مسيرة نضالية غير قابلة للمقارنة
تتسم مسيرة الحزب الشيوعي بكونها المسيرة والحكاية السياسية والتجربة الأنضج بين الأحزاب العراقية طوال فترة التاريخ العراقي الحديث، ففي مسيرته كثير من النضال ضد القوى الدكتاتورية والمطالبات المستمرة بحقوق الشعب العراقي وبناء عراق قوي وحر يعيش فيه الشعب سعيداً وهي مسيرة غير قابلة للمقارنة مع تجارب حزبية أخرى.
ابتداءً سنتفق أنه ليس من السهل قراءة تاريخ العراق الحديث من دون التوقف عند تجربة الحزب الشيوعي العراقي، الذي ارتبط اسمه، منذ تأسيسه في الحادي والثلاثين من آذار عام 1934، بمحطات بارزة من الاحتجاجات الشعبية والحركة العمالية والطلابية، وبمسار طويل من المواجهة مع السلطات المتعاقبة. فقد كان الحزب، في مراحل مهمة من تاريخه، أحد أبرز التنظيمات السياسية التي عبّرت عن مطالب قطاعات من العراقيين، وشاركت في تعبئة الشارع وتنظيم الاحتجاجات دفاعاً عن الحريات والحقوق الاجتماعية والسياسية.
جاء تأسيس الحزب في مرحلة كان العراق فيها يعيش تحت تأثير النفوذ البريطاني، وسط تفاوت اجتماعي واسع، وظروف اقتصادية صعبة، ومحدودية في الحريات السياسية. وقد تبنّى الحزب مطالب تتعلق بحقوق العمال والفلاحين، وتحسين الأجور وظروف العمل، وتوسيع التعليم، والدفاع عن الحريات العامة، إلى جانب الدعوة إلى الاستقلال الوطني.
وسرعان ما اتجه نشاطه إلى الأوساط العمالية والطلابية والثقافية، مستفيداً من النقابات والتنظيمات المهنية والصحافة السياسية، رغم القيود التي فرضتها الحكومات على نشاطه.
وكانت وثبة كانون عام 1948 إحدى المحطات المفصلية في تاريخ الحركة الوطنية العراقية. فقد اندلعت الاحتجاجات رفضاً لمعاهدة بورتسموث وما ارتبط بها من توجهات سياسية، وشارك فيها طلاب وعمال وشرائح شعبية متعددة. وكان الحزب الشيوعي من القوى المنظمة والفاعلة في هذه الحركة، التي تحولت إلى انتفاضة واسعة أسهمت في إسقاط المعاهدة وإفشال المصادقة عليها.
لم تتوقف الحركة الاحتجاجية عند وثبة كانون. ففي عام 1948 أيضاً، شهد العراق تحركات فلاحية وعمالية واسعة، ارتبط بعضها بإضرابات عمال الزيوت والنفط والسكك الحديدية والموانئ، وبالمطالبة بتحسين الأجور والاعتراف بالتنظيمات النقابية. وبرز الحزب الشيوعي في تنظيم جانب مهم من هذه التحركات، في وقت كانت فيه السلطات تنظر بعين الريبة إلى العمل النقابي المستقل.
تكشف هذه المحطات عن أحد أبرز وجوه تجربة الحزب: الانتقال من الخطاب السياسي إلى العمل الجماهيري، وربط المطالب الاجتماعية بالحقوق السياسية. لكنها تكشف، في الوقت نفسه، أن هذه الحركات لم تكن ملكاً لتنظيم واحد؛ فقد تشكلت من تحالفات وقطاعات اجتماعية وقوى سياسية متباينة، التقت عند أهداف مشتركة واختلفت في قضايا أخرى.
لا يمكن اختزال منجزات الحزب الشيوعي العراقي في قيادة التظاهرات والانتفاضات. فقد كان حضوره في النقابات والاتحادات المهنية والطلابية، وفي الصحافة والأدب والفنون، جزءاً مهماً من تأثيره في المجتمع العراقي.
واجه الحزب الشيوعي العراقي موجات متعاقبة من القمع، ولا سيما بعد انقلاب شباط 1963، حين تعرض أعضاؤه ومناصروه لحملة شديدة من الاعتقالات والتعذيب والإعدامات. واستمرت الملاحقات بأشكال مختلفة خلال العقود اللاحقة، وخصوصاً في ظل نظام البعث المقبور، الذي ضيّق على التنظيمات المستقلة وفرض قيوداً واسعة على النشاط السياسي.
بعد عام 2003، عاد الحزب إلى العمل السياسي العلني، وشارك في الانتخابات والتحالفات السياسية، ورفع شعارات تتعلق بالدولة المدنية والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد والدفاع عن حقوق المواطنين.
وفي تشرين الأول 2019، شهد العراق انتفاضة شعبية واسعة، انطلقت من مطالب تتعلق بالبطالة والخدمات والفساد، ثم اتسعت لتشمل إصلاح النظام السياسي والمطالبة بالمحاسبة وتوفير حياة كريمة. وقد شارك في هذه الاحتجاجات شيوعيون ومناصرون للحزب، كما اتخذ الحزب مواقف معلنة مؤيدة للمطالب الشعبية، في سياق حركة كان عمادها قطاعات واسعة من الشباب والمواطنين المستقلين.
أعادت تشرين إلى الواجهة كثيراً من القضايا التي ارتبط بها الخطاب اليساري العراقي منذ عقود: العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، والحقوق المدنية، ورفض تحويل الدولة إلى مجال للمصالح الحزبية الضيقة.
إن حصيلة الحزب الشيوعي العراقي تُقاس بما تركه من أثر في تشكيل الحركة العمالية، وتنظيم الاحتجاجات، والدفاع عن الحريات، وإغناء النقاشات الفكرية والثقافية. لقد كان حاضراً في محطات احتجاجية مفصلية، من وثبة كانون وانتفاضة 1952 إلى التظاهرات الجماهيرية في عهد الجمهورية، ثم في الحياة السياسية بعد 2003 ومواقف الحزب من انتفاضة تشرين وهي حصيلة لم تتحصل عليها كثير من الأحزاب العراقية.
