وجدان عبدالعزيز
لايساورني الشك بان الشعر نبوءة، وان الشعراء يتنبؤون بامور ستحدث لاحقا، وهذا دليل على ان النص الشعري المكتوب تربطه صلات بوعي الشاعر ورؤيته المستقبلية، وقد يقع الحادث في زمن الشاعر، او يحدث لاحقا، وقد توصّل الباحث طلال المير في كتابه (النبوءة في الشعر العربي الحديث) إلى أنّ الإنسان البدائي لا يزالَ يُقيم في داخل الإنسان المتحضّر باحثاً عن الرعاية والأمان والعمل الخارق، فكان الشعر، وكانت النبوءة، وهما صدى للنشاط المكبوت في الفكر والإرادة، كما رأى أن للشعر بصمات نبويّة حاول أن يوضحها بردم الهوّة ما بين الشعراء والأنبياء، منطلقاً من أنّ العلماء ورثةُ الأنبياء، متسائلاً عن دور الشعراء في هذا المضمار، فكثيرٌ منهم أثروا أزمنتهم ومجتمعاتهم بمعارف كونيّة أبعد أثراً مما توصل إليه العلماء، لذا اجد ان الظاهرتية اندفعت (لدراسة أنواع الخبرة الإنسانية كالتصورات، الفكر، الذاكرة، التخيل، الشعور، الرغبة، التعبير، التطلع، مما دفع الفلاسفة ليطلقوا عليها اسم “فلسفة العقل” وربما لهذا السبب يرى بعض المتخصصين أن الظاهراتية التي جاءت لتعلي شان الذات وتجعل النص مرهونا بالقصدية إنما جاءت كرد على البنيوية التي عزلت الذات عن النص واستقلت به، أو بسبب اعتراف “هوسرل” نفسه بقوله: “إن المعرفة الحقيقية للعالم لا تتأتى بمحاولة تحليل الأشياء كما هي خارج الذات، وإنما بتحليل الذات نفسها، وهي تقوم بالتعرف على العالم أي بتحليل الوعي”، لكن مع هذا وذاك نجد الظاهراتية حينما تتحدث عن منجزها الفكري لا تدعي الوصول إلى حتميات مطلقة فيما يخص الظواهر التي تتحدث عنها ، بل نراها تتوكأ على الوعي الإنساني في هذا الحراك وتترك له حرية التعبير عن نفسه وصياغة قناعاته ورؤاه بعيدا عن أي إكراه.)، واعمد هنا لربط النص الشعري بالوعي، لذا ابتعد عن النبوءة التي جعلت الشاعر العربي الكبير المتنبي، يدعي النبوة في بعض الروايات، سواء كانت كاذبة او صادقة لا شأن لي بها .. من هنا ابدأ بقراءة قصيدة الشيخ المرحوم صقر بن سلطان القاسمي (جف اليراع)، يقول في مدخلها :
(جـــــفَ اليراعُ ومـاتَ اللحــنُ والوتــرُ = فـلا نَجِــىّ ولا خــلَّ ولا ســــــمر
وأقفــرَ الروضُ مــن أزهارِ جَنتِــــــه = لــوى بــه المهلكـان .. الهم والكـدر
يعشش البــومُ فـي داجي خرائبـــــــه = وحــولَ سـاحـاتِه الغِربـان تنتشـــــر
والزهــر – أين أريج الزهرِ أذبلَـــــــه = لفــحُ الهواجــرِ لمّــا غُيِّضَ النهــــر)
هذا المدخل يمهد لنبوءة مرت عليها عشرات السنين، وقد قصد الشاعر في حينه مايريد، لكنها حملت مسببات تنبؤية في ما يسمى بالربيع العربي، الذي تحول بفعل فاعل الى خريف، تتساقط فيه اوراق الامة العربية، الباحثة دوما عن ذاتها، فبدلا من اسقاط الطغاة وتحقيق اهداف الجماهير في الوحدة والتحرر واستشراف المستقبل، جاءت التدخلات الخارجية لتحيل هذه الثورات الشعبية الى ارتداد نكوصي، وايقاظ خلايا الفتنة النائمة، وبالتالي بدأت الحراب العربية تشتبك فيما بينها، لذا فان الشاعر الشيخ المغفور له صقر القاسمي دلّ من خلال هذا المدخل على خراب سيحدث، واعطى اسبابه بقوله :
(يا طالمـــــا خَـــدَعَ الشــعبَ افتعالُهــمُ = ونذرهُــم ليتَهـم للحـقِ مـا نــذروا
لو وَجهـوا الشعبَ أو لو واجهوه بمـا = تُخفــي الحقيقةُ ، ماذَلوا ولا عــثروا
لكنهــم طّلبــوا مجــداً لأنفسِـــــــــــهم = من دونِه ، فتهاوى الصرحُ ، واندحروا
خاضــوا بــه دونمـا علـمٍ ومعرفــــــةٍ = حربــاً وربـك مـا فـي نارهـا صُهِـروا
ظنــوا بــه صفقــةً تبقى الـدوامَ لهـم = لا يحــرسُ الغيـــلَ إلا ضَيغــمٌ حـــذر
لو انهــم بَرزوا للهــولِ عاريـــــــــــةً = صـدورهمُ ، أو لقادوا الجيش لانتصروا
لكنهـــمْ والقصـــورُ الشــمُ تَحرسهُــم = والمترفونَ ومــن فــي ركبهم عثروا
ســـاقوا لــه الجائــعَ العـاري فخانَهـمُ = أيسخرون بَمن مِـنْ بَغيهـم سخروا ؟
هــم سَــالبوه فُتاتَ العيشِ ، واتّجـروا = بـه ، ومـن ما لـهِ أضعافَ ما ادخروا
كأنهـــــــمْ أوصيــاءُ اللّــه ليس لمـا = قــد أبرموا ، غير حُكْمٍ خطّه القـــدر
جلّــت إرادةُ ربــي بعض مـا اقترفـــوا = ينـدى الجبين لــه والسمعُ والبصــر
لكــــلِ طـــــــاغٍ شــعاراتٌ تـرددهـــــا = حُثالـــةٌ فـي طوايــا غيهـــم ســدروا
لا ديـنَ مـن نَزَعــاتِ الشــرِ يَحْصُنهـم = ولا هــوى وطــنٍ يحمــى ولا وطــر).
وهكذا وضع نبوءته في سقوطهم من خلال اسباب حتمية لاشك في سقوطهم من جرائها، فـ(نبوءة الشعر أو شعر النبوءة: كلاهما ينطوي على دلالة ما أنا بصدد طرحه, هي حدس تحدى به أبو تمام المنجمين عندما كذبوا ولم يصدقوا:
الـسيف أصـدق أنـباء من الكتب
فـي حـده الـحد بين الجد واللعبِ
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
مـتونهن جـلاء الـشك والـريبِ.
أو هي رؤيا نافذة راودت المعجزة الفرنسية آرثر رامبو عندما استشرف المستقبل في نصه الخارق “كيمياء الكلمة”، ولايمكن أن يمر الشاعر الأسطورة -أمل دنقل- مرور الكرام عند الحديث عن نبوءة الشعر لطالما أعلن حرب حزيران وخسائرها الفادحة قبل حدوثها في نصه الاشراقي “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”:
أيتها العرافة المقدسة..
ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
فاتهموا عينيكِ ، يا زرقاء بالبوارْ
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا..
والتمسوا النجاة والفرار !
ونحن جرحى القلبِ ،
جرحى الروح والفم
لم يبقَ الا الموتُ
والحطام والدمارْ.
فرغم تحذيراته المحاطة بالبؤس وبعد نظرته -زرقاء اليمامة- لم ينصت له قومه بل اتهموه بالكذب والفجور حتى باغتهم العدو وسبق السيف العذل!) .. اذن الشاعر القاسمي تنبأ، الا انه علل هذا التنبؤ، وكأني به يوجه تحذيراته الى حكام الامة، لكنهم لم يرعووا ويراجعوا تراث هذه الامة والاستفادة منه .. لذا ركز الشاعر القاسمي بقوله :
(ســـاقوا لــه الجائــعَ العـاري فخانَهـمُ = أيسخرون بَمن مِـنْ بَغيهـم سخروا ؟
هــم سَــالبوه فُتاتَ العيشِ ، واتّجـروا = بـه ، ومـن ما لـهِ أضعافَ ما ادخروا
كأنهـــــــمْ أوصيــاءُ اللّــه ليس لمـا = قــد أبرموا ، غير حُكْمٍ خطّه القـــدر
جلّــت إرادةُ ربــي بعض مـا اقترفـــوا = ينـدى الجبين لــه والسمعُ والبصــر
لكــــلِ طـــــــاغٍ شــعاراتٌ تـرددهـــــا = حُثالـــةٌ فـي طوايــا غيهـــم ســدروا
لا ديـنَ مـن نَزَعــاتِ الشــرِ يَحْصُنهـم = ولا هــوى وطــنٍ يحمــى ولا وطــر)
قال تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) الإسراء – 16يقدم لنا الباري عز وجل قاعدة سرمدية بأبرز أسباب سقوط الدول كبيرها وصغيرها بلا تمييز. فالفساد والفسق والظلم والخروج عن جادة الحق وتغليب الشهوات والمصالح الخاصة والضيقة، وهي من علامات تفسخ وانحلال الدول واهترائها، لا تنحصر بمكان واحد أو زمان واحد، بل قاعدة تنطبق على دولة أو أمة في الأرض. ولكن كيف نتلمس واقع هذا الأمر على الأرض ومجريات الأحداث؟ لا شك أن الثورات العربية تهدف إلى إسقاط أنظمة فشلت في إقامة مؤسسات “الدولة”، وهذا ما تحصّل من خلال تحليلنا لقصيدة الشيخ القاسمي، بعيدا عن تاريخها والمناسبة التي قيلت فيها، وعذري انها عانقت في ذهني ظروف واحوال الامة العربية الحالية .. والله من وراء القصد ..!!
هوامش :
ـ كتاب (النبوءة في الشعر العربي الحديث من 1947- 1970 دراسة ظاهراتية) للباحث الدكتور رحيم عبد علي فرحان/ دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، سوريا عام 2012م
ـ قصيدة (جف اليراع) الشيخ صقر بن سلطان القاسمي.









