حوارات وتحقيقات

بعد عهود من الحكمة والعدالة "الفريضة" العشائرية.. مساومات مالية ويمين كاذب وتهديدات بالقتل

تحقيق / فهد شاكر المياح

*يقول الحاج “وعد الشمري” الذي التقيناه بمنزله في حي الامين الثانية : (بعد دخول عصابة السطو المسلح, أمروني  بالخروج من خلف القضبان التي ثبتها في محال الصيرفة خاصتي, وما ان خطوت خطوة بعيدا عن القضبان, حتى شج احدهم رأسي بعقب مسدسه. الامر الذي حتم عليّ الدخول بغيبوبة لم أصح منها الا وافراد العصابة, مضمخون بدمائهم ومكبلو الايدي). ويكمل : (حين افقت من غيبوبتي, عرفت ان اخوتي قد تمكنوا من النيل من هذه العصابة, وذلك لأن منفذ صيرفة النقود لايبعد أكثر من 10 امتار عن بيتنا. وعرفت أيضا ان احد افراد عصابة السطو, هو جاري “م ف ” ويمت لنا بقرابة “نسب”. فهو زوج لابنة خالي, وبعد ذلك استدعينا رجال الشرطة وسلمناهم الجناة ويسترسل : (في مساء يوم الحادثة, جاء الى بيتي, افراد من قبيلة جاري وقريبي يتقدمهم “شيخ” العشيرة, متضرعين ان نمنحهم “العطوة” فكان لهم ماأرادوا, وفي اليوم الذي اقيم فيه “الفصل” العشائري. فوجئت بتحول قضيتي, من مجنى عليه الى جانٍ. والسبب, هو حفنة من شيوخ مزيفين, معروفين بالوسط العشائري باسم “الفريضة”. وهؤلاء اي “الفريضة” عزوا مجيء الجاني لمحال الصيرفة, لغرض استبدال حفنة من النقود المحلية, بأخرى “دولار” وأن دخوله لمنفذ الصيرفة تزامن ومن باب “الصدفة” لاغير, ودخول عصابة السطو. ولم يكتفوا بذلك. بل ربطوا خيوط الجريمة بالخلاف الذي نشب بين الجاني واحد أخوتي قبل عامين, قائلين أن العملية برمتها, ماهي الا “ثأر قديم”).
حسناَ.. الم تكن في محال الصيرفة كاميرات مراقبة؟ وماذا عن الشهود..؟
للأسف لم أنصّب كاميرات مراقبة رغم الحاح أخوتي, اما بالنسبة للشهود, فقد  علمت بعد مضي زمن على تلك الحادثة, أنهم تعرضوا للتهديد و “الدكة”.
ماتقصد بـ”الدكة” ..؟
في العرف العشائري, وحين يسوء الامر بين الطرفين المتخاصمين, يلجؤون لاطلاق النار على المنازل, مستخدمين انواعا لاتحصى من الاسلحة, وهذه العملية تسمى “دكة”.
وهل لجأت الى “الدكة” بعد احتيال خصمك عليك؟
لا..
ولم..لا ؟
خشيت على اخوتي, من احتمال “القتل”.
*ونحن نروم الخروج من منزل “وعد الشمري” حدثنا شقيق مضيفنا عن قضية  احتيال أخرى, تضارع قضيتهم في كل شيء, باستثناء نوع “القضية” فالقضية الاولى كانت “سطو مسلح” اما الثانية التي حدثنا عنها شقيق محدثنا, فهي “هتك للعرض”. فسألنا شقيق مضيفنا ان يدلنا على منزل من “هتك عرضه”. وفعلا وبعد قرابة نصف ساعة, طرقنا باب “ك . ك”. الذي لم يتوان عن استقبالنا, وعقب تأديته لأصول الضيافة, طفق يحدثنا بشكل مفصل, عن قضيته الخاسرة, فقال وهو ينفث دخان سيكارته : (جيراني وربما سكان المنطقة برمتهم, يعلمون ماجرى لي ولعائلتي من مأساة لاتزال تداعياتها وحتى وقتنا هذا, تحيق بنا من كل حدب وصوب). صمت برهة ثم أردف قائلا : (لكوني أعمل بأحد أفران الخبز الحجري, فان طبيعة عملي تحتم عليّ المبيت ليلة من كل اسبوع في الفرن. وفي احدى ليالي المبيت, وقبل عامين, اتصلت بي زوجتي, وكانت امارات الاضطراب والهلع واضحة جدا بصوتها, وعلى الفور غادرت الفرن متوجها الى بيتي, وما أن ولجت حتى الفيت زوجتي مضمخة بدمها, وقتئذ لم استمرئ ماشاهدت بأم عيني, لكني تداركت الامر حين حملت زوجتي الى السرير واستعلمت منها عما حدث, فأوضحت ان ابن جارنا قد دخل عنوة الى البيت, ولكم زوجتي على أنفها, محاولا اسكاتها واجبارها على تسليمه مالديها من ذهب ونقود وبعد فشل مخططه, غادر المنزل . ويضيف : (في تلك اللحظات أخذ الغيظ مني مأخذا, وفكرت بحمل السلاح والتوجه لبيت جارنا وقتل عائلته بأكملها, لكن زوجتي أصرت ان اعلم ابناء عمومتي بما حصل. وفعلا جاؤوا بعد وقت ليس طويلا, وتوجهوا لمنزل جارنا وفرضوا عليه “الكوامة”).
وماذا جرى بعد “الكوامة” ؟
: في الصباح, توجهنا الى مركز الشرطة وقدمنا بلاغا بالحادثة, وقبل عودتنا, اقترح ابن عمي, استدعاء الادلة الجنائية, من اجل رفع البصمات, لتكون دليلا قاطعا. في حال حاولوا التلاعب بالقضية. ويسترسل : (قبيل يوم البت العشائري “الفصل” زارني رجل يعتمر عقالا و”غترة” عرفت ومن خلال كلامه, أنه “فريضة” وراح أذاك, يساومني على مبلغ “الدية”.
ما تقصد بالمساومة ؟
: اعني انه أراد نصف قيمة “الدية” مقابل رفعها لتصل الى حوالي 500 مليون دينار, باعتبار الامر “فسدة” عشائرية).
وهل قبلت بمساومته ؟
: (كلا.. لأني مابحثت قط عن المال, بل أردت أسترداد كرامتي, من خلال معاقبة الجاني قانونيا وعشائريا.
وماذا بعد رفضك لمقترح “الفريضة” ؟
 : في يوم الفصل العشائري, جاء من زارني في بيتي, مع عشيرة “الجاني” وكانوا قد هيؤوا انفسهم, لردع قضيتي, فبقدرة “الفريضة” تحول الجاني, الى رجل بريء, دخل منزلي لغرض المساعدة, لاغير.
وكيف حققوا ذلك؟
: (من خلال القسم بكتاب الله, و بالامام العباس, مدعين, ان الجاني, دخل الى بيتي بعد سماعه صراخ زوجتي, وحين رآها ساقطة على الارض مضرجة بدمائها, خرج مذعورا خائفا, وادعوا ايضا, أن زوجتي كانت في حالة ذهنية مشوشة, لم تستطع من خلالها تمييز الجاني الحقيقي, وعلى هذا الاساس, نسبت الحادثة, الى شخص مجهول).
*قبيل المساء, غادرنا منزل “ك.ك” و توجهنا الى مطعم, فبعد نهار شاق, متبل بحكايا التدليس واليمين الكاذب, أصبح لزام علينا, تناول وجبة خفيفة من الطعام, لسد الفراغ “النفسي والجسدي” الذي تركته بداخلنا تلك الاحاديث, هناك وما أن جلسنا الى الطاولة, حتى دخل المطعم صديق لنا, فسارع بمشاطرتنا الجلوس الى الطاولة, وأثناء تناولنا لطعامنا الذي طلبناه, غرقنا في حديث طويل, تشعب وتجذر في قضايا مختلفة, حتى وصلنا لموضوع تحقيقنا هذا, فحكى جليسنا  حكاية عمه الذي خسر نصف ثروته بسبب “الفريضة” حيث قال : (كان عمي وسيطا بين رجل مرابٍ, وبين المستفيدين من الربا, وفي احد الايام ضمن عمي رجلا, عند المرابي, لكن الاول وبعد مدة قصيرة, لاذ بالفرار, تاركا عمي والرجل المرابي, في خضم خلاف عشائري, ولان العشيرتين, اعتبرتا ان الامر برمته “فسدة” فقد لجأ عمي والرجل المرابي, الى عدد من الشيوخ “الفريضة”. واستطاع شيوخ “الفريضة” ان يسلبوا من عمي نصف امواله, عبر المماطلة والاحتيال عليه, وتغيير قضيته بشكل واخر بين الفينة والفينة).
اذن.. فمال الحرام.. للحرام, الا توافقنا الرأي؟
: (نعم,  اوافقكم الرأي والقول)
“الفريضة” في العرف العشائري
في صباح اليوم التالي وبعد جهد جهيد, التقينا الشيخ الفريضة  “ابو احمد ” واستعلمنا عن مفهوم “الفريضة” وعن تاريخها, فأجابنا قائلا : (الفريضة, هو قاض عشائري, يحكم بين الطرفين المتخاصمين, وفق حكمته وخبرته في مجالات فض النزاع, وقد ظهرت هذه التسمية, بجنوب العراق, في القرن التاسع عشر, وتحديدا في محافظة ميسان, ومن اشهر البيوت التي عرفت بـ”الفريضة” بيت “نصر الله” وبيت “عرارابن صابر”. وبعد ذلك اتسعت رقعت “الفريضة” وظهرت في عدد لامحدود من العشائر والافخاذ. منها قبيلة السواعد “شبل الثامر” وقبيلة البهادل “كاظم السدخان”. ويضيف : ( اما اليوم, ونظرا لتزايد الخلافات العشائرية, وامتعاض امراء القبائل منها, فقد عمدوا, اي الامراء, الى منح عدد من الرجال جزءا من سلطتهم القبلية, وهؤلاء بدورهم, منحوا رجالا اخرين لقب “الشيخ” مقابل حفنة من المال, ومن هذا المنطلق, فإن كل من امتلك المال, امتلك “الشيخة” و “الفريضة”).
حسنا, الا تعتقد ان موضوع “الفريضة” قد تحول من قضاء عادل الى مهنة تدر على ممتهنها, مالا وفيرا؟: (نعم, واجزم بذلك, وحقيقة, فإن الكثير من شخصيات “الفريضة” جمعت ثروة مهولة, من خلال تامرها او بصورة ادق” استئجارها”).ليومين متتاليين, ونحن نتجول بين المتضررين من حكم “الفريضة” والمستفيدين منها, وليومين, بحثنا عن اجابات لأسئلة لامحدودة, واهمها, كيف سيكون “الفريضة” لو أقر قانون العشائر…؟.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان