حوارات وتحقيقات

سوق الهرج في بغداد.. صورة مؤلمة لبلد نفطي!

عبد الجبار العتابي 

 

وهؤلاء الذين (يلعبون) خارج سوق الهرج ومحاله ودكاكينه، يفترشون الشارع من ساحة تقع على مساحة تمتد من نهاية بناية وزارة الدفاع القديمة، وصولاً إلى بداية شارع الرشيد. وهي منطقة «الميدان»، وساحتها التي ينتشر على جوانبها الباعة على اختلاف هيئاتهم وبضائعهم، لكن هذا الشارع، والأرصفة معه، تنشغل تمامًا يوم الجمعة، وتقوم عليها الأشياء، فيما تزخر بالمتفرجين والمتبضعين الذين يروحون ويجيئون ويدورون على الجميع بحثًا عن شيء ما .

 صورة قلمية للمكان 

 وفي المشهد: كل شيء في المكان متوفر، ما لا يخطر على بال احد، لكنه يتميّز بصفتين  هما أنه (عتيق) أو قديم، والناس الذين يبيعون الأشياء اغلبهم متعبون ظهرت سمات الزمن المرهقة على وجوههم واجسادهم وملابسهم، والناس الذين يتبضعون منهم، أو يحومون حولهم هم من الفقراء البؤساء، شكلاً وروحًا، وهناك فئة قليلة تبحث عن (الانتيكات) التي قد تختبئ بين الاشياء، ولا يعرفها إلا أصحاب الخبرة، فيما يعرضها الباعة كغيرها، من دون أن يفهموا ما تعني، لأنهم حصلوا عليها من آخرين انتفت لديهم الحاجة اليها وزهدوا فيها.

ولكن الغريب، أن تجد ملابس مستعملة، وبعضها مستهلك على شكل أكوام، من قمصان وبنطلونات إلى جاكيتات وكنزات، وحتى ملابس رياضية وجوارب، وهي لا تشبه ما يسمى بـ (البالات) التي يغسلها باعتها ويحرصون على كيها وترتيبها وتعليقها، لتبدو بشكل جيد وتباع، وكذلك المفروشات على اختلاف اشكالها والوانها ومعدات استهلكت تمامًا، ولم يبقَ منها سوى الهيكل الفارغ، حتى اواني الطعام والطبخ .

 وما لا تصدقه العين، أنك قد تشعر للحظة أن هذه الاشياء هي نتاج بحث في النفايات، التي تطرحها سيارات النظافة في مكبات النفايات، ولا يمكن أن تصدق أن هؤلاء الرجال الكبار السن يقضون ساعات تحت الشمس لبيع مثل هذه الاشياء، والأغرب هي أسعار البضاعة البخسة، فهي تصل إلى مبلغ 250 دينارًا، اي أقل من (200) سنت بالدولار الاميركي.

أما اسعار بعض التحف، فهي الأغلى، وخاصة أن أصحابها ممن لهم خبرة في مجال بيع الانتيكات والتحف. والطريف هنا، أن الاسعار، تقل كلما سار النهار إلى الظهيرة، وحين يقل عدد المتبضعين أو العابرين من المكان، فهي تصبح أقرب إلى المجان أو (اخو البلاش) كما يقول الباعة.

ولو عددنا أسماء الأشياء الموجودة على هذه البقعة لتعبت الكلمات، فهناك المئات من البرغي الصغير البسيط إلى ملعقة الشاي الصغيرة، إلى مبردة الهواء واجهزة الراديو والتلفزيون.

 مصادر الخردة مختلفة 

المشهد عند احد الباعة، مذهل، فهو يبيع (يطق / دوشك) اسفنجياً للمنام، وملابس تكومت على بعضها عتيقة ورثة، وعند سؤاله عن سعرها، رفع عينيه مستغربًا، ثم قال بثلاثة دنانير (يقصد ثلاثة آلاف دينار)، والمشتري يحاول أن يدفعه للتخفيض إلى النصف، يسكت ثم يدعو المشتري للقدوم والتبضع بـ (ربع دينار).

وعند سؤاله من اين يأتي بهذه الاشياء، قال بعد إلحاح: أهل الخير يأتون بها، ويعطوننا اياها أو نشتريها من بعض الناس .

وأمام بضاعة بائع آخر، قال: انها (خردة) نجمعها من مصادر مختلفة، نشتريها وننظفها ونبيعها بأي سعر يحقق لنا ربحًا بسيطًا، لدينا قناعة، فضلًا عن اننا نقتل وقت الفراغ، فنحن عاطلون عن العمل وليس لدينا مصدر رزق، نحاول هنا أن نجد ما نقتات به من ارباح بسيطة، بعضنا يسكن في فنادق (الميدان) بشكل دائم أو في غرفه المتهالكة، ليس لنا إلا هذا المكان هو متعتنا ومحل رزقنا .

 حاجات مفيدة…

رجل آخر مسن ، متأملاً أغراضه العتيقة جدًا، المتنوعة والمختلفة والغريبة، قال: نشتري ونبيع الاشياء المستعملة والمستهلكة فهذه لها من يشتريها، هذه هي تجارتنا المتواضعة، في العراق هناك فقراء يجدون في هذه الاشياء حاجة مفيدة بالنسبة لهم، الكثير من مساكين الميدان يحتاجون إلى الأفرشة والأغطية، بينما الاغنياء والتجار يجيئون للفرجة فقط، او بحثاً عن شيء (لقطة) نادر وثمين ليشتروه بسعر رخيص.وأضاف: هذه هي حياتنا وعيشنا على العتيق، نوفر بعض المال لنمضي يومنا أو اسبوعنا، لا احد يهتم بنا، فماذا نفعل، ونحن كبار بالسن، غير هذا المكان الذي تعودنا عليه ونحمد الله.وحين سألته عن مصدر هذه الملابس، والأغراض، قال إن بعض الناس يتبرعون بها، وأحيانًا نشتريها من (العتاكة)، أي الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن (عتيق) يشترونه من البيوت، منهم من يفسخه فيأخذ المواد التي يريدها منه، ومنهم من يبيع كل ما لديه بسعر واحد، لذلك ترى هناك مثلاً (مبردات هواء، وتلفزيونات وغيرها من الأجهزة الكهربائية مجرد قشر (هيكل) فقط).

 سوق الهرج 350 عامًا

ويعتبر سوق الهرج من أشهر أسواق بغداد القديمة بمكانتها ومعروضاتها المتنوعة، لقد تأسس هذا السوق قبل 350 عاماً، وسمّي في حينه بسوق الأحمدي نسبة إلى جامع الأحمدي الموجود فيه، وبعد عقود من الزمن تبدل اسمه إلى سوق الهرج، يقع في مركز المدينة، وهو يمتد من ساحة الميدان حتى سوق السراي.

تعود التسمية إلى أواخر العهد العثماني، في زمن الوالي ناظم باشا، وسمي بسوق الهرج نتيجة للأصوات العالية لباعة السوق والمنادية على السلع للبيع والشراء وصخب المقاهي وملاهي الرقص والغناء المحيطة حوله، وفي نهايته، وهو متنوع فيه البضائع والحاجات التي لها واقع القدم، اكتسب سوق الهرج شهرة واسعة في بغداد باعتباره من اكثر الاسواق التجارية شعبية، حيث يلقى رواجاً هائلاً طوال ايام العام وبصفة خاصة في فترات العطل وايام الجمعة، وازدهر سوق الهرج في سنوات العهد الملكي والعهد الجمهوري، عندما كان يؤمه البغداديون، فضلاً عن القادمين إلى بغداد من كل أنحاء العراق كونه السوق الوحيد الكبير في بغداد.

هذا السوق يزدهر فيما يمتلك العراق رابع احتياطي غازي في العالم يقدر بـ 260 ترليون متر مكعب، وفيه احتياطي نفطي هائل يساوي 11 بالمئة من طاقة العالم، اضافة إلى سياحة دينية وثقافية نادرة اذ تشكل الاهوار مساحة 41 الف كم مربع وتشكل ثامن بيئة مائية في العالم يعيش السكان فيها منذ 5 الاف سنة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان