حوارات وتحقيقات

سوق الصفافير .. بريق ضائع وسط المشغولات الرخيصة وغياب السياحة

*السيد ياسر سلمان عندما سألناه عن الكيفية التي دخل بها هذا العالم المفعم بالفن والجمال قال بانه:  دخل السوق ولأول مرة مع والده وكان عمره ست سنوات أي قبل سبعين عاماً، وأشار إلى أنه توارث هذه المهنة عن أبيه وأجداده وهو يعمل حسب التوصية، وينجز العمل المكلف به بدقة ويتقن حرفته منذ زمن طويل ويضيف إلى أعماله لمسات فنية بزخرفة الأبواب الكبيرة وبعض الأدوات المنزلية من طشت، مسخنة، قدور كبيرة وصغيرة، وأباريق وصواني، وبشكلٍ خاص أهلة الجوامع، وكل ما ترونه في السوق يحمل عبق الماضي وتراثه. 

* اما بالنسبة الى السيد جواد كاظم الذي قاطعنا صمته وسرحانه ، حيث استقبلنا بلهفة شديدة واصر ان نتذوق طعم الشاي من يد عامله، مؤكدا لنا بأننا سنطلب المزيد منه . حيث اجابنا عندما سألناه عن هذا السوق: ان سوق الصفافير من الأسواق الموغلة في القدم التي تحمل نكهة الماضي وتراثه ويعتبر من أكثر الأسواق أناقة ويجسد جهوداً بذلت على مدى سنوات من العمل والفن المبدع ولا يسترجع أصحابه إلا الذكريات والقصص التراثية، وهو عبارة عن متحف للإرث العراقي وكما تدركون هذا الشيء فإن أول زيارة يقوم بها الزائر سواء كان سائحاً أجنبياً أو عربياً القدوم إلى السوق للبحث عن الأدوات النحاسية واقتناء التحف القديمة.  واشار كاظم الذي يعد احد اشهر السيمفونيين بطرقاته على القطع النحاسية الى ان “هنالك تناغما صوتيا بين الحرفيين داخل السوق، كونهم اعتادوا على إحداث تقاطع بنقرة المطرقة، فيحدث أشبه بقرار وجواب بين الحرفيين، ويبدأ العزف بعد سماع مطرقة الأسطة الكبير، الذي يضرب بمطرقته الكبيرة قائلا: الله أكبر، بعدها يبدأ العزف” . 

* ويبلغ سيد زغير أبو حيدر 43 عاما، وقد نشأ في هذه السوق، وترجع ذكرياته الأولى إلى الزيارات التي كان يقوم بها أثناء العطلة الصيفية من المدارس. وهو الآن يحط من قدر هذه التجارة ويسخر من أوهام الفخر التي يشعر بها الرجال الكبار وبعض الشباب ممن يعملون في هذه المهنة ويقول : اتذكر كيف أن الأجانب كانوا يشترون التحف من السوق التي تشتهر بمصابيح الزيت دقيقة الصنع واللوحات التي كانت تتزين بآيات القرآن الكريم التي كتبت بخط رائع. ويتابع ” لقد كنا نبيع أي شيء نضعه في المحل، كما كانت المكاتب الحكومية تبعث بطلبات خاصة للحصول على الهدايا، وفي ذلك الوقت كانت السوق تبقى مفتوحة في المساء، اما الآن، فإنها تغلق أبوابها في وقت مبكر ، والقليل من الافراد سواء كانوا عراقيين أو أجانب يأتون للشراء”. ويضيف أبو حيدر” قمت بصياغة أول عمل نحاسي لي عام 1992، واستقريت في عملي التجاري وبدأت في صنع الأشكال النحاسية ، ولكن السوق عند ذلك الوقت بدأت بالتدهور التدريجي “. ويتابع ” إنني ما زلت أعمل نحّاسا لأنني لا اعرف حرفة أخرى أستطيع القيام بها، وبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، فإن معظم النحّاسين قد قاموا ببيع محلاتهم ” . 

* وعلى الرغم من هذه الإشارات التي لا تبشر بالخير في هذه السوق، فقد انضم بعض من ينتمون إلى الجيل التالي إلى هذه الصناعة. ويقول أمير صفير الذي يبلغ من العمر 18 عاما إن السوق تجري في دمه، ويتفاخر بأن عائلته كانت موجودة هناك قبل 250 عاما. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يتوقع أن تستمر هذه السوق. وهو يذكر أنه تبقى في السوق نحو 60 إلى 70 نحاسا، قبل أن يقل عددهم إلى نحو 20 فقط. وقد باع 6 من أقاربه محلاتهم. ويأمل صفير أن يأتي السياح الأجانب مرة أخرى إلى هذه السوق، ولكنه عندما ينظر حوله في السوق يشعر بالخجل لوجود برك مياه الصرف والقاذورات الملقاة. وهو يتوقع أن يضحك السياح إذا شاهدوا ذلك. إنه يرغب في أن تنتقل سوق النحاس إلى المنطقة الخضراء في بغداد أو منطقة المطار، أو أي منطقة حديثة ونظيفة. وفي المساء يقوم صفير بعمله الثاني في مطعم عمه لأنه يحتاج إلى المال. ويقول وسط مصابيح الزيت المضيئة والشمعدانات: أقول لوالدي في بعض الأوقات: ( إنني آسف لأنني احترفت هذه المهنة ) .

* يقول نحّاس آخر وهو يسخر من الأخبار الخاصة بمبادرة الحكومة للاحتفاظ بالشارع ” إن الوقت قد فات بالفعل ، لقد مات النحاسون الكبار أو تركوا العمل، كما نأى أولادهم وأقرباؤهم عن العمل في هذه التجارة، حيث يملؤون محلاتهم بالمصنوعات والمشغولات الجاهزة”. ويضيف ” هل سيعيدون النحاسين من قبورهم مرة أخرى؟ لقد مات معظمهم، وأولادهم ليسوا نحاسين حقيقيين، والسوق الآن ممتلئة بالأطباق والأواني النحاسية التي تطرحها المصانع الإيرانية والصينية والهندية، وهو ما يمثل ضربة أخرى لأصحاب هذه الصناعة ، فالقطعة التي كانت تأخذ منا نحو يومين لصنعها، تقوم المصانع بصنع الآلاف منها في ساعة واحدة، كما ان القليلين هم الذين يفضلون القطع المصنوعة يدويا ” .

* ومع اننا مع من يشهد ما لهذا السوق من تاريخ عريق الا اننا لا ننكر ما حدث لهذا السوق من انتكاسات عديدة تبدأ من الخمسينيات عندما قررت وزارة الصحة منع استخدام اواني الطبخ المصنوعة من النحاس، فتحول اقبال الناس الى الاواني المصنوعة من (الفافون) والالمنيوم مرورا بمؤسسات الدولة المعنية واهمالها لهذا المعلم الحضاري، حيث ان الأوضاع الأمنية الحالية زادت حالة السوق سوءا، إضافة إلى إهمال الجهات المعنية لقيمة هذا الفن، فتجد أن وزارة الثقافة تقوم بدعم بقية الحرف التراثية مثل صناعة السجاد اليدوي، وصناعة العباءة الإسلامية، وأهملت فن صناعة النحاس، على الرغم من أنها الأقدم في العراق، حتى أنها تقوم بين فترة وأخرى بدعوة أصحاب بقية الحرف لمعارض محلية وعربية وعالمية، وتتجاهل النحاسين الذين تمكنوا من إيصال فنهم إلى ارقى دول العالم منذ فترات ليست بالقليلة. 

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان