذر استاذ علم النفس احمد الذهبي من الآثار الوخيمة للازدحام المروري في المدن الرئيسية.
ازمات النفسية
واكد أن «الشعور بالضغط والدخول في الزحام، والبقاء في الطرقات لنحو ساعة في الذهاب وأخرى في العودة له مردوده السلبي على مزاج الإنسان وصحته العامة، خاصة وأن ذلك يحدث بشكل يومي.
وتطرق الذهبي الى دراسة امريكية توضح الاثار السلبية والاقتصادية الذي يسببه الازدحام المروري في إهدار الوقت، اذ وبحسب الدراسة فإن له مردودا سلبيا على إنتاجية الفرد، نظراً للضغوط التي يواجهها أثناء قدومه لعمله، اذ إن نشوة الصباح والحماس الذي يجب أن يعتري الناس وهم يذهبون باكراً إلى أعمالهم، تفقدها تلك الازدحامات المهولة التي تشهدها طرقات المدن الرئيسية .. وحذرت الدراسة من آثار الاختناقات المرورية على أصحاب الأمراض المزمنة كالسكر وأمراض القلب.. وقالت إن البقاء لحوالي الساعة في طريق الذهاب إلى مقر العمل أو العودة منه تشكل إنهاكاً نفسياً للإنسان، وتمثل ضغطاً كبيراً ينعكس على صحته ومزاجه العام.
تراجع وظيفي
وشددت على أن اللهاث اليومي وراء الحرص على الحضور للعمل في الوقت المحدد، وعرقلة الازدحام لمروري لذلك يجعل الإنسان يعيش حالة من التوتر العصبي الرهيب ضمن برنامج يتكرر كل نهار.. وأشادت بتجربة الجهات التي تتبنى توفير مجمعات سكنية لموظفيها بالقرب من تلك الجهات، مشيرة إلى أن ذلك له مردود كبير على نفسية أولئك الموظفين، وقالت إن إهدار ساعتين في اليوم في الطرقات أمر يدعو للإحباط، وأكدت أن لذلك انعكاسات نفسية تبعث على التوتر والإنهاك النفسي.. وحذرت من التأثيرات السلبية لمثل هذه الازدحامات.





_1617644865.jpg)



