قاسم المالكي
هل ان المدينة جعلت الناس تغادر طبقتها بما فيها من مثل وقيم؟ .. ام ان الوضع الامني ساعد على توسيع الهوة بين العوائل العراقية وساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق؟ ..اين تلك التقاليد التي مازالت محفورة في الذهن والتي تذكرني بأم علي المعروفة بخبزها اللذيذ والتي كانت تضعه بيدها النقية وبنفسها الطيبة التي يجتمع حولها الصبية من ابناء الجيران لتعطي كل طفل رغيفاً او رغيفين لان اهلهم على موعد مع ام علي ويعرفون متى (تشجر) التنور وبأي وسيلة حيث لم تعرف امهاتنا بعد تنور الغاز او تنور الفحم .. كانت ام علي تشعل النار بشكل هادئ .. اي تجعل رغيف الخبز يأخذ راحته في الشواء على نار هادئة .. حيث كانت تستعمل حطب الشوك والاشجار المتيبسة والكرب الذي يتحول الى جمر، والتي تجعل التنور باعلى درجات الحرارة .. وما تبقى من جمره يستغل لشواء السمك .. او ذلك «القوري» الذي تشم منه رائحة الهيل على بعد كيلو متر .. لتعلن للقادمين الى ذلك الحي الذي تسكنه ام علي بانهم على مقربة من ذلك الشاي (المهيل ) والخبز الحار .. خبز البركة والعافية لكل الذين يفوزن برغيف او رغيفين من هذه المرأة العظيمة التي مازالت تشكل ارثا وتقليداً نادراً ما تحسه هذه الايام .. هذه الصورة نقلها لي اخي وزميلي « رسول الحسون» لانه كان يعيشها ان لم يكن جزءًا من هذا التراث الانساني لهذه المرأة العظيمة ام علي . هذه الصورة قادتني الىان اكتب تحقيقاً صحفيا ً لانبش فيه ذلك الماضي سلوكاً وتقاليد وعلاقات يؤطرها الحب والتسامح وفعل الخير لسابع جار ولابن المنطقة الصديق والاخ والذي يبكي لبكائك .. ويفرح ويكون مسروراً لفرحك ..هذه الصورة الجميلة والملونة بازاهير الود تحمل معها حكايات ذات نكهة بغدادية اصيلة لم تجدها الا في سالف الزمان .. الشواكة … والجعيفر … وشيخ صندل .. والكرخ والدوريين وعلاوي الحلة .. والكاظمية والكسرة والاعظمية وابو سيفين .. والشيخ علي وباب الشيخ وقنبر علي وابو دودو والقاهرة ..والكريعات وكرادة مريم ..والوزيرية . مناطق ومحلات .. اختفت فيها هذه التقاليد المباركة المملوءة بالصدق وتناحرت معها كل الحكايات التي كانت تشكل ارثا وتاريخياً لبغداد واهلها … والعاشقين والمحبين لجيرانهم اكثر من حبهم لانفسهم.
تقاليد وجدانية ..
اختفت في المجتمع البغدادي
في منطقة الفحامة حيث تواجد الحاج ابو محمد والبالغ من العمر 73 عاماً يحدثنا عن تقليد بغدادي اصيل لم تبق منه الا الذكريات وهو مشاركة الشباب .. اي شباب المنطقة والاصدقاء القريبين خصوصاً وقبل دخول الشباب عش الزوجية .. يقوم اصدقاؤه ومحبوه بحلاقته على حسابهم الخاص لدى حلاق الطرف او المنطقة ومن ثم يصطحبونه الى اقرب حمام ليشرفوا على غسله والاهتمام به بعد خروجه من الحمام حيث يستقبله الاخرون بالشاي المهيل والدراسين .. ومن ثم يصطحبونه بالزفة والهلاهل حتى داره .. وهنا يستقبل بالورد والرياحيين ونثر الحلوى (الملبس) وبمصاحبة الموسيقى الشعبية .. وتستمر هذه الموسيقى يصاحبها غناء المربعات والرقص الذي يساهم فيه الاصدقاء واهل العروسين حتى لحظة الزفاف .. وكما يطلق عليها البغداديون (الدخلة) معللا الحاج ابو محمد ذلك بالقول « ان هذه الاحتفالية البسيطة التي يتخللها الرقص والغناء والاهازيج الشعبية تنم عن المشاركة الوجدانية والاخوية بين شباب المنطقة فهي في الجانب الاخر ركن مهم في عملية الزواج وهو الاشهار .. اي ان جميع اهل الطرف او المنطقة سيعلمون ان فلانا قد تزوج فلانة ابنة الحاج فلان وهذا ركن مهم من اركان الزواج الى جانب الرضا والقبول و التسجيل الشرعي»… «اما اليوم .. فقد تغير كل شيء .. تغير نحو الاسوأ بل الاكثر سوءاً .. شباب يتزوجون دون علم اهلهم .. او ان الشاب في اوربا يذهبون بخطيبته الى عمان او الشام ليأخذها معه دون ان يعرف عنها شيئا او زواج المصلحة او التجارة او لطلب الجاه. ويعلل الحاج ابو محمد ذلك بقوله « ان السبب في تقديري هو الحضارة الزائفة بل هو الانحراف الاخلاقي واشاعة ثقافة التمرد على العرف والتقليد الاجتماعي النظيف والطاهر والبالغ من اخلاقية البغداديين» ..
السطح واحد .. والشرف والعرض واحد
وفي منطقة الشواكة بجانب الكرخ حيث الحاج ابو هوبي والبالغ من العمر 65 عاماً يقول .. «كانت سطوح المنازل سواء في منطقة الشواكه او الكرخ عموماً متجاورة ومتلاصقة لم تفصل الجار عن جاره سوى (التيغه)او الحائط وعادة يكون مشتركاً بين الجارين سواء في البناء او الترميم .. واريدك ان تسألني هل ان الشاب في هذه الدار يكون وقحاً على ابنة الجيران .. مطلقاً هذا من المحرمات او العيب ..وياويله ان حدث ذلك .. وهو نادر جداً اذ ان سكان تلك المنطقة لم يكتفوا بمقاطعته بل الطلب منه ان يرحل عن المنطقة لانه قد لوثها بهذا الفعل الشيطاني او التصرف اللاخلاقي ان وجد .. فشرف المنطقة واحد .. والعرض واحد .. والمحافظة على ابنة المنطقة من اخلاقية الناس ايام زمان .. والزيجات دائماً تكون محصورة على شباب وشابات المنطقة لانهم عائلة واحدة ويعرف بعضهم البعض عن قرب .. سواء كان فقيراً او ميسوراً .. المهم هو الستر وبناء البيت الجديد .. ونادراً ما يخرج الشاب عن عائلته .. فالزوجة تكون بنتا لعمتها التي تكون حريصة عليها اكثر من حرصها على ولدها لانها امانة في عنق العمة والعم اما اليوم وللاسف الشديد ..فاول طلب يطلبه اهل البيت هو ان يخرج الشاب زوجته في بيت اخر وقد يشترط ان يكون في منطقة ما .. وهذا ما اثر على النسيج الاجتماعي للعائلة وبالتالي على المجتمع بشكل عام .
كصه بكصه والنهوة …بعيدة عن المجتمع البغدادي
وفي منطقة الفضل في جانب الرصافة من بغداد حدثنا الحاج ابو صادق البالغ من العمر 62 عاماً من البغداديين الاصلاء ابا عن جد .. عن ظاهرة اجتماعية متخلفة وخطيرة ما زال المجتمع الجنوبي من العراق متمسكاً بها للاسف الشديد ولم تكن موجودة في المجتمع البغدادي .. يقول «في المجتمع البغدادي واينما تتجه في صوبيه الكرخ او الرصافة لم تكن ظاهرة الكصة بكصة او النهوة موجوده مطلقاً .. بل للاسف الشديد عادة ماتكون في المجتمعات العشائرية وخاصة في الجنوب او الوسط من العراق .. لان المجتمع البغدادي هو نسيج اجتماعي واحد فابنة الجيران لابن الجيران وابنة الفضل لابن الاعظمية وابن قنبر علي يستطيع ان يخطب واحدة في البياع لانه قد شاهدها صدفة واعجبته بعد زيارة قصيرة لشقيقته او لشقيقه .. وتنتهي فترة الخطوبة والزواج في اسبوع واحد .. ولم نسمع ان فلانة قد منع زواجها ابن عمها وبما يسمى (النهوة) او ان فلانا من الناس قد اعطى شقيقته مقايضة . يتزوج من اخرى .. دون مهر او حاضر او غائب .. هذه الظاهرة لم تكن موجودة في المجتمع البغدادي ولم نسمع بها مطلقاً ايام زمان .. وهناك مثل شعبي يقول بنت الشرق للشرق والغرب للغرب .. اي بنت الاعظمية لابن الشواكة وبالعكس .. او بنت الرحمانية لابن الوشاش لوجود علاقات اجتماعية او جيرة ..
من نعم الله عليك .. حاجة الناس اليك
وعلى مقربة من منطقة اسكان غربي بغداد تشمخ مدينة الوشاش التي يمتد عمقها الجغرافي او الاسكاني الى اربعينيات القرن الماضي .. وفي احد ازقتها يتواجد مفوض الشرطة المتقاعد في ستينيات القرن العشرين واحد من مفوضي الشرطة الذين يعدون بعدد اصابع اليد .. ولم يبق مركز للشرطة يعتب عليه الا وامضى فيه سنة او سنتين لخبرته التحقيقية ولعدم وجود مفوضين او لان مراكز الشرطة هي الاخرى لاتتعدى الستة مراكز في بغداد .. كمركز شرطة فاروق في الاعظمية ومركز شرطة السنك في منطقة الرصافة .. مركز شرطة البياع في الكرخ يقول «يحضرني هنا قول أمير المؤمنين علي عليه افضل الصلاة والسلام .. بقوله الفلسفي والاخلاقي والوجداني والتربوي والذي تجلى باسمى معاني العلاقات الانسانية بين الناس وحاجة بعضهم الى البعض الاخر .. مكان الجار البغدادي مترجماً لقول ابي الحسن سلام الله عليه فتراه، يلجأ الى جاره اذا اصابته ضائقة مالية فيذهب الى اقرب جار له .. ولم ينتظر في الذهاب الى ولده او شقيقه الميسورين فيجد في جاره الملاذ الامن .. والمنقذ .. اما اليوم فقد تغير كل شيء للاسف .. فان جارك لم تعرفه بل لم تشاهده الا في الاعياد او المناسبات وهذه طامة كبرى في العلاقات الاجتماعية ففي بغداد ايام زمان الجار هو الصديق .. وهو الاخ .. وهو القريب وهو اول من تشكي حالك له .. فهل ان الحضارة .. ام الوضع الامني ام ان الناس قد تغيرت طباعها لا اعرف وارجو الله ان يهدينا الطريق .. والخير وان تعود ايامنا كما كنا نعيشها في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات ..واخيراً هل استوعبنا الدرس؟؟؟ سؤال تطرحه على الجميع





_1617644865.jpg)



