حوارات وتحقيقات

عاجلته المنية قبل أن ينشر حواره… الحقيقة تنفرد بنشر آخر حوار مع الشاعر الشهيد صبحي البيجواني

في عدد اليوم ننشر آخر حوار مع الشاعر والقاص الشهيد (صبحي البيجواني) حيث كانت الزميلة سناء الحافي قد حاورته قبل يومين من استشهاده لكن رصاصة طائشة كانت بانتظاره فنقلته الى السماء مضرجاً بدم الشهادة. وهذا المبدع ركّز اهتمامه على الشعر بنوعيه – الفصيح و الشعبي-…. عارفا بخباياه…واعيا بهذيانات الروح ، واصفاً الموضوعات والأساليب إلى الاهتمام أكثر بالبنيات العميقة في الشعر  التي تضجّ بالاحتمالات وأجراس القاع التي تعد بالفطرة و الموهبة ،متأثرا بوالده المرحوم المداح اسعد ملا احمد من خلال إقامته المناقب النبوية بصوته الشجي و حفظه و كتابته المدائح النبوية…الشاعر صبحي البيجواني ، من مواليد مدينة الموصل 1958، خريج الدراسة الإسلامية ، بدأ كتابة الشعر منذ بداية الثمانينيات ، و هو عضو  في الاتحاد العام للأدباء و الكتاب في نينوى و عضو الاتحاد العام للأدباء الشعبيين أيضا في نينوى، له منشورات في الصحف المحلية وعلى بعض المواقع الأدبية على الانترنت. له إصدارات أدبية وقصصية (ديوان المجالس) شعر شعبي يتضمن العتابا و الابوذية و الدارمي و الزهيري ،( حب في الظل) مجموعة شعرية من الشعر العمودي.. ومجموعة قصصية (محاريب الأسى)…

و على أثير البلاغة و الموضوعية كان لنا معه هذا الحوار فأهلا به بيننا في دار ( الحقيقة)…

حاورته – سناء الحافي

*الشاعر صبحي البيجواني نرحب بك في دار الحقيقة  و نبدأ حوارنا معك من أرض الموصل الى حدود الأدب…كيف كانت بدايتك مع القلم و برأيك من ساهم في بلورة خطابك الشعري؟

– أهلا و سهلا بدار الحقيقة هذه الدار التي تهتم بإبداع الشعراء و الأدباء و الكتــــاب و هي داخلة في مداراتهم لتسمع منهم ما يجول بخواطرهم لرفد الساحة الأدبية و الثقافية بكل ما هو راق و نافع إضافة إلى التعريف بحملة الأقلام على كافة المستويات 

ابتداء أنا من عائلة أدبية تحب الأدب و الشعر بلونيه متأثرا منذ طفولتي بالمناقب و الأذكار النبوية و التي كان يقيمها المرحوم والدي في المناسبات الدينية بالقائه و صوته الشجي و طبيعة الحال فيها من الأناشيد و الموشحات و الشعر و غير ذلك مما يدخل ضمن هذا الإطار إضافة إلى حفظ المحفوظات في دراستي الابتدائية و إلقائها في باحة المدرسة في بداية الدوام يوميا و اذكر أني حفظت في حينها ثلاثة عشر بيتا من قصيدة للشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود يقول في مطلعها : 

سأحمل روحي على راحتي    

و القي بها في مهاوي الردى

و هي قصيدة مشهورة اُعجب بالقصيدة مرشد الصف مما حدا به أن يخرجني يوميا لإلقائها، و هكذا أصبحت أحب الشعر و ابحث عنه في كل كتاب و مجلة و جريدة و سماع ، حيث أثمنت ذاكرتي و حفزت قدراتي على الكتابة في هذا المضمار ، و شجعني أيضا على ذلك والدي رحمه الله لمصاحبته حيث كان يشيد بي مفتخرا بين معارفه و أصدقائه .  

*وقوفا على عتبة انتاجك الأدبي نلتمس التعددية الإبداعية بين الشعر الفصيح و الشعبي لنجد أن لكل منهما صبغة و تفاعل خاص  ، برأيك سيدي أين تجد ذاتك الشعرية أكثر؟ 

– لا أخفي عليك سيدتي أن الاثنين أخذاني اسرح في معالمهما حتى أكاد لا افرق بينهما لشدة الولع بهما و لكني في الآونة الأخيرة أجد نفسي أميل إلى الفصحى أكثر لهيامي باللغة العربية و بلاغاتها ، و الفصحى حينما  تدخل في مسالك الشعر يكون جرسها ابلغ و نبرتها أنغم صدى و من جانب آخر يكون انتشار الفصحى إلى مدى ابعد في الوطن العربي على وجه الخصوص كونها الهوية العربية و اللغة الرسمية بالإضافة إلى تمكين ترجمتها إلى لغات العالم الأخرى ، و استحب هذا الميل لي في الفصحى كونه اخذ بيدي للتفرع بكتابة القصة 

و المقالة بعض الأحيان و بعض الحوارات ، من المؤكد هذه حوافز إضافية أخرى تجعلني أنحاز و استمتع إلى الفصحى و طرائقها ، مع التحفظ باستمراري لكتابة الشعر الشعبي ، 

و الشعر الشعبي لا يقل أهمية عن الفصيح بجمهوره المحلي و تكاد نبرته الخطابية احد و أقوى في المحافل الأدبية و تأثيره أوضح على المستوى المحلي لدخوله مباشرة إلى فهم المتلقي من أصناف المثقفين و غيرهم و فيه من الحماس و الدربة ما يشدك إليه أكثر و لكنه يبقى في حدود مقيدة من الانتشار و ذلك لاختلاف اللهجات الدارجة من بلد لآخر . 

*من ديوان المجالس إلى حب في الظل … تحولات كثيرة في حياتك  الشعرية ، اين امتدت بك في ظل ارهاصات الحياة و البحث عن الجديد في المبنى و المعنى ؟

– تحولات لا بد منها و اقترابا إلى القول المشهور ( لكل مقام مقال ) عندما نحب نكتب عن الحب و عندما نحزن نكتب عن الحزن و هكذا نعيش في أجواء الحدث .

أما فيما يخص المبنى و المعنى أجد نفسي متواضعا في هذه القدرات و الإمكانات و أرى الكثير يستحسنها مني و لكني أخشى أن تكون من باب المجاملة لأنني أجدها طاغية فينا هذه المجاملات التي لا تحبذ حقيقة لو كنا جديين و نبحث عن الارتقاء بما نكتب لخدمة الكلمة 

و المجتمع ، و قد تستغربين لاجابتي هذه و هذا واقع حال نعيشه . 

*محاريب الأسى ..مجموعة قصصية صدرت لك ، حدثنا عن تجلياتها و عن تجربتك في عالم القصة و ماذا باعتقادك أضافت لمنجزك الأدبي باعتبارها تجربة تستحق الإشادة بها؟

– إنها فكرة مفاجأة حدثت لي للغوص في هذا العباب ، كنت قد كتبت بعض القصص القصيرة جدا و لا ادري كيف دفعني القدر لأكتب هذه المجموعة التي لم تأخذ مني وقتا طويلا و خرجت إلى الضوء بهذه السرعة .

لم تكن القصة تصب في مجمل اهتماماتي الأدبية ، فلتكن محاولة و تجربة أتعرف من خلالها على هذه الإمكانية و مدى استحسانها من المتلقي و القارئ ، فكانت هذه المجموعة المتواضعة و التي لاقت الاستحسان من الكثير ، و كانت من الواقع الذي نعيشه مع بعض المسحات التي أضفتها لتشويق و شد القارئ لها .

لا شك أنها أضافت لي في هذا المنحى الولوج في عالم القصة و معرفة أسرارها و مكوناتها من خلال مطالعتي للقصص و الروايات الأخرى و التمعن فيها بيد أني كنت سابقا بشكل اعتيادي أمر بمفرداتها و بلاغتها مرور الكرام من غير التمحص و الغور في دهاليزها ، إضافة إلى انه الأدب بصورة عامة متداخل في بعضه ربما ينتقي الشاعر من بعض القصص صوره الشعرية و يحدث العكس أيضا و هكذا يعد وفرا مضافا إلى انجازي الأدبي بامتداداته و جهد مثمر اعتز به . 

*المنفى…الحرب…المرأة…، عواصم على الكاتب العراقي أن يطأ عواصمها بإدراك أوبغير ادراك،الشاعر صبحي البيجواني…أين ترسو سفينتك بين هذه العواصم حاليا؟

– هذه العواصم كلها نحن العراقيون مررنا بها و أنا و غيري ممن أطال الرسو في مراسيها و كل عاصمة منها لها خواصها و هل يخلو احدنا من الوقوف فيها ، و لكن تبقى المرأة تأخذ الحيز الأكبر و السهم الأوفر من هذا الرسو و للكتاب بالذات ، نعم تشغلنا هذه التعريفات و تأخذ من وقتنا و أحاسيسنـــــــــا 

و مشاعرنا الكثير حيث أصبحت ملازمة للفرد العربي و العراقي بالذات لما مر به من أحداث و تقلبات تبعا للظروف التي يمر بها العالم العربي ، و كلها مواضيع ناضجة لا بد من الوقوف عليها و استلهام الواقع و المجريات التي أحاطت بنا من خضمها ، قطعا تبقى المرأة هي الملازمة للحياة و هي الأوفر حظا بتداخلها في هذه الإجهاضات ، و لاشك أنها الأم و الزوجة و الحبيبة و الأخت و البنت ، فلا تتغيب عن الفكر في كل الأحوال ، و من الطبيعي في كل فنون الحياة و أول فورة الشباب نبدأ بالتغزل في المرأة كأن يكون المبدع رساما أو نحاتا أو أديبا أو موسيقيا و غير ذلك ، فالمرأة هذه الملاك المناصفة للرجل لقطع هذه المسافة من مسيرة الحياة و التي تشاركه في خير الدنيا و شرها ، و ثم هي الأم التي يحنو قلبها على أولادها و تضحي بالغالي و النفيس من اجلهم و هي الأخت التي تجد في الرجل الأخ المآزر لحمايتها و الغيرة عليها و إلى آخره مما أجدني لا أضيف جديدا على ذلك كما هو معروف ، لذلك تبقى المرأة هي صاحبة السهم الأوفر  لرسو سفينتي بهذه العاصمة.

*نرحل بك من الخاص الى المطلق للغوص في بعض قضايا الشعر …و نقف بك عند عتبة النقد، من وجهة نظرك كيف تصف لنا المشهد الثقافي العربي و العراقي بصفة خاصة مع طفرة النص النقدي ؟ و بما تحكم على مجمل النقد الموجه لمنجزك الشعري؟

– بحكم التأخر الذي نعانيه على المستوى الثقافي عموما و نحن نعيش هذه المأساة في وطننا العربي و العراق بصفة خاصة جراء الحروب و الانتفاضات و التعارض مع السلطات ، كان علينا أن نفرز إبداعا أوفر ، و الأجدى بأن يكون عادلا و منصفا لا يشوبه الغبــــــار 

و بعيدا عن الانحياز و الممطالة لخدمة الأمة و الوطن ، و لكن التيار جرى عكس المطلوب فلا نرى حراكا ثقافيا يصب في المصلحة العامة إلا نادرا ، و للأسف نرى الانجرار و التحيز لفئة ما دون أخرى و على حساب فئة أو فئات أخرى و هلم جرا لما هو معروف و ليس من الحاجة أن يذكر .  

و لكي نغوص للكشف عن أغوار النصوص الأدبية كيف لنا أن نقف على عتبة النقد مع طفرة النصوص النقدية و التي أصبحنا في متاهات بصحاريها القاحلة من خمائلها الوارفة و قد ضاع علينا الغث و السمين.

و فيما يخص منجزي الشعري أجد نفسي متناغما مع مجمل ما يحمله النقد الموجه لمنجزي الشعري بالرغم من قلته و لا يزعجني ذلك و اعتقد أنني استفدت كثيرا من هذا الخصوص ، رغم أني لم أتلق النقد من نقاد محترفين باستثناء شيخنا الكبير شيخ القصاصين في الموصل الفذ أنور عبد العزيز حيث وضع لي النقاط على الحروف 

و أنار لي الطريق بكل صدق و أمانة و أنا اعتز بما أملاه علي خلال تعرفي عليه مباشرة بفترة وجيزة .    

*هل ترى أن النقد العراقي كان عدوا للشاعر العراقي بحيث أنه لم يتعب نفسه في فحص هذا التراث بقدر ما كان معارضا له؟ و من المسؤول من وجهة نظرك في خلق هذه الفجوة بينهما ؟

– لم يكن النقد العراقي بالمستوى المطلوب و يكاد أن يكون غائبا عن الساحة ألا ببعض الإشراقات التي لا توازي الكم الهائل الذي نراه من غير غربلة ، و غالبا ما يكون من أقلام ليس لها علاقة بالنقد تشكل كابوسا مقلقا على الثقافة و الأدب ، و من الواجب أن يكون النقد بأقلام محترفيه ممن لهم الباع الطويل في هذا المضمار ، ليكون كالماء لحاجة الزرع المتعطش كي تكون ثمار الجهد الثقافي على أوج نضجها لذلك اعتقد انه يكون عدوا للمثقف العراقي عندما يكون بيد غير محترفيه و يجرهم إلى الهاوية من غير شعور كأن يكون مجاملا أو متملقا ، و أيضا عندما يكون محترف النقد لا يعطي رأيه بتمحص و كفاءة و لا يتعب نفسه بالغور في خفايا المثقف و مكنوناته ، و ناهيك عن نوايا الناقد و اتجاهاته ، و إن كان معارضا لهذا التراث أو هذا عليه أن يكتب بجدية للتصحيح و ليس الاعتراض فحسب إمعانا بالرقي إلى المستوى المطلوب الذي يجدي نفعه و يبعد ضرره ، و بما يخص المسؤولية ، لذلك أجد برأيي أننا المثقفون ككل بصورة عامة معنيين بالمسؤولية تجاه هذا الموضوع 

و صاحب الاختصاص بالدرجة الأولى .

* ختاما ….ما هي مشاريعك المقبلة وماذا تفكر أن تقدم بعد, هل مازال هنالك الكثير في حقائبك  الابداعية لم تقدمه للقارئ العربي بصفة عامة؟ و كلمة تختتم بها حوارنا معك لقراء جريدة الحقيقة.

– أنا بصدد تحضير مجموعة شعرية لإصدارها  تتجاوز المائة صفحة ربما أسميتها  (تداعيات مريرة )  عنوان إحدى قصائدي التفعيلية و غالبيتها من الشعر العمودي الفصيح إضافة إلى قصائد أخرى من التفعيلة أملي أن تكون أفضل من سابقتها ( حب في الظل ) لا توجد لدي مشاريع مقبلة بقدر ما لدي من مجاميع من الشعر الشعبي لم ترى النور بعد اعمل على ترتيبها و تهيئتها للطبع بمختلف ألوان هذا الشعر .

ختاما اشكر هذه الدار دار الحقيقة العراقية و كادرها كل الشكر و أشكرك سيدتي على مبادرتك بهذا الحوار معي و اهتمامك الجاد بالأدب و الثقافة كما أتمنى أن أكون قد وفقت بالإجابة على أسئلتكم و نالت رضاكم و أنا أقدم لكم كمي المتواضع من درايتي و تقبلوا مني خالص الود و التقدير .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان