فنون

الشاعر والكاتب الصحفي أحمد الصائغ: لأوراقي دموع بطعم اليتم المبكر العراق سيستعيد عافيته ذات فرح

حاورته / آمنة وناس

  

* مرحبا بك سيدي.

– مرحبا بك وشكرا على أناقة حروفكِ التي تقدمت هذا الحوار، أتمنى أن تجدين والقارئ الكريم ما يثير اهتمامكم في رحلتي معكم من خلال سطور هذا الحوار.

* عندما يغفو حرف الشاعر “أحمد الصائغ” في جوف الإنسان “أحمد الصائغ”، ما المعاني التي تستأذن قلمه لترفرف على سطح الورق عابرة نحو أعماق القارئ؟

– بدايةً لنتفق بأني لست شاعراً بمعنى كاتب القصيدة وفق معاييرها الفنية، ولكني شاعر بالحب الذي أعيشه ويرافقني في كل حالاتي، شاعرٌ بما يحيط بي من حالات إنسانية وجمالية، فلن تكون للحرف إغفاءة إلا على سطح الورق ليرسم براكين من المشاعر بفرشاة الحقيقة لتصل إلى القارئ بدفء صدقها، فانا استحضر الحرف في كل دقائق حياتي ليكون رفيقا ولصيقا، أتنفس من خلاله كل حالات الجمال التي تحيط بي، وحتى الحزن فهو أيضا يراقص الحرف، ليمطر معاني إنسانية وجمالية،  فنسيج الحروف التي تتشكل منها همساتي هي بوابتي للوصول إلى أعماق القارئ. 

* عندما نستنشق حرف الشاعر “أحمد الصائغ”، أين تأخذنا هذه الأريجة؟

– إلى مدن الورد التي اكتب من خلالها همساتي، إلى مرافئ بعيدة حيث الحبيبة التي تفرش للعاشق رمال الشوق على سواحل الانتظار، وتأخذني أيضا إلى أعماق الروح لأجد من خلالها ذاتي.

 

* عندما يجوب الحرف أعماق الإنسان “أحمد الصائغ”، ما مواصفات المنحوتة التي يضعها أمامنا فتتلمّس فينا شراكة النفس و الذات؟

– ليس لها مواصفات أو ملامح واضحة، إنها مزيج من الواقعية والخيال التي ارسمها بلون عينيها، ومزيج من أمواج البحر وزرقة السماء بطعم الصباح ، فهي التي توجه بوصلة الحرف باتجاه حدائقها لتسقيها من ندى المعاني.

 

* “يتساقط الحزن من عينيها، ليفترش أوراقي”، كيف هي دموع أوراقك؟

– لأوراقي دموع بطعم اليتم المبكر، الفقد الأول، الصدمة الأولى، الخسارات المتعاقبة، فهي أمطار حزن موروث يتناسل مع الذات منذ الخليقة الأولى.

 

* متى يقول الإنسان “أحمد الصائغ” ترتاح أيامي على جبينك أيها الأمل المبشر بصباح جديد؟

– أقسم باني قلتها ذات لقاء على حافة الفرح، صرخت بها وأنا أتمدد بانتظار الفجر على شاطئ الحلم، كان صدر الأرض اقرب لي من نفسي وأنا أضع رأسي المتعب من هموم الوطن والغربة لأتلمس الدفء الذي يمنحني القوة كي أحيا من جديد وسط أمواج تأخذنا إلى أعماق الغيب وتعود بنا غرباء حتى ان أنفسنا.

* “على بعد مسارات الدمع يسكنني الوطن في منفاي”، ما هو زاد الغربة في محاورتها للعراقي “أحمد الصائغ” حول شغف الروح بالوطن؟

– مازالت الروح هناك تعيش في أزفة الوطن وحاراتها، تشارك أطفال بلدي الذين لا يجدون مأوى غير ضمير الإنسانية اليت نفقدها في زمننا الأغبر، فانا في المنفى جسد بارد يجيد أداء الدور الحياتي ويتفاعل مع المجتمع بحكم السكن وليس بواقع الانتماء الذي لا أجد بديلا عن حاراتنا التي ما زلت أشم عطر بيوتها العتيقة، فانا مجنون بحب الوطن وعاشق ابدي لترابه رغم كل الويلات التي مر به فسيبقى بعيوني هو الأجمل.

 

*يقول الشاعر العراقي “محمد مهدي الجواهري” “سهرت و طال شوقي للعراق، و هل يدنو بعيد باشتياق”، فهل يدنو بعيد باشتياق؟

– رحم الله الجواهري، فهو كان يتمنى أن يغتسل من دجلة الخير قبل أن يغمض عينيه غريبا وفي روحه غصه اسمها العراق، فانا مع قول الجواهري الكبير فالشوق لا يدنو  البعيد إن كان بعيدا، ولكن بالنسبة لي قد أرى الأمر من منظار آخر، فأقول بأن العراق ليس بالبعيد عني، فهو يسكنني و أنا أعيشه حلما وواقعاً، أعيشه في صلواتي وخلواتي، في خوفي وقلقي ، في نجاحاتي وانكساراتي، وأعيشه بكل تفاصيل يومياتي منذ ساعات الصباح إلى آخر النهار، حتى عند اغفاءتي أشعر بدفء أحضانه. 

*مازالت ذاكرتك أيها المكان تمتحن اشتياقي، إلى أين مع الذاكرة و روائح المكان؟

– لكل مكان ذكرى أحمل عطرها في قارورة الروح، فأول الأمكنة تلك التي حبوت فيها طفلا، وتلك التي تذوقت بها يتمي المبكر، وتلك التي منحتني دهشة الحب الأول، وتلك التي تتلمذت فيها ونهلت من غدير المعرفة، وكسبت من خلالها عشرات الأصدقاء ، وتلك التي أغرقتها بدموعي وأنا أسير في جنازة الحبيب الأول، وتلك التي فقدت بها رائحة الجنة والدتي.

 

* عودة الطيور لأعشاشها، بين الرحيل و العودة، إلى أين تأخذ العراقي “أحمد الصائغ” عبر طريق الابتعاد و الاقتراب؟

– لابد للطيور المهاجرة وان طال بها السفر من عودة إلى أوطانها، ومهما استطاعت الأسماك صمودا في البقاء على الساحل فإنها ستعود إلى البحر كي تنعم بالحياة، روحي سمكة تسكن أعماق الوطن، وأنا في توق شديد لان يعود الجسد ليعانق الروح تحت خيمة الوطن.

* “العراق دمعة حائرة بعين الزمان”، كيف يلامس العراقي “أحمد الصائغ” هذه الدمعة ليمسح عن ملامحها وهج الألم؟

–  أقولها بحزن وألم مر، الكل شارك في صناعة هذه الدمعة، ومنهم من زاد عليها لتصبح انهار دمع، ولكن وأنا على يقين بان العراق سيستعيد عافيته ذات فرح، يعم جميع بلادنا العربية لننعم بالحب ونشم عطر الكرامة الذي غادر بلداننا للأسف بعد أن اعتدنا ومنذ فترة طويلة أن نشم رائحة الخيانة والتخاذل.

* اقطفيني يا زهرة الحلم، علّني أصير ثمارا لشجيرات خضر، هل يمكن للحالم “أحمد الصائغ” أن يرافق هذه الابتسامة؟

– الابتسامة هي التي رافقتني منذ أن التقيتها ذات شوق في حدائق الحلم محلقاً في سمائها الصافية، نؤدي معا رقصة السعادة الأبدية على أنغام أنفاسها التي ملأت كياني حباً وانتعاشاَ ورغبة للوصول إلى غدير قلبها الذي مازال عذبا كصباحات روحي حين ارتشف رغوة حروفها التي تختصر كل مسارات حياتي التي كنت اعرف بأنها ستؤدي إلى حدائقها لتمنحني طعماً أجمل الحياة وأنا اغفوا بين شفتيها فاكهة من أعناب وتين وحب.

 

* من بين خلجات الروح تسلّل حلم، و إلى الإرادة العتيدة تكلّم، فاستمع الواقع و لكليهما استسلم، ليخرج ” النور”  ليحيي و يسلّم، كيف حافظ هذا الحلم على توازنه في مصاحبته للواقع؟

– هو حلم قديم حديث بأن نتسلل إلى قلوب الناس ونزرع فيها بذور الحب والجمال، راودني هذا الحلم وأنا أتابع حجم الكارثة التي حلت بنا وبثقافتنا الأحادية التي باتت لم تتقبل الآخر حتى أصبحنا فرقا ومجاميع متحاربة على الواقع الافتراضي الذي انعكس على واقعنا سلبا بدلا أن يكون هذا الانفتاح الافتراضي هو حالة ايجابية يزيدنا تقاربا وتفهما واندماجا، فكانت ذروتها عام 2005 حيث بدأ السباب والعراك بشكل لافت للنظر، فحاولنا أن نطلق صرخة لنوقظ الجانب الجمالي في الروح لدى المتحاربين، لنقول بان الحرف لابد أن يجمعنا على مائدة الحب، فكان النور الذي استطاع أن يضم تحت خيمته سبعة آلاف كاتب وكاتبة من جميع بلادنا العربية باختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية والعقائدية، لنكون بيتا واحدا ينعم بالحب والإبداع وهو جسر محبة بين شرق بلادنا العربية وغربها، ومازالت الوسطية والحيادية هي نهجنا الثابت بالتعامل مع النصوص والتعليقات التي ترد إلينا، وهذا ما جعلنا نستمر وبقوة رغم غزوة شبكات التواصل الاجتماعي وانصراف اغلب جمهور المثقفين إلى هناك، لكن بقي موقع النور الالكتروني يحافظ على جمهوره وعدد قراءاته المتزايدة.

* بأي لغة يكلم الإبداع الشاعر و الكاتب الصحفي “أحمد الصائغ” و كيف تتواصل معه، بين زرع و حصاد؟

–  بلغة القلب التي هي الأصدق ولأبلغ، أسجل همساتي كلما هاجت في الروح حاجة، فأنثر بذور الحرف في مساحات الإبداع واستمطر غيمة المعاني وأنا أسعى لولادة نص جديد من رحم الموقف، لأنعم بحصاد يشعرني بالرضا ويمنحها الفرح.

*”احمد الصائغ … عراقي أطلق صرخته الأولى بوجه العالم عام 1962 في مدينة الكوفة، هذه المدينة الغافية على نهر الفرات، تنفس بها الحب والطيبة والوفاء”، أين يترجّل الإنسان “أحمد الصائغ” بين الحب و الطيبة و الوفاء؟

– الكوفة… المدينة الأقرب إلى الله، في بيوتاتها، ناسها، جوامعها، أسواقها، النهر الذي يمر عبر أطرافها بهدوء، في هذه المدينة التي أنجبت كبار الأدباء والشعراء وشخصيات الفكر والعلم ، حيث ولدت أنا من عائلة بسيطة، أرضعتني الحب والجمال حتى لازمني هذا الحب الكبير ليمتد إلى كل ما أراه حولي من خلال الموروث الكبير الذي خلفته لي المدينة والعائلة. فانا زرت عواصم ومدن عربية وأوربية عديدة، ووقفت على نهر السين، والدانوب والراين ولكني لم أجد روحي إلا في نهر الكوفة تغتسل كلما ضاق بها الهم وغلفها غبار الحزن لتستعيد طفولتها التي أسعى للبحث عنها.

  

* “من حزن المساء ضمّدت الجراح”، عندما يعبر المساء، الشاعر “أحمد الصائغ”، ما هي شمائل العلاقة التي يولّدها اختلاطهما؟

– الحزن هو حالة إنسانية كبرى يعيشها كل منا بدرجات وأسباب مختلفة، حتى قد يكون أحيانا هو الصديق الدائم والأبدي، ولكن هناك علاقة غريبة بين المساء والحزن، فالمساءات هي التي ترتل أحزاننا دوما في محراب الذكرى، فتزيدها توهجاً واستحضاراً لجراحاتنا المتتالية لتكون لها بلسما يخفف عن حجم الصدمة بانهار الحزن الذي يتسلل إلى داخلنا وهو يضمد تلك الجراحات برباط الزمن.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان