حوارات وتحقيقات

اللاجئون العراقيون في الأردن … بيـن وجـع الغربــة وحلـم العـودة الى وطـن آمـن

عندما تريد أن تكتب موضوعا عن العراق فلن تحتار فكل زاوية وركن في العراق يستوعب الاف الاحاديث التي تقطر ألماً ،أما أذا كنت تريد الكتابة عن انتهاكات حقوق الانسان العراقي و همومه و قضاياه خارج حدود وطنه، في أرض غربته و اغترابه فلن تستطيع أن تمنع دمعة من السقوط على الورق …هكذا بدأت كتابة هذا التحقيق و أنا في صراع بين موقفي المهني و  مشاعر الألم و الحسرة على المهاجر – اللاجئ- العراقي و ما يتعرض اليه من انتهاكات و مضايقات في دول يقال عنها: عربية شقيقة…بالمفاخرة فقط!!

فبعد عشر سنوات من لجوء مواطنين عراقيين إلى الأردن هرباً من ظروف الحرب و الاحتلال، تولّد مجتمع عراقي مصغر داخل المملكة الاردنية ، فارضاً تفاصيله  وعاداته الخاصة به ، حيث تكوّنت من خلاله قاعدة اجتماعية و اقتصادية طغت بإيجابياتها على المجتمع الأردني، اذ  لم يقتصر تأثير تواجد العراقيين في العاصمة الأردنية عمّان على انتشار المقاهي والمطاعم والمحال العراقية فحسب، والتي تعدّ منافسا قويا للتجارة الأردنية، الأمر الذي أثر  على الاقتصاد الأردني – إيجاباً من وجهة نظر رجال الأعمال الأردنيين، وسلباً من وجهة نظر محدودي ومتوسطي الدخل نظرا لحالة الغلاء التي جاءت نتيجة ارتفاع الأسعار في جميع مناحي الحياة بسبب دخول العملة الصعبة و أصحاب رؤوس الأموال العراقيين  و تأثيرهم على المستوى البسيط الذي كان يعيشه المواطن الاردني سابقاً…لكن الموضوع لا يقف  عند تزايد شكاوى المواطن  الأردني من ارتفاع الأسعار و زعمهم في أن السبب الرئيسي لسوء وضعهم هو تأثير الوجود العراقي في ذلك..

تحقيق – سناء الحافي

 

 العراقيون: همومنا  في الاردن تجاوزت نطاق المعقول

تشكّلت لدى العراقيين مصاعب حياتية أكبر و هموم  تجاوزت نطاق المعقول بسبب المعاملة السيئة التي يتعرضون لها من طرف الأردنيين و الدوائر الحكومية ،التي أصبحت تنظر اليهم كمتطفلين و محتكرين للعمل الاقتصادي ، لفرضهم عاداتهم الاجتماعية الخاصة و تجمعاتهم العائلية التي أصبح البعض ينظر اليها كعبء على المجتمع الأردني ،حيث تزايد هذا التفكير التعصبي خاصة بعد معركة الكراسي التي كان سببها السفير العراقي في الاردن مؤخرا و الذي فتح أبواب الصراع النفسي و هاجس الخوف عند المقيمين العراقيين في الاردن…الذين أصبحوا يعانون من الخوف و القلق الدائم و يختبئون تحت أسماء أخرى لعلّها تخفي مذهبهم أو طائفتهم الدينية حتى يتمكنوا من مجاراة الوضع الحالي…و العيش بأمان !!

العراقيون ‘كبش الفداء’ في الأردن…!!!

لكن الأردنيين وجدوا في العراقيين ‘كبش الفداء’ للتعبير عن عدم رضاهم عن أوضاعهم العامة، بسبب تراجع أحوالهم الاقتصادية خلال العقد الماضي، التي ساءت بسبب تقاعس الحكومات الأردنية عن أداء الدور المطلوب منها في محاربة مشكلات مثل الفقر والبطالة، وتركيزها على المشاريع الكبرى التي لم تمس حياة الناس وتحسنها،اذ ولّد هذا الإحساس لدى البعض شعوراً بعدم الرضا عن الوجود العراقي، خاصة وأن هذا الوجود خلق نوعاً من النهج السلبي لدى مقدمي الخدمات والسلع، والذي يتمثل بتفضيل المستهلك العراقي عن المحلي نتيجة للإمكانيات المالية المرتفعة لديهم…

و في جولةٍ في أروقة العاصمة الأردنية عمّان ، حاولت جاهدة التعرف على هموم اللاجئين العراقيين في الاردن و قضاياهم التي تجاوزت المقبول ، فبالرغم من نجاحهم تجاريا و تركيزهم على عدم الاختلاط بأصحاب البلد تفاديا لأي إهانات أو مضايقات قد تجبرهم على الرحيل بحثا عن سقف آخر من الأمان قد يكلفهم سنوات أخرى من الاستقرار و التأسيس لمستوى معيشي اخر يتماشى مع متطلباتهم  و طموحاتهم…فكانت لنا هذه الاراء التي تعبر عن هموم أصحابها و آلامهم..

آراء حائرة و قرارات لعودة تائهة

 في لقائنا بأحد المقيمين العراقيين ( ابوالعلي) و هو صاحب مطعم عراقي شعبي قال: ( أرى شخصيا ان حجم الاستثمارات العراقية في الأردن الأعلى بين الجنسيات الأخرى باستثناء الكويت، لكن هذه الاستثمارات تظل متواضعة مقارنة بعدد العراقيين المقيمين في الأردن، لأن كثيراً منهم لم يقم بتأسيس  مشروعات هنا، بل اتخذوا من الأردن مقراً للسكن فقط وأقاموا مشاريعهم في دول أخرى مثل مصر ولبنان بسبب المنافسة الكبيرة هنا بين أرباب المال العراقي، و بالنسبة لي شخصيا وجدت أن تأسيس مطعم عراقي يهتم بالمأكولات الشعبية فكرة جيدة حيث لاقى اقبالا كبيرا و يقصده عدد كبير من المقيمين العراقيين و وجدت في الأردن مكانا آمنا لي و لعائلتي رغم ارتفاع  مستوى المعيشة خاصة أسعار أجور البيوت التي تتجاوز 400 دينار أردني فقط لأني عراقي )…

أما حيدر.ج. و هو اعلامي في قناة عراقية مقرّها بالاردن ،و  الذي مر على قدومه من العراق إلى الأردن خمسة أعوام، فقال في حديثه لنا:  (أجتمع مع أصدقائي العراقيين في المطاعم والمقاهي العراقية في عمان للتسامر والحديث في السياسة، وأن محور الحديث عادة ما يكون آخر المجريات على الساحة العراقية) و أضاف والدموع تترقرق في عينيه أن أجواء المطاعم العراقية في عمان من غناء وصور تراثية تعود بالذاكرة إلى الأيام الخوالي، بصحبة الأهل والأحبة والأصدقاء في بغداد، مؤكداً على أنه يرتاد أحد هذه المطاعم يومياً للترويح عن نفسه واستعادة ذكريات الماضي، شأنه شأن غيره من المغتربين العراقيين…

اللاجئون العراقيون في الاردن ينتظرون نهاية رحلتهم الطويلة..!!

وعودة الى نقطة  البدء يقول  علي .الكاظمي : (  بعد مرور عشرات السنين على هروبنا القسري من العراق، ما زلنا نردد عبارة: “نحن مواطنون دونما وطن مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن” بانتظار من يسمعنا ويشعر بمصائبنا ولسان حالنا ) ويتساءل بحرقة: هل كان الأمر يستحق كل ما حصل لتنقلب حياتنا رأسا على عقب وما ذنبنا وذنب أطفالنا ليدفعوا الثمن؟ وكم من الدم العراقي يكفي لينصفنا العالم و تنتهي رحلتنا الطويلة!؟

معركة الكراسي….و هاجس الخوف من الانتقام !!

أما العراقي علي عمران المقيم بالعاصمة عمان ، يقول في حديثه لنا( واجب على الحكومة العراقية أن تجد مخرجاً سريعاً لهذه ‏الأزمة التي تسبب بها حرس السفير العراقي مع الأردنيين، ولتضع في حساباتها وجود ما يقارب ‏المليون عراقي على الأراضي الأردنية)‎ 

ويرى عمران، الذي يملك مطعما للمأكولات العراقية في منطقة الرابية في العاصمة الأردنية، أن “ما ‏حصل لا يمكن اعتباره أزمة دبلوماسية، فالمجتمع الأردني مجتمع عشائري كما هو العراق ولا نريد ‏أن يتطور الأمر إلى مرحلة الثأر من الطرف الآخر ما يحول العراقي في الأردن إلى كبش فداء جراء ‏انفعال عدد قليل من طاقم السفارة‎

ويتابع “تركت العراق منذ 6 سنوات وأنا أعيش على الأراضي الأردنية هرباً من الخوف والقمع وعدم ‏استقرار الحالة الامنية فمن غير المعقول أن تتضرر حياتي هنا بسبب تصرفات طاقم السفارة التي لم ‏تفدنا يوماً هنا…

 

 

العمال العراقيون….ليس لهم الحق بالتنظيم النقابي في الاردن !!!

‎وفي هذا الصدد تطرح السيدة سحر الياسري و هي كاتبة عراقية عدة تساؤلات حول مشاكل العمال العراقيين في الاردن حيث صرّحت في حديثها (  أن العمال العراقيين يتعرضون للاستغلال من أرباب العمل الاردنيين حيث يعملون طيلة مدة العمل أسبوع أو شهر حسب نظام دفع الاجور ولكن عند نهاية المدة لاتدفع مستحقاتهم وليس لهم الحق بالتنظيم النقابي ولاينعمون بحماية قانون العمل الاردني ويعملون تحت ظروف قاسية لاتتوافر فيها أبسط شروط السلامة المهنية والصحية وفي صناعات تسبب لهم أمراضا خطيرة مزمنة وبأجور أن دفعت متدنية للغاية ولاتعادل حتى نصف أجر العمالة الاردنية وبدون عقود عمل تضمن حقوقهم حيث يمنع المشرع الاردني أجراء عقود عمل بدون أن تتوفر لديهم أقامة قانونية في الاردن للمتعاقد معه وهو أمر شبه مستحيل للباحثين عن العمل وخصوصا مع التشدد الاردني بمنح أقامات للعراقيين حيث يتطلب منح الاقامة ايداع مبلغ كبير في أحد المصارف الاردنية

  و أضافت (عمان تعتبر العاصمة العراقية الثانية بعد بغداد ولازال بعض وزرائنا يديرون وزارتهم من عمان 

فماذا فعلت الحكومة العراقية هل فاوضت الحكومة الاردنية بخصوص العمالة العراقية في الاردن؟؟؟

هل قابل احد مسؤولينا المقيمين في عمان أو تحرى وضع العمال العراقيين أو ساعدهم ؟؟؟

هل ……… هل……. هل ………. وأنتم جميعا تعرفون الاجابة  لكن عتبي الاكبر على أتحادات نقابات العمال العراقية والتي وصل عددها الى سبعة اتحادات عمالية ولم نسمع منهم أي شيء ولاحتى أضعف الايمان الاستنكار الشجب.. بيان ما.. كلمة ما ولا أي أجراء ولاأي لقاء مع العمال ولا….ولا..ولا…ولا

والقسم الاكبر من قيادات النقابات ضيوف دائميين على عمان لحضور المؤتمرات أو في طريقهم الى دول آخرى لمؤتمرات تتحدث عن وضع العمال العراقيين الذين لايعرفون عن معاناتهم شيء في البلدان التي يزورونها 

أيها السادة كفى مؤتمرات وهيا الى العمل وبناء نقاباتكم القوية والمؤثرة في مجتمعها ومساعدة الطبقة العاملة العراقية للحفاظ على مكتسباتها وحقوقها في الأردن.

بين طلب اللجوء و شبح العودة !!

اما اسيل قرداغي 25 عاماً هربت حاملا من العراق  بعد تلقيها تهديدات من متشددين اسلاميين و وضعت ابنتها الصغيرة في إحدى المستشفيات الاردنية في الصيف الماضي ،تاركة وراءها  زوجها الذي يعمل مهندسا لدى شركة أمن جنوب افريقية في بغداد لكسب المال و قالت و الألم يعتصرها : عندما لم يتصل بي زوجي  في عيد مولدي ادركت بأن شيئا ما ليس على مايرام وبعد ان اتصلت بأصدقائه والحت عليهم علمت بأنه تعرض للإختطاف. والآن وبعد مرور سنة كاملة، اصبحت أكسب القليل من المال من خلال عملي في روضة اطفال بمنطقة عبدون، لكن هذا المال غير كاف بعدما فقدت راتب زوجي ايضا، ولقد تقدمت بطلب لجوء وإذا رفض طلبي سيكون عليّ العودة الى بغداد، وانا لااعلم ماهو مصير زوجي لحدّ الان الا انني اشعر بالقلق من ان يكون نفس مصير شقيقي الذي قتل بسبب عمله كمترجم لدى الجيش الامريكي.وقالت “لا استطيع التفكير بذلك وفي اللحظة التي سأترك بها نفسي لمشاعري سوف انهار وانا اخشى من قدوم اللحظة التي سأنهار بها”.

وجه آخر للوجود العراقي في الاردن   الثقافة الفرعية الناظمة لحياة العراقيين في الأردن..!!!

و من ناحية اخرى يشير الأكاديمي والإعلامي الدكتور حسين محادين،في حديثه الينا ،إلى أن عمان استقبلت عناصر ثقافية مادية قادمة من العراق، تجلّت في وجود محلات خدماتية خاصة بالعراقيين، فانتشرت أنواع الأطعمة العراقية في معظم قوائم الطعام وأماكن السهر في العاصمة الأردنية و أن هذه المطاعم والملتقيات شكلت نوعاً من الثقافة الفرعية الناظمة لحياة العراقيين في الأردن، لما فيها من أجواء بغدادية جميلة، أضفاها أصحابها من خلال ديكورات وصور لمعالم بغداد التراثية، إضافة إلى الغناء العراقي الأصيل (المقام)، والأزياء التراثية التي يرتديها العاملون في هذه المطاعم.. 

حيث يرى أن ملتقيات التسامر و تذكر الماضي  شيّدت جسراً وعناوين للتفاعل المتبادل بين الأردنيين والعراقيين بصورة مباشرة، و تبادلاً للمنفعة الثقافية والمادية بصورة غير عميقة….

التواجد العراقي …غيّر معالم العاصمة الأردنية!!

تسمية الكثير من شوارع عمّان بأسماء مدن عراقية….!!

و كما هو معروف فقد اختار العراقيون الأردن كمكان آمن ومستقر منذ العام 2003 بدافع العلاقات التاريخية التي تربط بغداد بعمّان، حيث كان العراق الشريك التجاري والاقتصادي الأول للمملكةالأردنية في السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق، حيث يتواجد في الأردن أكثر من نصف مليون عراقي يقيمون بشكل دائم أو مؤقت على الأراضي الأردنية. و هذا ما يرى فيه المواطن العادي و السياسي الاردني ضغطاً على البنية التحتية، ويستنزف جزءاً من الخدمات المقدمة، سواء التعليمية أو الصحية، ناهيك عن مساهمة العراقيين في رفع معدلات الطلب في السوق الأردنية الصغيرة، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار كثير من السلع والخدمات…

و لم يقتصر تأثير التواجد العراقي فقط من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية بل تعداه بشكل واضح على معالم العاصمة الأردنية ، حيث أعيد تسمية الكثير من شوارع عمّان بأسماء مدن عراقية، ووصل الحال إلى أن أصبحت بعض أحياء المدينة تسمى من قبل العراقيين بأسماء أحياء بغدادية، مثل الكرادة والحارثية وغيرها من الأسماء…الامر الذي يفسر التواجد العراقي المكثف في العاصمة الاردنية  و الذي يعتبر سببا آخر لرفض الاردنيين لتقبل ما يسمونه بالضيف الدائم …

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان