حوار /السيد الزرقاني
*نريد تعريف القارئ العربي بحضرتك ؟
– إيمان الزيات، أديبة وناقدة وباحثة اجتماعية، عضو مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، لي خمس مجموعات قصصية، ثلاث منها مجموعات مشتركة، واثنتان من المجموعات الخاصة واحدة بعنوان( يمر على روحي كدهر)، والأخرى (إيقاعات من جرانيت) من مطبوعات الهيئة العامة للكتاب، ولي كتاب نقدي بعنوان (البوليفونية في الكتابات السردية) تم نشره بعد فوزه في مسابقة فرع ثقافة الإسكندرية عام 2017، ونوفيلا بعنوان (الرجل الذي ليس على مايرام) منشورة إليكترونياً، وديوان باللغة العامية بعنوان (كتابة بطعم الأسر) مطبوع بطريقة برايل، حصلت على المركز الثاني في القصة القصيرة على مستوى الجمهورية في مسابقة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة (أكتوبر انتصار شعب) عام 2017، فزت في مسابقة وزارة الشباب والرياضة في القصة القصيرة عام 2000، وفزت بمسابقة اقليم غرب ووسط الدلتا فرع القصة القصيرة عام 2017، وتم تكريمي من قبل مكتبة الإسكندرية على مشاركتي في انجاح نشاط معرض الإسكندرية 2017 بإدارة واحدة من أكبر الأمسيات القصصية والفنية المنعقدة ضمن فاعليات المعرض، كما كرمتني مجموعة من الهيئات والمؤسسات، شاركت في العديد من المؤتمرات كمؤتمر اليوم الواحد بالإسكندرية عام 2016، المؤتمرالرابع لأدب الطفل بالإسكندرية عام 2017، ولي مجموعة من الدراسات النقدية والأعمال الإبداعية المنشورة في العديد من المجلات والجرائد المصرية والعربية والمواقع الإليكترونية
*لكل مبدع تجربة في الكتابة هل لنا ان تروي لنا تجربتك واهم الشخصيات التي تأثرت بها ؟؟
– على المستوى الشخصي تأثرت بداية بوالدتي السيدة (زينب حلمي) وهي موظفة شؤون قانونية بالتربية والتعليم على المعاش حالياً، تعشق القراءة وتكتب الخواطر الرقيقة، وقد أصلت بداخلي حب الكتابة والشغف بها فور ملاحظتها لموهبتي المبكرة في كتابة الشعر، والقصة القصيرة، أذكر أنني قد أنهيت بفضلها معظم مؤلفات (شكسبير، ديستوفيسكي، نجيب محفوظ، والعقاد) وأنا مازلت بالمرحلة الإعدادية، كتبت ديواني الأول في المرحلة الثانوية، ومجموعتي القصصية الأولى بعد تخرجي وشاركت في أول كتاب مجمع لي عام 2000، قرأ أعمالي الروائي الراحل الأستاذ (أنور جعفر) رحمه الله وتنبأ لي بمستقبل مميز في عالم الإبداع، وعلى المستوى الإبداعي لفتني أسلوب ديستوفيسكي الروائي وتأثرت به كثيراً فقد كان سابقاً لعصره، أما في مجال النقد أعتبر (ميخائيل باختين) معلمي الأول.
*يقول البعض بأن الحركة الثقافية الان اصبحت خارج سيطرة مؤسسات الدولة من حيث الاتجاهات والنشر ما مدى صحة تلك الرؤية؟
– أعترف أن الحركة الثقافية خارج نطاق مؤسسات الدولة أكثر مرونة وفاعلية، لأنها تخدم المبدع بالمقام الأول فتعرِّف به وبإنتاجه الإبداعي بطريقة جيدة، كما تساعده على تطوير نفسه بالمناقشات النقدية الجادة، وأعتقد أن مؤسسات الدولة الثقافية قد بدأت مؤخراً في ممارسة حراك ملحوظ كمحاولة منها للحاق بما فوتته مسبقاً، ولكن مشكلة المؤسسات الثقافية التابعة للدولة هي التزامها بجدول مهام ملزم ومعد مسبقاً، يجبر المبدعين على التحرك في فلكه والذي يكون تابعاً لتوجهات الدولة وطريقة ترتيبها للأولويات، وذلك بعكس بعض الأماكن الأخرى التى تعمل وفق مبدأ مصلحة المبدع وتكون الأولوية لديها للإبداع، أما عن النشر المؤسسي فمازال يحتل مكانة شرعية ويحظي بشغف كل من يتمنى أن تُقدر الدولة إبداعه وتنشره في مؤسساتها وعلى نفقتها بدلاً من المهازل التي يتعرض لها الكتاب من دور النشر الخاصة، ولقد شهد النشر التابع للدولة مؤخراً حراكاً جيداً بفضل مجموعة سلاسل النشر التابعة للهيئة العامة للكتاب ومنها لمن هم تحت الأربعين و لمن هم فوق هذا السن، فضلاً عن النشر الإقليمي، وهيئة قصور الثقافة، وهذا أمر أضاف للنشر التابع للدولة روحاً فعالة وإيجابية بعض الشيء.
*بالأمس كانت القاهرة “مصر” تقود حركة الثقافة في المنطقة العربية وتراجعت الان لصالح مناطق اخرى فما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟
– لا يمكننا القول بأن هناك بلداً بعينها تقود حركة الثقافة بالمنطقة العربية بدلاً من القاهرة؛ فمازال للقاهرة سحرها وجاذبيتها وبريقها الذي ربما خفت بفعل ما مرت به البلاد من تغيرات سياسية وثورية وما تواجهه من تحديات إقتصادية صعبة بعكس الكثير من الدول التى اهتمت مؤخراً بدعم الثقافة كدولة (الإمارات العربية)على سبيل المثال التي أحرزت تقدماً ملحوظاً في جميع جوانب حياتها لاسيما الجانب الثقافي فتجربتها مميزة وجهودها لدعم الثقافة والترجمة ملحوظة جداً، ولكن مازالت القاهرة غنية ورائدة بمبدعيها ونقادها الذين تجلهم تلك الدول وتثمن وجودهم.
*انتقلت في حياتك بين أماكن متعددة داخل مصر وخارجها أي الاماكن كان أكثر تاثيرا في حياتك ولماذا؟
– منطقة (بحري) بالإسكندرية من أشد المناطق حميمية وتأثيراً في كل من يرتادها بصفة عامة فهي منطقة تجمع بين الأصالة والحداثة تستطيع أن تجد فيها كل أنواع المتع مهما كانت ميولك واهتماماتك، ففيها المزارات التاريخية، وأهم مساجد الإسكندرية، ومظاهر حياة الصيادين القديمة، والميناء، ولقد أثرت في العديد من الكتاب وظهرت بحضورها البهي في كتاباتهم الروائية كثلاثية المبدع الكبير (محمد جبريل)، ورواية (يهود الإسكندرية) للمبدع الكبير(مصطفي نصر)، ولقد كتبت عنها أيضاً في روايتي الأولى (مينوراه).
*في ظل هذا التغلغل الواضح للفكر التكفيري يظهر مدى التراجع الكبير لدور وزارة الثقافة ، ماهو رايك بتلك الظاهرة ؟
– هذا التغلل الفج هو نتاج مجموعة من العوامل المشتركة التى خلقت بغيابها أو بتخاذلها في أداء واجباتها وعدم الالتفات المسبق للكوادر الواعية بها، كل ذلك خلق ما يشبه الهوة التي احتلها هذا الفكر المتطرف، لذلك ولكي نكون منصفين لا يمكننا أن نحمل وزارة الثقافة الوزر كاملاً وإن كانت ضلعاً أساسياً في ظهور تلك الأزمة بجانب المؤسسات الدينية، والمجتمعية (كالأسرة)، وأعتقد أنه من الواجب على جميع مؤسسات الدولة أن تراجع حساباتها وتعدل خطط مسارها في أسرع وقت ممكن.
*للإعلام دور مؤثر على الحركة الثقافية في المجتمع كيف ترصدين هذا التاثير ؟؟
– للإعلام قوة تأثير هائلة على المتلقي فهو الذي يروج للعمل سلباً وإيجاباً، ويستطيع أن يوجه جمهور القراء في الاتجاهين المتعاكسين مع أو ضد فله سلطة عليا لابد على من يمتلكها أن يتصف بالحيادية والعدل والوعي والنزاهة، وأن يكون مطلعاً على مجريات الأمور من أكثر من زاوية، وإذا تحمس الإعلام لعمل ما فإنه يستطيع أن يجعله يتخطى حدود المكان ويصل به لأكبر عدد ممكن من الجمهور، ونستطيع أن نرصد ذلك بسهولة في التقاط بعض الأعمال الإبداعية واجتذابها للسينما كرواية (الفيل الأزرق) على سبيل المثال، فقد حققت بعد عرضها شهرة وارتفعت معدلات الرغبة في اقتنائها ورقياً وقراءتها، وسلسلة أفلام (هاري بوتر) التي روجت للرواية المكتوبة أيضاً وجعلتها تصل للعالم كله.
*يؤكد كثير من المفكرين ان تراجع مستوى التعليم هو الأكثر تأثيرا على الوضع الثقافي في الوقت الراهن هل توافقينهم في ذلك ؟؟
– بلاشك فمناهج التعليم التلقينية التي تحث الطالب على الحفظ لا الفهم، تخلق جيلاً بليداً لا يستطيع الابتكار أو التجديد يحمل ثقافة مغلوطة نشاهدها ونصطدم بها يومياً في المحافل الثقافية، فالمناهج التعليمية في حاجة لثورة حقيقية، ربما لو شارك المثقفون وعلماء النفس الكوادر العلمية في وضع تلك المناهج وكيفية صياغتها سيكون الأمر مختلفاً، ليتولى الكادر العلمي المادة العلمية ، وأطباء النفس يقدمون رؤيتهم عن كيفية تقديم تلك المادة للطالب بأيسر طريقة وأكثرها فاعلية، كما أن الجانب العملي المهمل بالمناهج يمكنه أن يصنع المعجزات إذا تم تفعيله ونقله من الهامش.
*عملية النشر اصبحت تشكل ازمة حقيقية في تشكيل وجدان المتلقي كيف ترين تلك الإشكالية ؟؟
– وجدان المتلقي أصبح مصطلحاً مطاطياً فضفاضاً يعتمد على وسيلة النشر الأكثر تأثيراً في وجدانه بغض النظر عن الموضوع؛ فالمتلقي الآن صار يتفاعل مع النشر الرقمي بشكل ملحوظ وذلك نتيجة لتعاملة اليومي والمباشر والمتكرر مع هذا النمط والذي يمكن بث ملايين الأفكار والموضوعات المؤثرة بشكل مباشر في وجدان المتلقي وحالته الإنفعالية بضغطة زر وفي جزء من الثانية لا أكثر، والإشكالية الحقيقية تكمن في عدم وجود قوانين وضوابط لمثل هذا النوع أو عدم تفعيلها بشكل ملموس ورادع.
*غياب النقد الحقيقي كان له اكبر الاثر في تدني مستوى الابداع كيف ترصدين ذلك ؟؟
– النقد العربي بصفة عامة يعاني من إشكالية المصطلح الذي نصيغ من خلاله النظريات فجميع مصطلحات النقد مستوردة ومعربة بأكثر من طريقة جعلت هناك تبايناً في طريقة تطبيقها وفق المفهوم الذي وصل للناقد، كما أن هناك فئة من النقاد تهوى تأطير العمل وقولبته داخل قالب نظرية ما فإما يمثلها العمل فيكون ناجحاً أو لا يمثلها فيكون فاشلاً وهي طريقة تبخس الكتاب حقهم وتدفع البعض للكتابة الحذرة التى يراقب فيها الكاتب قلمه في كل جملة، والبعض الآخر ابتعد تماماً عن الكتابة بعد تحطم أحلامه على صخرة النقد المتعسف ومعظمهم للأسف من الأقلام الشابة المبتدئة، نحن في حاجة لاعادة بناء منظومة النقد العربية بصياغة نظرية ومصطلح مستجلب من لغتنا الثرية والمحددة والواضحة، وفي حاجة لاكتساب ثقافة التعامل مع النص واستنطاق جمالياته وفنياته لا مدى ملاءمته وتماهيه مع نظرية ما.
*هل أثرت وسائل الاتصال الحديثة على ثقافة المواطن البسيط ؟
– نعم وبشكل كبير؛ فقد خلقت مواطناً استهلاكياً من الدرجة الأولى، متكاسلاً يعتمد في ثقافته على الغير ففى السابق كنا ننزل لنشتري الكتب ونبحث عن المعلومة والمادة التي نريد القراءة فيها وتثقيف أنفسنا بها أما الآن فإن المواطن البسيط أصبح يكتفي بجمع معلومات وثقافات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعى من مختلف الشرائح والتي لا يستطيع التفريق معها بين الحقيقي والزائف، والداهش أنه يصدق كل ما يقرأ بل ويروج له أيضاً.
*اطلق البعض اننا في زمن الرواية هل تؤيدين ذلك ؟
– الحقيقة أنها نبوءة (باختين) التي أراها تتحقق فهوالذي قال:
(وحدها الرواية من بين جميع الأجناس الأدبية الأخرى ستبقى بلا قانون)، ولأن الرواية مرنة وفي سيرورة دائمة تتشكل وتتلون بلون مفردات العصر ولغته وتحمل العديد من وجهات النظر والإيدولجيات المتباينة على ألسنة شخوصها والتي من الصعب أن يظهرها جنس أدبي آخر بنفس مقدرة الرواية على ذلك، كما أنها تستطيع أن تستوعب جميع الأجناس الأدبية الكبرى والصغرى فهي الأكثر ملاءمة لهذا العصر، فلديها من القدرة التعبيرية والميزات الفنية والأسلوبية ما يمكنها من التحدث بلسان الجميع.
ولكن ستظل جميع الأجناس الأدبية الأخرى أدوات على طاولة المبدع في كل زمان ومكان يلتقط منها ما يناسب موضوعه وفكرته وأطروحاته.
*نرى صورا متابينة من الابداع في مصر والوطن العربي ما تقييمك كـ ناقدة لذلك ؟؟
– في الحقيقة إنني كتبت في العام الماضي العديد من الدراسات النقدية وقمت بمناقشة نصوص إبداعية متنوعة ما بين (قصة وامضة، قصة قصيرة، رواية، شعر، مسرح، أدب الطفل) في مصر وفي الوطن العربي وما لاحظته أن هناك اتجاهاً لافتاً نحو التجديد في الشكل والأسلوب في جميع الصور الإبداعية على الرغم من تباينها وربما يكون هذا قد سبب اشكالية للنقاد نظراً لخروج الكتاب عن المألوف وانتشار الكتابات البينية التى لا تستطيع تصنيفها تصنيفاً خالصاً كشعر أو قصة أو رواية الأمر الذي دفع بالناقد الحاذق للتعامل مع (النص) دون تجنيسه.
* لنا تراث كبير في حوزة الدولة كيف يمكن للأجيال الجديدة ان تقرأ هذا التراث بسهولة ؟؟
– باعادة احيائه وتجديده فالنبع الراكد يجف، أما المتجدد بالتذكير واعادة النشر واقامة الندوات والمؤتمرات التي تدرس وتعرض جمالياته وتوضح أهميته وأثره؛ فذلك نبع لن يجف أبداً بل سيروي كل الأجيال.
*كيف رصدت تجربة مشروع القراءة للجميع الذي كان يمثل رافدا من روافد الثقافة للجيل الجديد ؟
– أعتقد أن هذا المشروع قد خدم شريحة كبيرة من القراء والمبدعين على حد سواء، فقد كانت تطبع الموسوعات وأمهات الكتب وتطرح بأسعار مخفضة كما أن المكتبات كان تحوي مختلف المطبوعات، وهو من الأشياء التي لا يمكننا إلا أن نتحدث عنها بشكل إيجابي وبغض النظر عن الغاية فإن الوسيلة كانت نافعة.
*يتحدث المسؤولون دائما عن تجديد الخطاب الديني برأيك كيف يمكن تحقيق ذلك لمواجهة التيارات التكفيرية ؟؟
– (الوسطية) هي ما يجب أن نعول عليه في هذا الصدد، أيضاً الشرح الوافي والسليم لآيات القرآن دون اقتصاص لبعضها عن السياق الأمر الذي يجعل التفسير لها غير صحيح فالقرآن قائم على الوصل ترتبط آياته ببعضها البعض بشكل وثيق، كما أن أسباب النزول من الأمور التي يجب معرفتها. وينبغي التركيز على الأحاديث التي تبين كيفية معاملة المسلمين الأوائل للآخر والحث على البناء والحياة والعمل والانتاج والمشاركة.
*لكم الكثير من الاراء حول ما يبدعه الشباب في الوقت الراهن هل لنا ان نعرف تلك الاراء مع ذكر نماذج ؟؟
– بعضهم ربما أعجبه كلمة (كاتب) فقرر أن ينفق مصروف جيبه على طباعة بعض الكتب الخاوية من الإبداع الحقيقي، والبعض الآخر جاءت كتاباته صادقة ومبتكرة ومعبرة عن مخاوفه وأحلامه أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر( دينا نبيل، دعاء عثمان، إيمان الشيمي، محمد رجب، محمد زويل الذي يكتب رواياته بشكل فانتازي في عالم الخيال العلمي) وغيرهم من الأقلام المائزة.
*لكل كاتب أيدلوجية هل لنا ان نتعرف على أيدلوجية حضرتك ؟؟
– لا يمكنني التفكير في ايدولجية ما دون أن يكون الإنسان هو محورها، فحقيقة يشغلني الإنسان كثيراً وتدور جميع أفكاري حوله وذلك ربما لأنه وحدة المجتمع الأولية وحلقة من حلقات السلسة الاجتماعية المتمثلة في (الإنسان، الأسرة، المجتمع ) ربما أفهم المجتمع وأنفعه إذا فهمت الإنسان ونفعته هذا ما أفكر فيه وأكتب من أجله.
*رسالة الى الشباب.. يا ترى كيف ستكون؟
– رسالتي لهم أن يكونوا مبتكرين لا مقلدين، متمسكين بأصولهم كي لا يتم اجتثاثهم من فوق الأرض ويهيموا بلا جذور، وأن يبحثوا عن الدهشة ويقوموا بصياغة الحلول والمقترحات الجادة في مشكلات المجتمع، وألا يتغافلوا في كل ذلك عن خبرة الكبار.









