حوارات وتحقيقات

تحدين المستحيل ورفضن العيش بلا كرامة المـــــرأة العراقية بــــ 100 رجل

طوال تلك الخمسين سنة، وانا اصحو من الساعة الرابعة فجراً لاذهب باتجاه علوة السمك ،وبعدها اعود الى السوق بعد ساعتين لتسويق البضاعة واظل على هذا الحال لحين الساعة الثامنة ليلاً، اعود الى البيت وكل قواي منهكة بعد رحلة الشقاء المزمن تلك، فلقمة العيش يا ابنتي لايمكن ان تاتي بسهولة غير ان هنالك من يكتب عليهم التعب في مرحلة اوفترة معينة من الحياة، لاالحياة بطولها وهو ماكتب علي وانا الآن تجاوزت الستين من العمر من شقاء مهنة البيع والشراء في الاسواق، فمنذ ان تزوجت تقاسمت مع زوجي العمل حينما وجدت ان الحياة صعبة فاخترت مهنة السمك لان زوجي كان صياداً وليس بمقدوره القيام بعمل الصيد والبيع معا، فانيطت الي تلك المهمة وانا بدوري استقبلتها بطيب زوجة وشريكة طالما كانت تخفف عن كاهل زوجها، وتعينه على مكابدة مصاعب الحياة، فبقي الحال لسنوات طويلة هكذا نتقاسم العمل فجر كل يوم الى  ساعة متاخرة من الليل احيانا، ولكن بمرور السنوات اصيب زوجي بمرض الكلى، ولم تعد صحته تحتمل ان يقوم باي مجهود، فاضطر الى الجلوس في البيت والانشغال بمراجعة الاطباء الذين اجمعوا على عدم قيامه باي مجهود، وقد حاول المسكين الالتجاء الى دائرة الشؤون والرعاية لتحصيل راتب قد يساعدنا بعض الشيء ولكنه للاسف مني بالخيبة، حينما اكمل معاملته وحسب الاصول القانونية الصحيحة، فاذا بالقائمين هناك يخبرونه بأن ماخصصته الدولة له كراتب شهري قد اعيد الى البنك لأنه تاخر عن موعد استلامه بحكم صعوبة تنقله وحركته!!، لذا توجب عليه ان يتوه من جديد في سلسلة طويلة من الاداريات المزمنة فاضطررت هنا الى العمل بمفردي، فاذا تركت العمل صدقيني لن ناكل لان بيع السمك هو مصدر رزقنا الوحيد مع العلم ان لدي ثلاثة اولاد وجميعهم كسبة ومكبلون بعوائل، ولدى كل واحد منهم مايزيد عن خمسة اطفال، لذا انا الآن اعمل بمفردي وهذه وقفتي التي ترينها امام السمك تبدأ من الساعة الرابعة فجرا ولن تنتهي الابعد الساعة الثامنة ليلا، اظل واقفة حتى تهد كل قواي فأعود الى البيت كجثة من التعب..   

 

رصاصة ولا ذل السؤال!

 

ثماني سنوات وهي تفترش بأوجاعها تلك البقعة الضيقة من السوق التي بالكاد تكفي لتوسد بسطيتها التي تتقاسم زواياهم اكياس النبق وفاكهة الكيوي، انها البائعة (علية ناصر)سألتها عن مدى رغبتها في السماح لي بتصفح شريط حياتها التي بدت من هيئتها الرثة ونظرة عينيها الذابلتين على شفا حفرة من الفقر، فوافقتني بنظرة رضى سبقت حديثها الذي بدأت شجونه هكذا :

مضى على اصابة زوجي بمرض التدرن مدة ثماني سنوات، لم اجد خلالها من سبيل لسد حاجتنا وفاقتنا المادية التي وصلت الى طريق مسدود بعد تدهور حالته ووصولها الى العجز الكامل وعدم المقدرة على فعل اي عمل سوى ان اتكفل انا برعايته ورعاية اطفالي الذين اصيب احدهم هو الآخر بمرض السكري، فامتهنت منذ ذلك الحين مهنة البيع في السوق في رحلة يومية ابدؤها من الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة الثامنة ليلا، اجلس في هذا المكان الصغير الذي ترينه لبيع اكياس النبق والزعرور والكيوي وهي من الفواكه الصغيرة والمرغوبة من قبل الكبار والصغار،اضافة الى ان ثمن بيعها هو مناسب ويتمكن منه اغلب الفئات وهو مالايعرضني بطبيعة الحال الى الخسارة لذا انا اقوم ببيع كل ماأتسوقه يوميا وجل مااحصل عليه من بيع تلك الفواكه البسيطة هو لايتجاوز في احسن حالاته السبعة آلآف لكن الحمدلله، انا قانعة وسعيدة من هذا المبلغ الضئيل والذي يساعدني كثيراً في سد حاجتي اليومية على الاقل، والاهم من كل ذلك انه يجنبي الحاجة الى الآخرين.

 

 

ضحكت له الدنيا فتركني

 

   ثلاثون سنة قضتها بين الطماطم والبصل والباذنجان والعنب لدرجة انها نسيت فيها يوما لم تزاول فيه تلك المهنة انها البقالة( زينة جبار،ام علي)التي سرقت منها الحديث بصعوبة من زحمة المتبضعين فقالت :

نحن عائلة طبيعتها بالاساس امتهان البقالة، فأنا منذ صغري تم تاهيلي وتعليمي اصول مهنة البقالة والبيع والشراء، فاتقنتها في وقت مبكر، وكنت اخرج يوميا مع ابي وامي واخوتي للعمل في بيع الخضروات التي لم تترك لي عملا سواها، لاسيما حينما الغيت من حياتنا مسألة الدراسة والوظيفة والعمل في دوائر الدولة لانها تتعارض مع اعرافنا، بقي الحال هكذا الى ان تزوجت وحتى زوجي الذي هو الآن اصبح تاجرا للخضار في محافظة البصرة الآن، كان بالاساس بقالاً، لم يمانع في ابقائي على مهنة بيع الخضار، وهنا قاطعتها بالعودة الى حكاية زوجها التاجر فأجابتني بحسرة :

 

تزوجت رجلا بسيطا وبقالا مثلي، وبقيت بجانبه متحملة عبء المهنة والزواج معاً غير انه ما ان تغير حاله وضحكت الدنيا في عينيه، وانفتحت ابواب الرزق بأوسع مايمكن، اذا به يتنكر لكل تعب وشقاء تلك السنوات العجاف التي قضيتها بجانبه واستغل قدرته المادية وامكانيته وتزوج بأخرى وسكن محافظة البصرة بعيدا عنا وكأن الامر لايعنيه، لكن الحمدلله انا بعيدة عنه منذ خمس سنوات، واسكن عند اهلي واتقن مهنتي ولم تدفعني الحاجة الى الطلب منه ان يصرف علينا ويتكفل بامورنا وهو ماانا افعله منذ خمس سنوات، فأنا المعيل لابنائي ومااحصل عليه يكفيني ويسد حاجتي وحاجتهم فلسنا بحاجة اليه لا من بعيد ولا من قريب..

 

 

العراقية نموذج للصبر

 

الباحثة الاجتماعية اشواق العزاوي، عبرت عن رأيها حول ماسمعته من حكايا اولئك النسوة العاملات  في الاسواق باعتبارهن المعيل الوحيد لعوائلهن بالقول:

 

لدينا نوعان من الظروف التي تدفع النساء باتجاه العمل بدلا عن ازواجهن وفي مهن قد تكون قاسية حتما، حينما لاتترك لصاحبها خيارا سوى القبول بها على مضض، فهنالك العائلة التي فقدت معيلها الوحيد اثر الحوادث الارهابية والتداعيات الامنية في السنوات الاخيرة والتي افرزت ملايين الارامل واليتامى وهؤلاء حتما ستضطر امهاتهم الى ولوج معترك العمل ومهما يكن نوعه وطبيعته فالمهم انه كفيل بابعاد ابنائهن عن شبح الفقر والحرمان والانحراف وبطبيعة الحال ان اغلب تلك الشرائح النسائية لاتملك مؤهلا علميا يؤهلها للعمل ربما في المؤسسات الرسمية اومؤسسات القطاع الخاص، فتضطر هنا للعمل في مهن بسيطة ومحدودة الدخل وبالكاد تكفي لسد رمق العيش، اضف الى ذلك ان بعض هؤلاء النسوة وممن يملكن مؤهلا علميا محدودا قد يكن راغبات في الحصول على وظيفة ويأملن ذلك لوتوفرت لهن ولكن الامر سيندرج تحت عنوان الارباك الوظيفي والبطالة وقلة الدرجات الوظيفية المخصصة لتلك الفئات، اما الظروف الاخرى التي تدفع ضريبتها بالعمل الشاق هؤلاء النسوة المسكينات فهي للأسف تتعلق بعدم الشعور بمعاناتهن وشقائهن، فهنالك الكثير من النساء لاسيما الكبيرات في السن، كن ضحية عقوق ابنائهن وازواجهن الذين انصرفوا لحياتهم الشخصيةوملذاتهم الخاصة وتركوا مصير العائلة مجهولا، وهنا لاتجد المرأة المغلوب على امرها والحلقة الاضعف بالمجتمع، سوى القبول بحرارة الشمس ومكابدة برد الشتاء مقابل الحصول على مستوى معيشي يؤمن لقمة العيش بكرامة، وهذا برأيي ديدن المرأة العراقية التي كانت ومازالت انموذجا للصبر والتحدي وركوب الصعاب من اجل حماية بيتها وعائلتها.   

 

حلول تستوعب الجميع

 

لجنة المراة والاسرة والطفولة في مجلس النواب وعلى لسان رئيستها وعضو مجلس النواب د.ميسون الموسوي، كانت لها حلقة مهمة واخيرة في سلسلة نقاشنا حول الدور المفترض والمنوط  بها من اجل وضع الحلول والاجابات التي حملناها لتساؤلات تلك النسوة المحاربات، مبتدئين بقولها: قدمت لجنة المرأة والاسرة والطفولة في مجلس النواب حلولا عديدة بحيث تستوعب جميع اعمار النساء وكذلك الفتيات وعلى  اثر مقترحاتها وتوصياتها وملاحظاتها تم الاتي:-

1.تم استحداث دائرة الرعاية الاجتماعية للمراة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية .ترعى النساء وفاقدات المعيل ومن كافة الاعمار ، سواء ارملة او مطلقة والمفقود زوجها، اي امراة فاقدة للمعيل، ليس لها دخل شهري ثابت ومستمر ، كذلك لها راتب 100000 الف دينار عراقي وشمول اطفالها الى حد الطفل الرابع بمبلغ مقداره 15000 الف دينار شهريا للطفل الواحد وللدائرة منافذ مفتوحة، (11) منفذا في بغداد وحدها في كافة المناطق، وكذلك في باقي المحافظات وعلى الاغلب فقد تم شمول اكثر من 90 % من الارامل والمطلقات ، الا البقية اللواتي لم يتقدمن  لشمولهن، فتم حل هذه المسالة والحمد لله .

2 – طلبت اللجنة زيادة التخصيصات المالية للارامل والمطلقات والايتام وقد تمت الاستجابة من قبل مجلس الوزراء لهذا الطلب وازدادت المعونة الشهرية من 65000 الى100000 للارملة والايتام من 10000 الى 15000  .

3 – طالبت لجنة المراة والاسرة والطفولة امانة مجلس مجلس الوزراء بالزام وزارات الدولة كافة بتخصيص نسبة من التعيينات والوظائف للارامل والمطلقات وفاقدات المعيل وخاصة من ضحايا الارهاب والحاصلات على الشهادات الجامعية واخريات، واستيعابهن ضمن القوى التشغيلية .

4 – هناك دور رعاية  المسنين التابعة الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهي دور ايوائية تتوفر فيها المستلزمات المعيشية من اكل وشرب ونوم وعناية صحية ومصرف جيب، وتستقبل النساء من اللواتي تتجاوز اعمارهن 50 سنة حسب رغبتهن .ولاشيء يمنع ذلك، فهذا هو حال المسنين في جميع الدول المتقدمة، اذا هناك خيارات عديدة للنساء فوق 50 سنة، باختيار الرعاية اما باستلام المعونة من دائرة الرعاية الاجتماعية للمراة او الانتساب الى دور رعاية المسنين .

5  – لجنة المراة والاسرة والطفولة وجهت الوزارات المعنية بتاسيس جمعيات تعاونية لاستيعاب النساء العاملات اللواتي يرغبن بالعمل ولهن القدرة والطاقة، وهذا امر ايجابي ويشير الى حب النساء للعمل، ليكن منتجات لا مستهلكات فقط .

6 – تم توجيه امانة بغداد بتحسين احوال الاسواق وتوفير العمل اللائق والحماية ومستلزمات الامن والرعاية والعناية الصحية والبيئية، وتوفير هذه المعايير هي ضمن امكانات الدولة وظروفها.

وعلى كل حال، فان عمل النساء في الاسواق غير معيب، وغير ممنوع، كما انه  جزء من سياسات الدولة في توعيتهن في عمل القطاع الخارجي، وهذا هو من واجبات منظمات المجتمع المدني النسوية، اذ انه  لا يوجد في القانون   مايمنع ذلك، فعمل النساء في جميع المجالات عمل مقبول، وعملهن كبائعات غير معيب ولايوجد تشريع يمنع ذلك .

 

طالبنا بزيادة الاعانات

 

مكتب مدير شبكة الحماية الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، استقبل اسئلتنا على لسان معاونه الاستاذ (رعد جليل) بالقول: 

ماتمنحهُ شبكة الحماية الاجتماعية من اعانات يقسم الى فئات محصورة يتقدمها العاطلون عن العمل ومن ثم الارامل والمطلقات واسرة النزيل والمفقودون والطالب المتزوج والعاجز والمعاق والشيخ والمبالغ المعتمدة لدينا تقسم الى ان الشخص الواحد يتسلم مبلغ خمسين الفاً اما الشخصان فمبلغ سبعين الفاً اما الثلاثة اشخاص، فيستلمون مبلغ تسعين الفاً اما الاربعة اشخاص فيستلمون مبلغ مئة الف، والخمسة يستلمون مئة وعشرين الفاً اما الستةاشخاص فيستلمون مئة وعشرين الفاً وبالنسبة للمتقدمين للحصول على تلك الاعانات، فأكثرهم بالدرجة الاولى من الارامل النساء ومن ثم يأتي العجزةولو جئنا الى اعداد المستحقين للاعانات من الفئات الاخرى فأعتقد بأن نسبة العاطلين هي كبيرة جدا لكن العمل بضمهم الى دائرتنا توقف واحيل الى مجلس محافظة بغداد وهنالك لدينا فضلا عن الاعانات، المنح التي خصصها السيد رئيس الوزراء للذين ليست لديهم اعانات، وعلى اثره لايمكن بعد هذا القرار الجمع بين راتبين، ولو جئنا الى الاستفادة الاقتصادية للمتقدمين من تلك الاعانات فنحن نعتقد بانها قليلة معيشيا وطالبنا في وقت سابق بزيادتها وتعُطى الان للمطلقة مئة الف بدفعات توزع كل ثلاثة اشهر، وهي قليلة، لو اردنا مقارنتها بالمستوى المعيشي الحالي ،وقد قدمنا الى وزارة المالية مقترحات عديدة بشأن زيادتها ونحن بانتظار استحصال الموافقات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان