فنون

قضايا في حزن شاعر.. وجع أخرس في " عاصفة " عبد الهادي عباس الشعرية

القضية الاولى :

يقول الشاعر الفرزدق عن عملية كتابة الشعر : (( هي اهون من قلع ضرس ، واصعب من صعود جبل ، كما اشار احدهم 0)) .فإذا كانت هي كذلك بالنسبة الى شاعر بفحولة الفرزدق ، فهي كذلك لاي شاعر مقتدر من شعرائنا المعاصرين .
يقول الشاعر عبد الهادي عباس في قصيدة “رثاء” :
 ((رحم الله الشعر
من يكتبنا اذ يتلعثم بعض الموتى..
والمغزل مرتبك  المعنى)) .
يتساءل الشاعرعن كتابة الشعر عندما تضرب الفوضى اطنابها عندصمت الشعراء الفحول ، او المقتدرين ، كما تضرب اطنابها عند الموتى منهم ، تشيع الفوضى ويرتبك المعنى حتى، لان كتابة الشعر عند الشاعر اهون من قلع ضرس ، اما عندما يصمت الشعراءلاسباب كثيرة ، فتكون اصعب الف مرة من اي شيء صعب في زماننا هذا،اوكما قال المتنبي عن شعره بعد ان يذيع بين الناس:
أنام ملء جفوني عن شواردها …. ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
اما عندما يموت الشعراء الموت الحقيقي فتكون المسألة شائكة جدا ، وقد انتبه شعراء كثيرون الى هذه المسألة ، وتساءلوا من سيرثهم بعد مماتهم ؟ وقد اجاب احد الشعراء المعاصرين بقصيدة رثى بها نفسه .
قال المرحوم الشاعر رشيد مجيد في قصيدته (كان بالامس) :
((من سيبكيك في غد يا رشيد
يوم يحدو بك الفناء الاكيدُ
عندما يرحل النهار وتبدو وحشة
الليــــــــــل والمسوخ السود
وتدب الهوام فـي مستقر اطبق
الطين فـــــــــوقه والدود
واراني ، ولا ارى غـــــــير شلو غيبته
 عـــــــــن الحياة اللحود
من سيبكي الذي بكى مـــــن تناؤا
 ثم اغــفى وما وفاه القصيد
هجروه، انتهى، نسوا كــــل شيء
 الخليل الذي نأى لا يـــــــعود
كان بالامس ، وانطوى كـل شيء عمره
 والجفاف00. والتسهيد
فلمــن تهرق الدموع ويشدو
وتر الشعر ، والمـــراد بعيد ؟
انها ســـــــنة الحياة ستهوى
بالقدامــى ليستقر الجديـــد
شاعر مات وانتهى ، ثـــــم ماذا ؟
 كلنا ننتهي غــــــــــدا او نبيد

فلمـــــــــن يكتب الرثاء ، ويزرى
 بالقوافـي ويستباح النشيد
آه مـــــــــا اثقل الحياة  اذا ما لفظت
 عــــــمرها لديها العهود
فليكن آخــر المطاف سكون تتعرى
 بصمته يا “رشـــــــــــــــــيد”))

القصيدة لا تحتاج الى تفسير او تأويل ، انها مفتوحة امام المتلقي الذي سيجد فيها نفسه ، كما وجد الشاعر ” رشيد ” نفسه المرثية، وكما صرخ الشاعر عبد الهادي عباس بتلك القصيدة التي ترحم بها على الشعر وسأل سؤاله المحير.
فكان الشاعر :
((عند ثلاثة ارباع المحنة
دسّ يديه الى الجيب المثقوب
في اخرملحمة للسن المفقود
كتب النص ومات وحيدا)). – قصيدة الشاعر –
هكذا يموت الشعراء في زمن الفوضى ، فكانت وصيته :
((ان جف دمي
وتغير لوني
ارجوكم
من يبكيني
او من يرثيني
لا يهمل عشبة روحي عند الباب)). – قصيدة الوصية –
***
القضيةالثانية :
في بعض الاحيان ، وفي حالة الترتيب ، او التنظيم ، لاشياء تتطلب ذلك ،يغلب على عقلنا اللاواعي ، و تفكيرنا اللاارادي ، نوع من الترتيب المحفوظ في الذاكرة الجمعية لنا ولا ارادة مدركة به ، وهذا الترتيب هو الذي حصل عند الشاعر عبد الهادي عباس عندما وضع  قصائده في المجموعة ، ورتبها الواحدة بعد الاخرى ، وهو في هذا العمل اما ان يكون مدركا لما يفعله ، بحيث ان قصائده قد رتبت كما في المجموعة التي بين ايدينا وبادراك تام منه في وضعها حسب اسبقية اختارها هو .
 او ان يكون غير مدرك لما يفعل ، فجاءت قصائد المجموعة هكذا ، وكما وصلتنا ، وبهذا يكون الشاعر مسؤولا عن تنظيمها هذا مسؤولية تامة ، الا انه لم يكن مدركا لما يفعل وانما كان هناك دافع خفي دفعه الى ذلك ، و هذا الدافع هو ما ترسب في عقلنا اللاواعي ، و ذاكرتنا ، عن نوع من الاسبقيات لاسبابعديدة ، منها الاسبقيات العائلية ،ونحن في مجتمع بطرياركي ،  الاب ثم الام ، حيث ان التفكير الجمعي عندنا في العراق ، ولاسباب كثيرة اهمها خصائص مجتمعنا الشرقي ، والدين كذلك ، الذي يعطي للاب الاسبقية في التنظيم (ادعوهم لابائهم) ، الا ان كل الامور ذات الطابع الشعوري والحسي ، وكذلك الكشوفات العلمية ذات النهج النفسي ، تؤكد اسبقية الام على الاب ، لهذا نسأل ، ولاجل الدراسة ، لماذا وضع الشاعر قصيدته عن الام ” امي ” بعد ذكر قصيدته عن الاب ” صورة ابي “؟ هل في ذلك اسباب مدركة ومعلومة له ولنا ، ام لامر ما ، ( الا حاجة في نفس يعقوب)؟
ان الدارس يرى ، وكذلك عند الكثير من الشعراء ، تسيطرالامور التي تتحكم في المجتمع والعقلية الجمعية له في افكارهم ، وذاكرتهم اللاواعية،  ولما كان مجتمعنا كحال المجتمعات الشرقية والاسلامية خاصة ، هو مجتمع بطرياركي “ابوي” ، يتحكم فيه الاب لا الام ، فالشاعر عبد الهادي قد انجر لا اراديا ، ومن خلال تفكيره الجمعي ،الى ان يرتب قصائد مجموعته كما ذكرنا ، ويضع قصيدته عن الاب ” صورة ابي” قبل قصيدته عن الام ، قصيدة ” امي ” ، مع العلم ان مأساة الام ، ومهما عظمت مأساة الاب ، هي الاعظم ، وهذا ما تثيره قصيدة “صورة ابي ” ، وكذلك قصيدة ” امي “.
يقول الشاعر في قصيدة ” صورة ابي ” :
(( في صورته الاولى
كان ابي بنّي
اللون
في الثانية
ثلجيا كان
في الرابعة
اختلط اللونان
الازرق والاخضر
في الخامسة
كان رماديا
في السابعة
عند صلاة  الوحشة
لا ادري
ايّ الالوان ابي كان)).
في هذه القصيدة يتتبع الشاعر مراحل موت الاب من اول مرحلة ” صورته الاولى” حيث كان لونه “بنيا” ، الى المرحلة الاخيرة وهو في السابعة ، ولا يعرف اي لون قد صار .
يقول في اخر القصيدة :
((في السابعة
عند صلاة  الوحشة
لا ادري
ايّ الالوان ابي كان)).
و صلاة الوحشة تقام بعد موت الانسان ، اذ ضاعت الوان الابعند الوفاة.
وهنا يقف المتلقي حائرا في استقبال كلمة ” السابعة ” هل يقصد الساعة السابعة ، اي ساعة موت الاب ، ام انها سنوات عمرة السبعين ، اي العقد السابع ، العشرة السابعة من العمر؟
الا ان ابيه قد مات ، وماتت معه اناقته ،والصدق ، و الحكمة:
((من يملك صدق كلامه؟
ويجيء بتلك الحكمة
ويحيينا باناقته
ويفسر هذا الكد)) . – الى عباس –
اما في قصيدة ” امي ” فيقول :
(( فوق سرير من قلق وسعال
وعلى مقربة منها صور للاحباب
ثمة اسئلة للدار
لا تتعبها
سيحاصرها فقدان بنيها
وجع وحوار
..
احيانا تنأى من أجفان الليل
تتأمل  خيطا فضيا
مثلك في مضمار الخيل
..
هي ضوء وبريد
اذ يفصح عن سر فيها
يرتبك الحيل لديها
تسأله عن كل شقوق الوقت
تذبل غيمتها
يتورم وجه القدمين
ويعود سعال يرهقها
في اخر ساعات الويل
..
ومضات من نور تتبعها
وفراشات تحرسها
امي)).
اول ما يصادفنا في القصيدتين هو سبب الموت ، موت الاب المادي والكلي، وسبب سعال الام ، وتورم وجه القدمين عندها ، الموت الجزئيلها، الا انه موت مؤثر.
الاب مات حتف انفه ، اذ لا سبب يذكر ، الا ان الام اصيبت بأمراض نفسية مثل ” القلق ” و ” فقدان بنيها ” ، و امراض عضوية كثيرة اهمها ” السعال ” و ” تورم وجه القدمين ” الا انها تبقى شامخة كأي ام عراقية ،تتبعها هالة من نور ، والفراشات تحرسها وهي تزف ابناءها الى عرس المقابر شهداء ، كما سنرى ذلك في السطور القادمة .
***
القضيةالثالثة :
وللعراق والشهداء ( بالمفهوم الاسلامي) والالم الذي يعصر في النفوس و المؤدي الى الحزن عليهمقصة طويلة منذ آلاف السنين ، اذ ان كل من غرق ، او سقط عليه جدار ، او مات من الحب عشقا (المتصوفة كمثال)، او قتل في سبيل ماله وعرضة ودينه … الخ ، يعد شهيدا في الفكر الاسلامي “الجمعي “.
ينتفض شهداء الشاعر عبد الهادي بكل لياقتهم البدنية ، ويأتون للحرب باصراروهم على استعداد تام ، و هذا الاصرار في تكرار الشهادة هو ديدنهم ، فالشهادة ( الموت ) خط على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة كما يقول الحسين في المصادر التاريخية الشيعية .
في قصيدة ” اصرار ” ، يقول الشاعر :
((نهضالشهداء منتفضين
ليجيئوا بلياقتهم
للحرب القادمة
ويزيلوا
الثقب المرسوم على خوذتهم
قالتها امرأة
وهي تقبل جرحا في جيب السكين)).
وهكذا يرى الشاعر ان الشهادة مستمرة يقوم بها ابناء العراق على مدار التاريخ ، وقد حاول جلجامش ان يجد عشبة الخلود ليخلص البشرية من هذا الموت ، وهذه الشهادة ، الا انه فشل ، لان الالهة كما تقول الاسطورة احتفظت بالحياة لنفسها ، وكما قال القرآن (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) .
لم يبق من الشهيد الا رائحة ارض الوطن ، وخوذته المثقوبة :
((رائحة الارض
وخوذة رأس مثقوبة)).- خوذة –
***
القضيةالرابعة :
وتطول قائمة احزان الشاعر عبد الهادي في شعره ، فهو حفيد حضارات عراقية سادت ثم بادت كان الحزن شعارها ، ان كان ذلك في الغناء ، او الشعر ، و في الخطابة حتى.
الشاعر يتساءل عن بيت قد كان واختفى ، وبالتأكيد اختفى اهله معه ، ضربه صاروخ معادي ،اذ لازال العراق ساحة ميدان للحرب ، كما ضرب بيت الفنانة ليلىالعطار ، وكذلك الاف البيوت العراقية ، او تهدم على ساكنيه بفعل انفجار احدى السيارات المفخخة التي تحدث كل يوم في العراق .
يقول الشاعر عبد الهادي في قصيدة ” البيت ” :
((بيتٌ  ثملٌ
وحديقته الوان شتى
وعصافير
كان الطفل يرسم تفاحته
والقطة
بمهارتها تز هو بالر قص هناك
بيت  يحلم بالمطر الابيض
والاشجار
بيت  يملك بابا من ازهار
وحمامات تحرسه
بيتٌ كان هنا
اين هو الان?)).
ونحن نتساءل كذلك : اين هذا البيت الذي كان عامرا بحيوات انسانية كثيرة ؟ لقد ذهبت به قنابل و صواريخ الاحتلال ،ومفخخات داعش ومن لف لفهم من احزاب السياسة العراقية المتنافسة ممن لبس ثوب الدين ( لحية وعمامة ومسبحة ) والدين منهم براء.
***
القضيةالخامسة :
بعد هذا الحزن على الشعراء ، والاب والام  ، والشهداء ، والبيت ، يحق لنا التساؤل عن سبب هذا الدمار الذي حل بالعراق فدفع اهله ثمنا في سبيل البقاء عليه شامخا موحدا ، الا ان الخيانة عند البعض ممن جاؤوا بعد عام 2003 قد ضربت اطنابها في نفوسهم ، فأحالتها الى نارة مجوسية متأججة ضد تاريخ وحضارة العراق وشعبه.
يقول الشاعر في قصيدة ” قصائد قصار” :
(( لم يكتفوا بالخيانة
علقوها على شرفات منازلهم
ومسحوا السكين بمؤخراتهم
ثم تعاونوا بغلق فم  الوردة
وترنحوا مبتهجين
ترويجا للفتنة)).
لقد اصبح مزاد الخيانة صارخا وكأنه سوق الهرج ، كل يصيح على بضاعته والحضور يزايدون على سعرها ، ومن يعطي اكثر يأخذ الجمل بما حمل ، هذه هي الخيانة ، فزادت الفتنة فتنة على فتنتها (اللعنة على من ايقضها).
***
القضيةالسادسة :
ما دامت الخيانة قد ازدادت فتنة على فتنتها فلا سبيل للتزوير ان يزول ، او يصمت القائمون به، فقد وجد طريقه الى حياتنا اليومية ، فزوروا كل شيء ، بعد ان بدلوا الاسماءحتلى ، وزوروا التاريخ .
يقول في قصيدة ” تزوير ” :
(( نحن ابتدأنا دربنا
وبعدما شاخت أمانينا
وحل ماحل بنا
استبدلوا اسماءنا
وزوروا التأريخ)).
***
لقد كان الشاعر عبد الهادي عباس مدركا تماما لما يدور في وطنه من امور ،فهو الشاعر الذي يعرف هموم الشعراء ، وهو العراقي الذي يعرف هموم العراقيين والشهداء، والوطني الذييعرف الخيانة كيف تكون ، انه رأى كل شيء كما تقول ملحمة جلجامش فغنت مجموعته الشعرية ” … اوهكذاهيالعاصفة” له ولوطنه العراق ، الا انه مازال يحلم بعراق واحد موحد، عصي على الاعداء والخونة ، لان عشبة الذاكرة – على اقل تقدير – ما زالت في يده لم يتركها للحية كي تأخذها وتهرب بها ، كما حدث لجده جلجامش :
(( لا احزمة ناسفة
لا غدارات
لا اقنعة سود
لا اسيجة
لا حشرات ضارة
لا اسلاك
لا عاجل
لا صفارة انذار
العطر هناك على القمصان
والوقت يسير بلا عكازات
وبلا فوضى
الناس هناك فراشات
أوَ نبتلُ بثغر الماء?)). – عشبة الذاكرة –
ان الشاعر عبد الهادي عباس في مجموعته ( …  او هكذا هي العاصفة ) كان عراقيا في ادواته الفكرية ، وشاعرا متمكناً في ادواته التعبيرية ، فقدم لنا مثالا للشاعر الوطني المحب لوطنه ، والمدرك تماما بما حل به من نكبات ،و ويلات، ومآسي ،فراحت قصائده تتغنى بالم وحسرة الحزين بكل ذلك ، كما كان جده جلجامش الذي رآى كل شيء فغنت بلاده بذكره ، إذ اصبح الشاعر كواضع الملحمة التي  قدمت سيرة حياة جلجامش ، فيما كانت هذه المجموعة الشعرية قد قدمت بعض من سيرة حياة العراق بآلامه واحزانه التاريخية .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان