حوارات وتحقيقات

بعد انضمام العراق الى اتفاقية الأمم المتحدة … هل يتلقى المعاق العراقي اهتماما حقيقيا أم شكليا؟!

يحار البعض في تسمية الاشخاص الذين لديهم نقص في قدراتهم العقلية والبدنية بين ان يطلق عليهم تسمية (المعاقين ) او (ذوي الاحتياجات الخاصة ) ، لكن دخول العراق في اتفاقية الامم المتحدة الاخيرة التي انضم اليها العراق رسميا في عام 2013 اوجب تسميتهم بـ(ذوي الاعاقة) بعد الاتفاق على ذلك …كيف ينظر المجتمع الى هذه الشريحة الآخذة بالتزايد ،وماالذي اضافه لها انضمام العراق الى الاتفاقية الاممية ؟

الحقيقة / عدوية الهلالي 

نظرة قاصرة 

فقد (صباح ) بصره في انفجار عبوة ناسفة وعاش سنوات من الألم والعذاب حتى اعتاد حالته الخاصة وحين فقد الامل تماما في عودة بصره اليه ، بدأ يبحث عن حلول تعوضه النقص الكبير كالزواج والعمل المناسب لوضعه الجديد ..بعد بحث طويل وطلبات متكررة لفتيات يرفضن الارتباط برجل معاق عثر على فتاة مناسبة وجدت في الموافقة عليه مكسبا كبيرا فهو يملك اكثر مما يملكه العديد من الاشخاص الاسوياء ..انه قوي الارادة ، يتصرف بضمير وانسانية مع الآخرين ويرفض الاستسلام للعجز ..كما انه يملك المال والسكن الجيد والمظهر الحسن ويمكنه مساعدة شقيقه في ادارة مشروع الدواجن الذي يملكانه ..بعد قبولها به ..استغرب معارفه قبول فتاة لاينقصها شيء به ..

من جهتها ، واجهت (فاتن ) موجة غيرة وحسد شديدتين من قريباتها وجاراتها لأن رجلا تقدم ليطلبها للزواج رغم انها تعاني من شلل الاطفال وتعاني من صعوبة في السير منذ صغرها .. لم ينظر المجتمع في الحالتين السابقتين الى مزايا صباح او فاتن كأن يملك صباح كل امكانيات الزوج الناجح وتملك فاتن الشهادة الجامعية والعمل الوظيفي المتميز والشخصية القوية ..لقد نظر الناس دون شك لعوقهم فقط واستكثروا عليهم التمتع بمكاسب الشخص السوي .

يضع الباحث النفسي الدكتور علي العزي مقارنة بين نظرة المجتمع للمعاقين ونظرة العلم لهم فيقول ان تسمية المعاقين جاءت من وجود المعاقين في عالم (معيق) يعزلهم عن المجتمع الذي يصعب عليه التعامل معهم غالبا دون تمييز مايؤثر على نفسيتهم اما تسمية ذوي الاحتياجات الخاصة فجاءت على اساس نظرة طبية رعائية لكونهم يحتاجون الى الرعاية الطبية والتاهيل وتطلق التسمية ايضا على كبار السن والايتام والارامل والمرضى الذين يحتاجون الى رعاية لاكمال مسيرتهم في الحياة 

باختصار فإن تسمية (الاحتياجات الخاصة) تصف الشخص المعاق بالعاجز و المريض وغير القادر على التعامل مع المجتمع ويحتاج للرعاية فقط ، بينما التسمية (ذوي الاعاقة) تركز على جعل البيئة المحيطة ملائمة لكل من في المجتمع و ازالة كل العوائق المجتمعية من امامهم ليمارسوا دورهم في المجتمع كجزء من حقهم الطبيعي بعيدا عن مفهوم الرعاية و العناية لان المجتمع هو من يعيقهم…

وتنتقد مكارم علي /مديرة دار الحنان لشديدي العوق التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية نظرة المجتمع القاصرة للمعاقين فهي والعاملين معها يتعاملون مع مرضى التخلف العقلي الذين تأويهم الدار وترعاهم صحيا وانسانيا بالدرجة الاولى بتوفير المأكل والملبس والعلاج الطبيعي اضافة الى الترفيه والتعليم لمن يعاني من تخلف بسيط ويمكنه استيعاب ذلك ، لكنها تستغرب تعامل اهالي المعاقين معهم فهم يتركونهم في الدار ولايسألون عنهم ابدا او يزورونهم في فترات متباعدة جدا مايزيد من معاناتهم فهم يشعرون بحنان الآخرين ويحتاجون اليه وتعزو مديرة الدار ذلك لقلة صلة الرحم في هذه الظروف التي نعيشها او شعور البعض بأن المعاق عبء على حياته حتى وان كان ينتمي اليه !

هيئة مستقلة .. وقانون للإعاقة 

من اجل ماسبق ، خصصت الامم المتحدة يوم الثالث من كانون الاول لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة بهدف زيادة الفهم لقضايا الاعاقة وضمان حقوق المعاقين فضلا عن زيادة الوعي في ادخال اشخاص لديهم اعاقات في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية ..

الدكتور علي ابو الشون مدير عام دائرة التربية البدنية والرياضة في وزارة الشباب والرياضة اشار الى اهتمام الوزارة بهذه الشريحة خاصة وان المعاقين حققوا نتائج رياضية مبهرة لبلدهم عجز عن تحقيقها الرياضيون الاصحاء فقد تم تشكيل منتخبات وفرق من المعاقين لالعاب مختلفة واقيمت لهم مراكزتدريبية ، وتم الاحتفاء مؤخرا بابطال البارالمبية في احتفالية تكريمية اقامتها الوزارة لهم بمناسبة اليوم العالمي للمعاقين تحت شعار (سأبهر الدنيا بقوتي ..متحديا اعاقتي ) …

من جهته ، اكد علي مرشد مديرقسم الورش والجمعيات التعاونية للمعاقين عل اهتمام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بشريحة المعاقين مشيرا الى ان العراق كان الدولة الاولى في خدمة المعاقين في سنوات الثمانينيات وكانت الدول الخليجية تستعين بالخبرات العراقية لكن ظروف الحروب والحصار أثرت على امكانياته كثيرا ..مع ذلك ، حقق العراق خطوة رائعة في هذا المجال بانضمامه الى اتفاقية الامم المتحدة –حسب مرشد – لأنها تشمل كافة حقوق المعاق في التعليم والتربية والتمكين ، وتنفيذا لهذه الاتفاقية ، شكلت الحكومة العراقية هيئة خاصة للمعاقين ذات هيكيلية مستقلة يرأسها وزير العمل وتضم 13 هيئة وزارية كما تضم سبعة اشخاص يمثل كل منهم نوعا من الاعاقة وفيها خبراء واطباء متخصصين ..

ويؤكد مرشد على ان للهيئة ميزانيتها الخاصة ويجب ان تقدم للمعاق كل مايسهل معيشته وعمله وفي كل سنتين تقدم الهيئة تقريرا بأعداد المعاقين وماذا قدمت لهم الهيئة لأن الحكومة العراقية ملزمة حاليا برعايتهم مادام العراق طرفا في الاتفاقية وخاصة بعد اقرار قانون الاعاقة الذي اقترحه مجلس الوزراء من قبل مجلس النواب..

ويعترض المحامي والناشط في مجال حقوق الانسان علي صبار على هذا القانون لأنه يتناقض مع الاتفاقية الدولية في رعاية المعاقين وتاهيلهم ويعمل على ترسيخ الصورة النمطية للأشخاص ذوي الاعاقة وتاكيد عدم اهليتهم وابقائهم في دائرة الرعاية كنوع من التفضل الزائف عليهم ودون الزام الحكومة بأية التزامات قانونية محددة تساعد على انتشالهم من ظروفهم الصعبة ..

ويشدد صبار على ضرورة الالتزام ببنود الاتفاقية الدولية لأن القانون جاء بعدها ويجب اخضاعه لها لاالعكس فهو التفاف واضح لجعل القانون انجازا حكوميا بينما الاتفاقية هي الانجاز الاكبر لأنها اول معاهدة شاملة لحقوق الانسان في القرن الحادي والعشرين وتضم 170 دولة وتدعو الى التكافؤ التام لذوي الاعاقة مع غيرهم ولن يتم ذلك الا من خلال تشريعات واضحة تتعامل معهم كأشخاص كاملي الاهلية والكفاءة ..ولايقر صبار ايضا ربط الهيئة المستقلة لرعاية ذوي الاعاقة بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية ليحصل المعاق على راتب الرعاية الذي لايسد رمقه فقط خاصة وان هناك تفاوت كبير في حالات العوق وهناك حالات عجز تحتاج الى عناية صحية مستمرة كما يحتاج بعض المعاقين الى معين متفرغ وهو ماكان معمولا به قبل عام 2003 اذ كانت هناك (منحة المعينة ) التي تبلغ خمسين الف دينار وتلبي حاجة المعين والمعاق آنذاك لكنها الغيت الان دون اسباب مقنعة ..

ويعود علي مرشد مدير الورش والجمعيات التعاونية في وزارة العمل ليؤكد على قيام الوزارة بواجبها كاملا تجاه المعاقين فاصحاب العوق البدني يكملون مدارسهم الخاصة ثم يحق لهم الالتحاق بالمدارس العادية ويجري معادلة شهاداتهم الدارسية داعيا وزارة التخطيط الى اجراءاحصائية سنوية للمعاقين بسبب تزايد اعدادهم ولكي تهتم الدولة باكبر عدد منهم وتعيد تاهيل من اصيب باعاقة مؤخرا من الموظفين ليواصل عمله ويشعر بقيمته بدلا من معاملته كمعاق ..

ويشيرمرشد الى سعي الدولة الى تقليص ظاهرة العوق ابتداء من الولادة بالكشف المبكر عنه وحتى رعاية المعاقين بدنيا وعقليا عن طريق تاهيلهم وزج القادرين منهم على العمل في ورشات نجارة وخياطة داعيا الوزارات الى التجاوب معهم ليحصلوا على اجور لقاء عملهم بشراء الاعلام العراقية او شراشف المستشفيات التي يخيطونها او الاثاث الجيد الذي يصنعونه ..

وتعتبر الامم المتحدة وصف (ذوي الاحتياجات الخاصة) ثقيلا ويحمل نوعا من التمييز فتحاول جهدها استبداله بتسمية ( ذوي الاعاقة ) لكن مايحدث في العراق ليس التمييز بين التسميتين فالامر لايثير اهتمام المعاقين لأن مايهمهم هو التمييز بين درجات اعاقتهم والمساواة بينهم في الرواتب الضئيلة والرعاية المحدودة لأن هذه المساواة قد تفقد المعاقين الذين هم بأمس الحاجة الى رعاية طبية ونفسية ومعاملة خاصة حقوقا تناسب حالاتهم التي تعيقهم عن ممارسة حياتهم الطبيعية. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان