تحقيق / فهد شاكر المياح
في ذلك الصباح, جل ما دار في خلده هو الاسراع بتدوير محرك سيارته وقيادتها بشكل اسرع, للخلاص من مصيدة الزحامات اليومية. ولم يفكر لبرهة زمن, بالعراقيل المتناثرة على قارعة الطريق, من مطبات ومواد البناء والسيطرات الامنية, والمواشي. فأنطلق بسيارته وعينه ترنو بين دقيقة واخرى الى ساعته اليدوية, مستدركا وقت بدء الزحام, لكن ماكان يصبو اليه, تلاشى كليا بعد توقف سيارته بشكل مفاجئ, وحين ترجل منها ليستكشف سبب ذلك التوقف, اتضح انه دهس خروفا من قطيع الاغنام التي ترعى في قطعة الارض المجاورة لمنزله, ولم يزل رأس الخروف عالقا بين اطار السيارة وهيكلها الحديدي.
يقول الموظف في وزارة التجارة «جاسم جلوب» الساكن بمنطقة الامين الثانية: (بعد ان وجدت الخروف عالقا, حررته بصعوبة جمة ونظرا لتأخري في عملية انتشاله, فقد نفق بعد ذلك بوهلة زمن. حينذاك وصل راعي قطيع الاغنام الى مكان الحادث, وحين شاهد الخروف ساكنا, لطم وجهه بكلتا يديه, وطفق يشتمني ويعنفني فأخبرته انني لاذنب لي بماجرى, بسبب صعوبة الرؤيا وقتذاك ولصغر حجم الخروف الذي انسل بين اطار السيارة وهيكلها دون ان اشعر او ابصر. حينذاك شعرت ان كلامي لايجدي نفعا مع الراعي, فسارعت بتغيير مضمون كلامي من خلال تذكيره ان الخطأ الذي ادى الى خسارته خروفا من قطيعه الكبير, يتحمله هو وحده, لان المناطق السكنية لم تخصص لرعي المواشي, بعد ذلك امسكني الراعي من ياقة قميصي ونطحي برأسه على انفي. فلم يكن مني الا ان اوجه له لكمة على خده الايمن, ومضينا على ذلك الصراع حتى خرج الجيران من منازلهم بسبب الجلبة الكبيرة التي احدثناها، ويفضوا النزاع, ليتحول الامر بعد ذلك الى العرف العشائري ليكون الفيصل بهذا الموضوع, ولم نزل ننتظر وقت الجلسة العشائرية التي ستقرر اي من الطرفين هو المخطئ).
طفل شج رأسه.. والسبب!!
اثناء حديثنا مع «جاسم جلوب» تجمهر حوالينا عدد من المواطنين, وحين علموا بموضوع تحقيقنا, تحدث «ابو جنان الساعدي» عن اصغر ابنائه قائلا : (قبل عام من الان, واثناء وقت الغداء, اراد ابني «ثائر» ان يبتاع بعض الشوكلاتة من الدكان الوحيد في زقاقنا هذا, فطلبت منه ان يصطحب اخاه الذي يصغره بحوالي 4 اعوام معه, وبعد مضي دقيقتين تقريبا على خروجهما, رجع ابني «ثائر» مولولا باكيا, وحين سألته عن سبب بكائه, بين ان اخاه خر الى الارض مغما عليه بعد ان نطحه خروف وشج رأسه بالحال, حينذاك هرولت الى مكان الحادث, فوجدت صغيري مضمخا بدمه ورأسه يقطر دما, وما ان حملته بين ذراعي حتى وجدت جاري الذي يقف الى جانبكم الان, قد جاء بسيارته وطلب ان ننقله الى المستشفى قبل فوات الاوان, ونظرا لصعوبة الموقف انذاك, لم افكر البتة, بمحاسبة الراعي الذي جاء بخرفانه الى حينا وتركها تسرح وتمرح انى تشاء, وبعد عودتنا من المستشفى, بحثت عن ذلك الراعي قدر استطاعتي, ولم اعثر عليه, كما وان ابناء الحي وساكنيه, اكدوا انهم شاهدوه لاكثر من مرة هنا, لكنهم يجهلون عنوان سكنه, ومنذ ذلك الوقت وانا مستمر في البحث عن ذلك الراعي الذي تملص من جريمة لاتغتفر).
التلوث البيئي
من مدينة الامين الثانية, انطلقنا نحو منطقة «الفضيلية» الشهيرة بصناعة منتوجات الالبان, نظرا لامتلاك اغلب ساكنيها حظائر لتربية المواشي. هناك وبعد ان وطأت اقدامنا ارض «الفضيلية» دار في خلدنا شيء من التقهقهر والعودة من حيث جئنا, بسبب صعوبة التنقل ونتانة الاجواء المدافة بالغبار والحصى المتطاير, وايضا صعوبة استخلاص اجابات من سكان المنطقة لانهم وبالغالبية العظمى, رعاة وتجار مواش, ولحسن حظنا عثرنا اثناء تجوالنا في «الفضيلية» على احد الاصدقاء ممن تربطنا واياه علاقة الحي الواحد الذي نقطنه. حينذاك طلبنا من صديقنا ان يرشدنا على احد من سكان المنطقة, ليكون محدثنا عن حياتهم في ظل مشاطرتها مع المواشي, وفعلا توجهنا بمعية صديقنا الى محال لبيع الادوات الاحتياطية للسيارات, والتقينا بصاحبه المواطن « ابو رقية الدراجي» الذي لم يتردد لبرهة زمن في تبيان امتعاضه ومقته لهذا الواقع, وقال ايضا : ( قبل 4 اعوام انتقلت للسكن بهذه المنطقة, وبعد مضي شهر تقريبا, باع جاري الذي لايفصل بين بيته وبيتي سوى حائط من اللبان, باع منزله الذي تربو مساحته الى اكثر من 400م2, الى شخص من سكنة هذه المنطقة, ليقوم الاخير بردم البيت وتصيّره الى زريبة لتربية المواشي والدواجن. وبعد مضي اسبوع على اتراع هذه الحظيرة بالمواشي والطيورة الداجنة, اخذت الروائح النتنة تضوع في الاجواء, ثم اخذت الحشرات بالظهور شيئا فشيئا, مثل «البعوض والقراد والقمل» ثم ظهرت القوارض «الجرذان والفئران» بشكل مريب. فعزمت على ابلاغ جاري الجديد بالامر, وحين اخبرته, قال بالحرف الواحد (شتريد تسوي….سوي) ونظرا لاني الوحيد الذي لااملك حظيرة لتربية المواشي في الشارع الذي اسكن فيه, فقد عمدت الى عرض منزلي للبيع, لاتخلص من هذا العبء الثقيل)
حسنا.. ألم تلجأ الى تقديم شكوى في مركز الشرطة ؟
كلا.. فالجميع يعلم ان ديدن هذه المنطقة, هو محض عشائري, فإن كانت هناك مشكلة ما, يتم حلها بالرجوع الى العرف العشائري, وانا لا ارغب بتعظيم الامور و «دوخة الراس» لذلك عمدت الى عرض بيتي للبيع لاتخلص والى الابد من هذه المنطقة.
حسنا..بما انك تطرقت الى ديدن المنطقة, ايمكننا القول انها محض حظيرة لتربية المواشي؟
كلا..فهناك الكثير من ساكنيها ممن يمتهنون مهنا اخرى, ومنهم الطبيب والمعلم والمهندس, لكن الصبغة التي اصطبغت بها المنطقة, هي الصبغة الريفية, حيث ان غالبية السكان هم من ابناء ريف المحافظات الجنوبية, وانتقلوا ههنا مع مواشيهم وطيورهم الداجنة.
التجاوز على الممتلكات العامة
بعد جولتنا القصيرة في منطقة «الفضيلية» انطلقنا في جولة اخرى وتوجهنا الى منطقة البلديات, وتحديدا في شارعها الرئيسي, الذي تحول الى «علوة» لبيع الاغنام, لنتوقف على مقربة من متوسطة «عائشة» للبنات, التي تحول رصيف شارعها الى مكان كبير جدا لبيع وقصابة الاغنام. هناك التقينا عددا من اولياء امور الطالبات, الذين كانوا ينتظرون عند بوابة المدرسة انتهاء وقت الدوام لاصطحاب بناتهم. وسألناهم عن هذه الظاهرة المستشرية في عموم مناطق العاصمة, فبين «ابو هدى اللامي» ان الارصفة والحدائق العامة, خصصت للانسان وحده, ولم تخصص كمرتع للاغنام والابقار, فالارصفة وجدت لتكون سبيلا يسير عليه الانسان, اما الحدائق فقد وجدت هي الاخرى لاضفاء الجمالية على الاماكن السكنية, والتجاوز على هذه الاماكن, من شأنه ان يسبب اضرارا بيئية وصحية, تلقي بظلالها على المواطنين كافة. اما «خالد الربيعاوي» فكان له رأي اخر, حيث اوضح ان رعاة الاغنام والقصابين, لو وجدوا اماكن مخصصة لبيع وقصابة الاغنام, لما تجرؤوا على التجاوز على الممتلكات العامة, وطالب بتخصيص اكثر من مكان خارج اسوار العاصمة, لتكون اماكن لرعي الاغنام وبيعها.
وللرعاة حديثهم
عقب حديثنا وثلة من المواطنين, دلفنا نحو واحد من بائعي الاغنام, وللوهلة الاولى خيل اليه اننا جئنا من اجل شراء خروف من قطيع اغنامه, الامر الذي حفزنا على تقمص شخصية المشتري, لنستخلص منه اجابات عن مجموع اسئلتنا, وبعد حديثنا المقتضب, سألنا «احمد الكناني» عن سبب اتخاذه من احد الارصفة مكانا لبيع وعرض مواشيه, فأجابنا قائلا : (اولا, انا ابحث عن الرزق الحلال, وثانيا, لم افكر في اتخاذ هذا الرصيف مكانا لبيع بضاعتي لولا انني وجدت اغلب اترابي, قد استغلوا هذه الارصفة والشوارع وصيروها الى اماكن لقصابة وبيع الاغنام)!!
الم تنصحهم بتخصيص مكان تشتركون فيه جميعكم وتبيعون فيه مواشيكم؟
كلا..فجميعهم لايرغبون بتقديم المبالغ المالية لقاء استئجار قطعة ارض او شرائها.
والحكومة..الم تحذركم من استغلال الارصفة ؟
نعم..ولكننا نعمد الى اغلاق اماكننا والعودة مرة اخرى لنشرع ابوابها بعد مضي ايام قلائل.
واين ترعون هذه المواشي, أفي المناطق السكنية ايضا؟
نعم..وهذا الامر معمول به بين الرعاة كافة, فنحن نجوب بقطعان مواشينا المناطق السكنية والاماكن المخصصة لرمي النفايات. نظرا لسهولة الحصول على غذاء لهذه الاغنام.
لو خصص لكم مكان ما لترعون فيه مواشيكم وتبيعونها, هل توافق على الانتقال اليه ؟
نعم..شريطة ان ينتقل جميع الرعاة والباعة اليه.
ختام الرحلة
بعد جولة طويلة ومضنية انتهت في منطقة البلديات, استقلينا سيارة اجرة وعدنا ادراجنا من حيث انطلقنا, وعند تقاطع مديرية الامن السابقة, فوجئنا بتوقف سير المركبات ومن اربع اتجهات, والسبب هو, مرور قطيع من المواشي, ضم بين طياته «الماعز والابقار والاغنام» وكلب لحراسة هذا القطيع, واثناء وقت توقفنا, تناهىى الى مسمعنا تذمر بعض المواطنين بسبب هذا التوقف, فلم يكن منا الا ان نجيبهم بحفنة كلمات «ابشروا فهناك من سيقرأ, وربما سيضع حدا لهذا الوضع المزري» .





_1617644865.jpg)



