حوارات وتحقيقات

الروائي فيصل عبد الحسن لـ (الحقيقة): المكان الذي يحل فيه الكاتب العراقي هو (عراق) أيضاً

في عدد اليوم  من جريدة الحقيقة نستضيف كاتبا و روائيا عراقيا استبدل مسكنه بجواز سفر ليبحث عن منفاه في أقاصي الرباط..  لم يتأطر ضمن جوقة أو حساسية، بل أقام مساحاته الأدبية أو قل إمبراطوريته الحلمية في الحرف والنقطة.. حاضر بقوة وكثافة في مشهد الرواية و المقال العراقي كما العربي مستنداً على جملة إنجازات قدمها للثقافة العربية وهي إنجازات تستحق أن ترفع لها راية التميز في عواصم الإبداع، و من الذاتي إلى العام مسافات طفيفة قادها كاتبنا باقتدار واضح و إدراك.. الكاتب و الروائي فيصل عبد الحسن نبضت روحه في البصرة  لكنه غادر العراق عام 1995 وتنقل في عدة دول عربية من بينها الاردن وليبيا وتونس ومصر وأقام في المملكة المغربية منذ عام 1997….له ست روايات الليل والنهار، أقصى الجنوب، عراقيون أجناب، سنوات كازابلانكا، و روايتان قصيرتان: سنام الصحراء و فردوس مغلق…

و على  أثير الحنين يعانق اليوم متابعيه و جمهوره بكل شغف و محبة من خلال هذا الحوار العذب فهنيئا لنا به و هنيئا للعراق بهذه القامة الأدبية التي تنبض إبداعا و تميزا…

حوار – سناء الحافي

 
–  الكاتب فيصل عبد الحسن حللت أهلا و وطأت سهلا في دار الحقيقة و نستهل حوارنا معك عن بدايتك في عواصم الكتابة القصصية و كيف تنامت مقوماتها بداخلك في رحلة الاغتراب؟
 *كما يقال لكل حكاية بداية، وبدايات أهتمامي بكتابة القصة القصيرة تشكلت منذ أن طلب مني والدي يرحمه الله، أن ألخص قصة كل فيلم نشاهده معا، في سينمات البصرة، التي كان يصحبني إليها في الخمسينيات في فترات متباعدة.
    كما أن قصص القرآن الكريم، لا تزال تتردد في ذاكرتي بصوت هذا الأب الحنون، وهو يتلوها علي بصوته الرخيم في المساء قبل النوم، وصارت منبعاً لكل ومضة لقصة قصيرة جديدة أكتبها بعدما كبرت، وصرت أكتب قصصاً أنشرها في هذه الجريدة وتلك المجلة.
   ومعظم هذه القصص كانت بشكل ما في مجموعتي القصصية الأولى ” العروس” التي نشرت في بغداد عام 1986 وبعدها في مجموعاتي ” ربيع كاذب” 1987 ” و” جنود ” عام 1988 و” أعمامي اللصوص ” في القاهرة عام 2002 و” بستان العاشقين ” في بغداد عام 2013. تجدين في مجوعاتي القصصية شذرات من تلك القصص التي سمعتها في طفولتي وسنوات مراهقتي.
    وقد أضافت الحروب التي عشتها كجندي ” لأني كنت بعمر الجندية خلال حقبة سنوات الحرب  في وطني العراق خلال الثمانينيات والتسعينيات، وربما حملت قصص مجموعتي ” جنود ” عام 1988حكايات عديدة مما عاشه أبي أيضاً في حروب العراق في الأربعينيات.
    إضافة إلى ما عشته في الثمانينيات والتسعينيات من حروب، وكذلك أضاف تنقلي وسفري بين عواصم عربية، كعمان، القاهرة، طرابلس، تونس، الرباط، المزيد لخزانتي القصصية.
   واعطاني هذا التنقل المزيد من الرؤية البانورمية المطلة من فنارات رصد شاهقة على عذابات الناس، وما يعيشونه في يومهم، وما يعانون منه، ومعرفة حقيقة الألم الإنساني عن قرب.
– اتسعت مشاهد الغربة في حياتك  بين أبجديات القصة و جرأة المقال…،باعتقادك أين رست سفينة الانسان و الكاتب فيصل عبد الحسن في بلاد المغرب الذي تسكن تفاصيله بعض اعترافاتك القصصية؟
*أنا بين القصة والمقال، وخصوصاً العمود الصحفي لون من ألوان السرد، وأن حكمته أجواء النكتة والكاريكتير اللغوي، إلا أن كتابة الأديب للصحافة ستكون بالتأكيد متميزة بحسها الإنساني العالي، ومقدرة الأديب اللغوية المتميزة.
    وفي بعض الأحيان أريد أن أكلم الناس مباشرة من خلال عمود صحفي، لا من خلال فن القصة القصيرة، ولذلك اعمد للكتابة الصحفية، والمشكلة تكمن أني بالرغم من عيشي في المغرب منذ سنوات كثيرة إلا أنني لا أزال أعيش بروحي في العراق.
   لذلك فمعظم كتاباتي الصحفية عن العراق وهمومه، وكأنني لا أزال اعيش فيه ولم أغادره لحظة واحدة.
– هل أن فضاء الحرية الذي وجدته في المغرب العربي الأكثر قربا” لأوروبا من الشرق العربي هو الذي منحك الجرأة في الطرح؟ أم هو تحرر من الماضي قبل أن يفلت من ذاكرتك؟
*الوطن العربي كله سواء والحريات محدودة جداً فيه إلا أن هناك فروقات قليلة بين هذا البلد وذاك البلد، ولكل بلد منها خطوطه الحمراء وممنوعاته، وفوبياته، ونظرته الحذرة للمواطن والغريب.
    وهنا الصحافة المغربية حتى إذا نشروا شيئا بشأني، كما حدث قبل فترة قصيرة، حين أختارني أحد محرري جريدة المساء المغربية، كأشهر أديب أجنبي أختار المغرب ليكون لاجئاً سياسياً فيها عام 1997.
    وكانت صيغة المقال أحتفالية وغير صادقة، ولا تتحدث عن ظروفنا السيئة، وعيشتنا غير الكريمة في هذا البلد، والعنصرية التي نعامل بها، فنحرم من العمل، لأننا لسنا من أهل البلد، ولا نُمنح أي مساعدة مالية من المفوضية العليا للاجئين منذ عام 2000 وإلى اليوم.
    وكذلك كان في المقال معلومات خاطئة عني، ولم ينشروا ردي لتصحيح الخطأ الذي وقعوا فيه، فهم يخافون حتى من سطر واحد نكتبه في جرائدههم الورقية، لذلك أضطررت لنشر ردي على المقال في جريدة الزمان الدولية التي تصدر في لندن لتكذيب الكثير مما جاء حولي في المقال.
    وبالطبع هذا مخالف لأبسط حقوق الرد في الصحافة، إذ أن من المفروض أن الصحيفة التي تنشر خبراً كاذباً حول أي من كان أن تقوم بنشر رد ذلك المعني بالخبر، وتوضيح ملابساته الخاطئة، للأسف الصحافة هنا تملك شرطيها الغليظ الذاتي.
   فكل صحافي في بلداننا العربية يعيش وداخل رأسه حزمة كاملة من الممنوعات والفوبيات، وذكريات القهر، وسلب الحريات، ولا الومهم فالحكومات العربية ترى في الصحافي مخبراً مكروهاً ومداناً يريد عرض فضائح يجب أن يسكت عنها الصحفي، وإلا عدته خائناً ومارقاً يجب تأديبه .. 
   وجرأة الكاتب حين يكتب في الوطن العربي يستمدها عادة من يأسه فقط لا من شجاعته، فالحياة سوداء أمام الكاتب العربي أينما أطل بوجهه.
  ويجدها تزداد سواداً كل يوم في الوطن العربي، ومن هذا السواد يستمد الكاتب جرأته ليعبر بصدق عن مراراته وما يعيشه من خيبات..
– نبقى مع الماضي في دهاليز البصرة ….و باعتبار أن الإنسان صنيعة الماضي، إلى أي مدى ساهم الماضي في تشكلك الإبداعي؟
*أتذكر نصائح ذلك الأب – المعلم- الذي كان يوصيني حين كنا نعيش في بصرة الخير في الستينيات والسبعينيات، وهو يستمع لما دونته، أختصر ما تكتبه إلى النصف بل إلى الربع.
 ولا تتأثر بمن تقرأ لهم، كنت وقتها اقرأ لمصططفى لطفي المنفلوطي واحمد السيد، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، والرافعي، والزيات، وغيرهم، كنت في مقتبل عمري كان يقول لي أبي كن أنت دائماً، ولا تكن غيرك فيما تكتب.
   أنظر بأذنك، وأسمع بعينيك، أجعل حواسك تمارس الكتابة قبل يدك، وأترك قلمك جاهزا لكتابة أي خاطر يمر عليك.. 
 أتذكر حين كنت طفلا كنت أتعلم الحروف الهجائية الأولى من قصائد لشعراء تراثيين كبار كالمتنبي والمعري وأبي نؤاس كتبها والدي بخطه الجميل في كشكول خاص به.
    وكان لقصصه دور كبير في شحذ مخيلتي، كان يرويها لنا عن دوره كضابط صف مشاة في حرب فلسطين عام 1948 والمعارك التي خاضها هناك والجروح البليغة التي أصيب بها خلال تلك الحرب.
    وزواجه هناك من فتاة فلسطينية، خلال رقاده في بيت إحدى العائلات الفلسطينية في منطقة جنين، وحملها منه وولادتها لطفل جميل.
   ورفض زوجته الفلسطينية ترك أهلها بعد مغادرة الجيش العراقي فلسطين بعد الهدنة، كل تلك القصص خصوصاً قصة ذلك الأخ الضائع في فلسطين بقيت معلقة كراية حمراء في خيالي طوال ما عشته.
   وكونت لدي الفرن الجاهز لتحميص كل عجين قصصي جديد أعيشه في يومي، ففي كل يوم يسيل فيه دم لفلسطيني في فلسطين أشعر فيه أن دم أخ لي سال هناك لأقدمه للقارىء بعد أن ينضج كقص حداثي مغاير لما يكتبه الآخرون.
– للعراق ثقل في وجودك . وكما يقال ما التقى مثقفان عراقيان إلا والعراق ثالثهما . ثم تاتي بعده هموم الإبداع التي لا تنفصل عن أهمية البلد، برأيك هل هذا النوع من اللقاء الروحي بين المغترب و الوطن  يفسر وجود مقاربة سوسيولوجية وانثروبولجية تربط بين الكائن والمكان وتضاريسه لتحليل شخصية الانسان العراقي ؟
*في روايتي ” عراقيون أجناب ” التي صدرت في الدار البيضاء عام 1999، كما في روايتي ” سنوات كازابلانكا ” التي صدرت في بريطانيا عام 2012.
  وقبلها في روايتي القصيرتين ” سنام الصحراء ” نشرت الأولى في مجلة الأقلام العراقية عام 1984 ورواية ” فردوس مغلق ” نشرتها مجلة الطليعة الأدبية عام 1979  في بغداد تجدين العراق وحيوات العراقيين، وكفاحهم من أجل حياة أفضل.
    وبحثهم عن السعادة، في أتون فرن من تأريخ الأسى والمذابح، والظلم والتخلف، وهذا الحفر في سيميائيات الشخصية العراقية وتشكلاتها، يجعل لا هم للمبدع إلا البحث والتقصي لدى غيره من الكتاب العراقيين عن صدى لما يفكر فيه.
   وعادة يصل أكثر من كاتب عراقي لذات النتائج التي توصل لها كاتب عراقي آخر، ولذلك فليس غريباً أن يقول كل مبدع عراقي أن مانفكر فيه ككتاب عراقيين داخل العراق أو خارجه متشابه.
   والمكان الذي يحل فيه الكاتب العراقي هو ” عراق ” أيضاً، فالجسد البشري هو أيضاً ” مكان وتأريخ وسيسيلوجيا فردية وجماعية وميثلوجيا أمة كاملة”.
وكل ما يحتاجه الكاتب للكتابة عن العراق البعيد جغرافياً يستطيع أن يستمده من شخص عراقي واحد يعيش في شمال أفريقيا أو في شمال السويد.
–  بعد رياح الثورة في الوطن العربي هل تتوقع أن المثقف العراقي لايزال يخاف من ظله ، خاصة و أن السياسة كان لها دور كبير في قمع و اضطهاد المثقف العراقي داخل و خارج الوطن ؟
  *لقد عادت الدكتاتورية للأسف إلى الأقطار التي تحررت منها بأشكال وضوابط أكثر تعقيداً وأكثر شراسة وعدوانية، منها بأشكال قانونية أو حزبية.
   ومنها أيضاً أعتقادية ” دينية ” طائفية ” وسياسية ” وأجتماعية، وحزبية، وحتى بعد أن سقط النظام الدكتاتوري في العراق في 9نيسان عام 2003، وحتى الأحزاب التي جاءت لتحكم في العراق بعد النظام السابق، فهي معظمها أحزاب تنعدم في الكثير منها وبالخصوص بين قيادتها وقواعدها أية شروط لما نعرفه في الديمقراطية الغربية..
    كما ان الفكر الديني، الذي تدور في فلكه بعض الأحزاب في العراق لا يتفق مع الديمقراطية الغربية بل هو يتناقض معها تماماً، وقد قرأنا  – منذ كنا شباباً – فكر السيد محمد باقر الصدر المفكر الإسلامي الكبير يرحمه الله خصوصاً كتبه ” فلسفتنا ” و”أقتصادنا” و” البنك اللاربوي” ورأينا كيف ينظر إلى الديمقراطية، فهو يرفضها جملة وتفصيلاً، ويعتبرها جزءاً من النظام الرأسمالي المنهار. 
  وأنظري إلى التجربة المصرية وسيطرة الأخوان على مفاصل الدولة المصرية، إذ خلقوا نوعاً جديداً من الدكتاتورية أخذ يقاومها الناس مقاومة شديدة، وأنظري إلى التجربة الليبية، وكيف آلت إلى جماعات تفرض أراءها على الحكومة المركزية بقوة السلاح، وتابعي الوضع في تونس وسترين منابع جديدة لدكتاتورية سلفية لا تبشر بديمقراطية مبتغاة لأهل تونس.
– قاب قوسين : لماذا لا يستطيع المثقف العراقي النجاة من السؤال السياسي ؟
*لأن حياة ومستقبل المثقف رهينة بما يفعله وماسيفعله السياسيون من حماقات وفساد وحروب أو اعمال جيدة تعيد للعراق دوره البارز في بناء الحضارة في العالم.
–  من زاوية محايدة كيف ترى المشهد الأدبي العربي و إلى أين يتجه بعد اسقاطات الثورة والتذبذب الأمني؟
*ستؤدي إسقاطات الثورة والفوضى الأمنية إلى مرحلة أنتقالية وبعدها، حين يأخذ الحاكم الجديد وضعه ويسند نفسه بأقاربه وأحبابه، وأفراد حزبه في مناصب الدولة.
  إذ بعدها  ستبدأ مرحلة جديدة من تكميم الأفواه وشراء الذمم، للكتاب والمثقفين، أنها للأسف أزمنة الخراب العربية.. 
   أما المشهد الأدبي فهو بطيء التأثر، ولا تظهر عليه فورات الألم فوراً، فهو يحتاج إلى زمن أطول لكي نقرأ عملا ًيحكي عن مرحلة العذاب الحالية.
– الكاتب فيصل عبد الحسن… كمثقف عراقي مرتبط وجدانياً بالوطن رغم ابتعادك عنه جسدياً كيف تجسد مشاعرك إزاء ما تعرض له من حروب كيف عبرت عنهما في أعمالك الابداعية ؟ ليس بالضرورة التحدث عن الحرب والكتابة عن الحرب  بل لابد أن يكون هناك أثر ما للحربين في كتاباتك هل يمكن أن تحدثنا عن ذلك ؟
* تجدين الحروب التي مرت على العراق ومناخات هذه الحروب وتأثيراتها على الحياة في الكثير من اعمالي الروائية والقصصية أما بشكل مباشر أو غير مباشر.
تجدينها في روايتي ” أقصى الجنوب ” التي صدرت عام 1989 ببغداد، كما تجدينها في روايتي ” الليل والنهار” التي صدرت عام 1985 ببغداد، وتجدينها كذلك في بعض قصص مجموعتي ” ربيع كاذب”التي صدرت في بغداد عام 1986، والعروس 1987 الصادرة في بغداد، بينما تجدين تأثيرات الحصار المرعب الذي مر على العراقيين منذ عام 1991 وحتى 2003 في مجموعتي القصصية ” أعمامي اللصوص” التي صدرت في القاهرة عام 2002.
بينما تجدين تأثيرات ما حدث في فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 في مجموعتي القصصية الجديدة ” بستان العاشقين ” التي صدرت في بغداد عام 2013.
   أما الفترة الوسيطة من الخمسينيات للقرن الماضي وحتى نهاية السبعينيات ستجدين أرهاصات هذه الفترة التأريخية التي مرت على العراق في روايتي  ” عراقيون أجناب” التي صدرت في عام 1999 بالدار البيضاء، ووضع النظام السابق أسمي ضمن الكتاب والأدباء المرتدين بسبب صراحتها وعمقها في إدانة النظام السابق لقمعه الشعب العراقي منذ توليه السلطة في عام 1968، بينما تناولت في روايتي ” سنوات كازابلانكا” التي صدرت عام 2012 بلندن كطبعة ألكترونية، وأمل أن تنشر قريباً كطبعة ورقية، أوضاع اللاجئين العراقيين في بقاع الأرض المختلفة منذ عام 1997 وإلى ما تلا عام 2003 بسبب أنعدام للأمن في البلاد وحرب طائفية مقيتة.
– أنت متابع وقارئ جيد لابداعات مبدعين عراقيين آخرين في مجال القصة والرواية،  فما هو تقييمك لهذه الانتاجات كناقد وكمبدع في نفس الوقت ؟خاصة وان كل مبدع عراقي يعيش ظروفاً خاصة قد تكون غاية في الصعوبة تمنعه من النشر وتوصيل انتاجه إلى الآخرين يسهولة؟
*في الحقيقة لم اقرأ كثيرا مما نشر في العراق خلال التسعينيات بسبب الجدار الحديدي الذي كانت تفرضه السلطة الدكتاتورية السابقة على البلاد قبل 2003.
    أما الفترة التي تلت عام 2003 فقد قرأت لأقلام واعدة تكتب الرواية والقصة القصيرة وأمل أن أطلع قريباًعلى تجارب جديدة في الكتابة، والأمة العراقية امة ولادة للمواهب المتميزة. 
– بدأت صيحات النقاد الغربيين تروج لموت الرواية عندهم على عكس الرواية العربية التي أصبحت تشهد إقبالا كبيرا على خلق مشاهدها وفق تطورات و تنامي الأحداث المؤثرة في المشهد الأدبي …كيف ينظر الكاتب فيصل عبد الحسن  إلى هذه الصيحات و الى ارتداء البعض عباءة الرواية؟
*الرواية هي ديوان العراب الحالي، وما يحدث في الغرب لا يجد صداه قريباً عندنا، فالرواية العربية تعيش في فترة مشابهة للفترة التي عاشتها الرواية في أوربا في القرن التاسع عشر.
     زمن روايات غوستاف فلوبير، فيدور دوستيوفسكي، أنطون تيشخوف، ليوتولستوي، تورجنيف، همنغواي، سالنجر، سومرست موم، فرجينيا وولف، فولكنر، سوريان، وجيمس جويس، وغيرهم.
     ولا يزال أمام الرواية العربية قرنان من السنوات لتصل إلى المرحلة التي تمر بها الرواية الأوربية الحالية، من عسر هضم وتلبك، وشيخوخة تسبق الموت.
–  نلاحظ أن الرواية العربية  تغامر في محاولة الدخول إلى المناطق المحظورة أدبيا، أو إعلاميا، ألا وهي السياسة بمعناها المطلق”  هل باعتقادك أن وظيفة الرواية أو الكتابة عموما هي المغامرة ودخول وطرق المناطق المحظورة ؟
*السياسة صارت جزءاً حيوياً من حياة الناس، فهي تعني أيضا الأمل بالحياة الكريمة وصنع المستقبل، والوعد أيضاً بمغانمها، وبيروقراطيتها.
   ولأن العمل الأدبي لا يزال يعني بالواقعية، وأغلبه يكتب بطريقة الواقعية النقدية، فالسياسة ستكون محوراً أساسياً في معظم الكتابات الروائية وسيشغل السياسيون محاور هامة من هذه الاعمال الأدبية.
– عادة ما يكون المبدعون الجدد أو بالأحرى المعاصرين ميالون إلى التجريب والتعقيد اللغوي بينما لاحظت عندك في أغلب ما تكتبه العكس تماماً  أي الميل نحو المباشرة والبساطة والعفوية التي لاتحتمل التأويلات ولا التعقيدات، والابتعاد عن استعراض العضلات اللغوية والشكلية والتي هي برأيي أهم سمات الصدق في التعبير. فهل هذا خيار متعمد ومقصود أم هو أسلوبك الخاص الذي تستخدمه عادة ؟
*نعم أنه خيار مقصود، فقد آليت على نفسي منذ البداية، أختيار لغة الكتابة القريبة من فهم الناس.
    وقد كان خياراً صعباً جداً، وقد تدربت عليه لسنوات كثيرة حتى أستطعت بفضل من الله تعالى أن أزاوج بين البساطة والعمق، وأن أختار الأسلوب القريب من أذواق وأفهام الناس.
– من المطلق الى خصوصية الذات الابداعية… ما الذي يستفزالكاتب فيصل عبد الحسن ليكتب عادة؟ وكيف تتكون لديك الرؤية الروائية لنص جديد؟
*لقد أودع فينا الخالق تعالى حب الحق والدفاع عنه، كمسلمة غريزية، فطرنا الله تعالى عليها، لذلك استفز جدا وأحاول أن أعيد الحق إلى أصحابه بالكتابة، حالما أرى حالة من الظلم أو أعيشها بنفسي.
– أعمامي اللصوص ،عراقيون أجناب ، أقصى الجنوب …حدثنا سيدي  عن هذه الإصدارات و كيف تبلورت أحداثها مع تعدد الزمكانية فيها و إلى أين امتدت بك بعد تجسيد أحداثها على الورق؟
    تجدين تأثيرات الحصار المرعب الذي مر على العراقيين منذ عام 1991 وحتى 2003 في مجموعتي القصصية ” أعمامي اللصوص” التي صدرت في القاهرة عام 2002.
    بينما تجدين الفترة الوسيطة من الخمسينيات للقرن الماضي، وحتى نهاية السبعينيات أرهاصات هذه الفترة التأريخية التي مرت على العراق في روايتي  ” عراقيون أجناب” التي صدرت في عام 1999 بالدار البيضاء.
    وتجدين في روايتي” أقصى الجنوب” الحروب التي مرت على العراق ومناخات هذه الحروب وتأثيراتها على الحياة أما بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما تجدينه في هذه الرواية التي صدرت عام 1989 ببغداد.
–  كيف تجد النقد العراقي في تناوله لتجربتك  ؟ و ماذا عن الاعلام العراقي أيضا هل أنصفك أم ما زال مقصرا في حق نتاجاتك ؟
*النقد العراقي حائر بنفسه حالياً، فهو للأسف يبحث عن موطىء قدم في الساحة الخليجية من خلال الكتابة عن تجارب غير عراقية، لأسباب كثيرة منها ما يدور في العراق من تهميش وتقزيم للثقافة والأدب.
    وفي الحقيقة لدينا نقاد كبار، ولكن لم تتح لهم الفرص الكافية، لتقديم ما لديهم من تجارب نقدية، حول الأدب العراقي حصراً، فالعمل النقدي عمل أحترافي ينتظر من وزارة الثقافة أن تأخذ بيده وتشجعه، وتطبع كتب مبرزيه، وتكافىء بالجوائز المادية والمعنوية، لمن يستطيع أن يقدم تجربة معرفية مبتكرة حول إبداعات المبدعين العراقيين، وأن لا تترك النقاد يتحولون الى مقاولي ثقافة بأعطائهم مسؤولية صفحات ثقافية في جرائد ” رسمية وغير رسمية” رثة لا يقرأها أحد.
– ما هي مشاريعك المقبلة وماذا تفكر أن تقدم بعد, هل مازال هنالك الكثير في حقائبك  القصصية لم تقدمه للقارئ العربي بصفة عامة؟ و كلمة تختتم بها حوارنا معك لقراء جريدة الحقيقة العراقية .
*في منطقة سلا المغربية وهي من المدن الصغيرة القريبة من مدينة الرباط التي أعيش فيها منذ سنوات رايت أعداداً كبيرة من اللقالق، التي ما أن تجد مرتفعاً إلا وعششت فيه.
     وكلها تبدو لي مريضة ولا تقوى على الطيران المستمر لفترات طويلة، وسألت مختصين عن هذه الظاهرة الغريبة والفريدة.
    فعرفت منهم، أن هذه اللقالق تأتي من مناطق باردة في أوربا في فصل الشتاء لتقضي فترة ثلاثة شهور مستفيدة من الدفء في هذه المنطقة من العالم.
   وبسبب تلوث البيئة في منطقة سلا، وتلوث النهر الوحيد فيها، فإنها تصاب بمرض في العظام يشبه الجرب لدى البشر، وهذا المرض يتسبب لها بالأعياء الدائم وعدم القدرة على الطيران البعيد. لذلك تبني أعشاشها فوق المآذن، والأبراج العالية بأنتظار أن تموت وحيدة في مستقرها القسري الجديد.
    يبدو لي أني صرت واحداً من هذه اللقالق الأسيرة، المريضة، التي تنتظر الموت في مكان غير مناسب، ولم تخطط للبقاء فيه طويلاً ….هي أذن حكمة الله تعالى وقضاؤه غير المردود.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان