تحقيق – سناء الحافي
كثيرة هي القضايا التي يفرزها واقعنا الاجتماعي و تكون عصارة للظروف و الارهاصات الاجتماعية و الاقتصادية التي يمرّ بها المواطن العربي، وكثيرة هي الأمراض التي لا تزال جراثيمها تسري في الجسد الأسرى لتترك فيه بصمات غائرة وأثراً سلبياً على قوة وسلامة هذا الجسد في الوقت الذي يجب ان يتمتع بالمناعة والحصانة والصحة حتى يظل قائماً صلبا يؤدي دوره ووظيفته على احسن وجه ممكن هنا لابد من تنظيم حملات توعية من خلال وسائل الإعلام والمحاضرات والندوات مع علماء وأهل الاختصاص في الدين وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التربية، وتوضيح أخطار وأضرار العنف بصفة عامة وتقديم طرق معالجته على أسس علمية ومنهجية، و يعدّ العنف الأسري من ابرز القضايا التي تكسر حاجز الصمت لدى الطرفين و يصبح تاثيره واضحا من خلال الانعكاسات على نفسية الزوجين و الأطفال ايضا،و يعتبر العنف لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع والآخرين حيث يحس الإنسان بالعجز عن إيصال صوته والاعتراف بكيانه وقيمته ، ويدخل ضمنه تعريف العنف بمفهومه الشامل العنف الجسدي والعنف اللفظي والنفسي والعنف الجنسي.
براعة المرأة في العنف النفسي
و اللفظي ….
وإذا كان الرجل بارعاً ويتقن أسلوب العنف الأول الجسدي إلا ان المرأة اكثر براعة في العنف النفسي واللفظي وهي عادة ما تكسب الجولة في هذين النوعين مما قد يؤدي في معظم الحالات إلى عنف معاكس من قبل الأزواج . وقد سمعنا أو قرأْنا عبر الصحف والمجلات عن بعض الحالات والقصص من هنا وهناك عن زوجات مارسن أسلوب الضرب بحق أزواجهن مستخدمات بذلك أسلحة مثل الأحذية أو أدوات حادة أو الماء المغلي وغيرها من أسلحة الضرب! وفي هذا التحقيق ارتأينا الى طرح هذه الظاهرةالتي أصبحت تمثل وجها آخر للمرأة عندما تسقط منها شروط الأنوثة لتمارس دورها القيادي في فرض الذات و الرأي بأسلوب عكس الصورة التقليدية للقوة و السلطة ،و انعكاسات هذه الظاهرة على بنية المجتمع التي رحل فيه ( سي السيد) و لم يعد !!
وإذا كان الأمر كذلك فما هي أسباب وأساليب الاضطهاد والظلم الذي تمارسه الزوجة بحق زوجها ؟ وما هي أشكال وصور الظلم الواقعة على الرجل ؟ وما هي النظرة الاجتماعية تجاه رجال معنفين او مضطهدين ، بل كيف ينظر المجتمع لزوجات من هذا النوع؟
وإذا كان هناك في بعض الأحيان عنفٌ متبادل بين الزوجين فأي عنف تمارسه المرأة بحق زوجها وتكون فيه هي الأقوى ؟
سلوكيات العنف ضد الرجال … بدون حرج !!
تتعدد أشكال العنف ودرجاته بين الزوجين .. ولا يقتصر العنف بشكل عام على العنف الجسدي ؛ فالزوجة قد تمارس العنف ضد زوجها بأشكال مختلفة وبأسلوب اشد من أسلوب الضرب العادي ، والقصص كثيرة والأمثلة منتشرة
وأخف هذه الأشكال تقطيب الحاجبين وعدم الاستحسان لكلمة أو فعل من الزوج أو الزوجة تجاه شريكته أو شريكها .. والمخالفة في الرأي حول موضوع معين .. والتهكم والممازحة الثقيلة .. والتأجيل والتسويف والمماطلة لفعل ما يطلبه الشريك الزوجي او يرغب فيه ، وأيضا النسيان وعدم الانتباه لما يرضي الشريك ، وكل ذلك من السلوكيات اليومية غير المقبولة عموما والتي تزعج الطرف الآخر وتثير غضبه او انزعاجه
وأشكال العنف الزوجي الأكثر شدة تتضمن رفع الصوت واشتداد حدته ثم السخرية والتعيير والسباب والشتائم ، وهي جميعها أشكال من السلوك العدواني والأذى يقوم به احد الطرفين ويستدعي الدفاع او الهجوم المعاكس من الطرف الآخر
والعنف الجسدي يعتبر اشد درجات العنف ، وهو خطر ويشمل البصق والقرص والعض وغرز الأظافر في جسد الآخر ، والصفع والدفع وتوجيه الضربات واللكمات بالأيدي والأرجل ، ورمي وقذف أشياء مختلفة تجاه الآخر ، والتهديد باستعمال الأدوات الحادة وغير الحادة او استعمالها ومحاولات الخنق والقتل وغير ذلك..كما أن خروج المرأة للعمل وشعورها بالاستقلال الاقتصادى، يقلل ميلها لقبول ولاية وقوامة الرجل عليها
فضلا عن اقتحام المرأة مجالات عمل تتصف بالعنف لم تكن موجودة بيننا من قبل، الملاكمة والمصارعة وكرة القدم وغيرها، وانتشار دعاوى تحرير المرأة و مناصرة المرأة ضد ظلم الرجل، مما جعل نساء كثيرات مستعدات لمواجهة هيمنة الرجل بالعنف، وانتشار دعوات تحرير المرأة عبر وسائل الإعلام، مما يؤدي إلى تعبئة شعور البعض ضد الرجال
التعنيف الأسري و رأي الشرع
لا يجيز الإسلام العنف، وحتى ضرب الزوجات المريضات الناشزات لا ينبغي أن يدخل في دائرة العنف؛ لأنه فعل رمزي غير مؤثر جسديا، ولا يستخدم مع أية امرأة عند أي خلاف، بل يستخدم كحل أخير مع نوع لا تجدي معه كل أنواع الحلول!
قال تعالى
: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرا)
ومثل هذا الإجراء لا يتخذ إلا مع هذا النوع من الزوجات اللاتي لا يستجبن إلا له ولا يجدى معهن أى إجراء آخر
قد وضح لنا كيف يُتّبَعُ مثل هذا الإجراء .. الضرب على أنه ينبغى التنبيه على أن الرسول
هذا الضرب بشروط : تمنع أن يكون للقهر والإجبار ، وتمنع أن يكون للإهانة والإذلال، وتمنع أن يكون فلم يرو عنه قط أنه ضرب أو نهر زوجة من زوجاته، وبذلك فعلى الزوجين ان يستجيبا لبواعث الصلح ودواعي الاستمرار ويطردا من داخلهما هواجس الخصومة والشقاق ؛ فالصلح على الإطلاق خير من الفرق والطلاق
وإذا كان من السماء الملازمة للنفس الإنسانية .. سمة البخل بمعناه الواسع .. البخل بالأموال .. والبخل بالعواطف والأحاسيس .. والبخل بأي نوع من أنواع الماديات أو المعنويات عامة . فأن على الأزواج المؤمنون أن يتعالوا عن هذه السمة قدر وسعهم ، ويستجيبوا لنداء الإحساس ولهتاف التقوى في أنفسهم ؛ فيحسنوا الصحية والعشرة ، ويتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض في حق المرأة كما نصّ و سنّ الدين الحنيف …..
الدراسات تحذر من ارتفاع معدل عنف النساء ضد الرجال !!
تزايدت جرائم العنف الاسري ضد الرجال في مجتمعاتنا العربية حيث أوردت إحصائيات تعود للعام الماضي تتضمن قتل عشرة رجال من قبل زوجاتهم، وتسجيل 55 حالة انتحار لرجال بسبب ما يعتقد أنه ضغوط من قبل نساء، وحالات تعذيب جسدي طالت تسعة رجال، و39 خيانة زوجية، و12 حالة طرد للرجال من بيوتهم، و62 حالة تدخل في شؤون الحياة الزوجية، و61 حالة حجز لأطفال من قبل نساء”.
اذ كشفت الدراسات أن عمليات القتل والإيذاء الجسدي تراوحت بين حالات “حرق وخنق وقتل بالرصاص”، و أن الإحصائيات السابقة هي فقط ما تم الإبلاغ عنه، لكنه يعتقد أن هناك حالات أخرى لم يجر الكشف عنها لأسباب مختلفة من أبرزها الخشية من النظرة الاجتماعية للرجل الضحية.
كما اوضحت دراسة ميدانية للمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في الأمم المتحدة ان نحو 30 % من الزوجات العربيات يمارسن العنف مع ازواجهن، واستندت الارقام على احصائيات شملت البلاغات التي تلقتها اقسام الشرطة والمستشفيات والقضايا التي تنظرها المحاكم، وانتهت بتعرض الازواج للبطش من زوجاتهم، واشارت نتائج الدراسة الى ان 65 % من الزوجات من مرتكبات جرائم العنف ضد ازواجهن ارجعن ذلك لاسباب تتعلق بغيرتهن الشديدة عليهم. اما 45 % منهن فارجعن ذلك إلى البخل والحرص الشديد على اموالهم.حيث تم تسجيل عدة حالات من ضرب النساء لرجالهن، فضلا عن حالات التعذيب وصب الزيت الساخن.
الرجل العربي أكثر خوفا من زوجته …
وفي العالم العربي فان الذعر من شريكة الحياة حقيقة لا يمكن انكاره، وعلى الرغم من عدم وجود بيانات احصائية دقيقة حول حجم الظاهرة، الا ان الدراسات العلمية تؤكد ان حجم هذه الظاهرة اكبر من مقدارها في الغرب، ويعود ذلك الى ان العلاقات الزوجية هناك تقوم اساسا على التفاهم والحب المشترك، وادارة شؤون الاسرة بطريقة ديموقراطية وتوزيع الادوار والمهام بين الطرفين. لكن الامر في الدول العربية يختلف بعض الشيء، فالرجل هو صاحب الامر في معظم الاسر ولا يوجد تبادل للسلطات بين شريكي الحياة، فنتج عن ذلك محاولة بعض النساء الانقلاب عن هذا النمط السائد في ادارة الاسرة، وبالطبع فان اول خطوة لتحقيق ذلك هي جعل الازواج يخافون منهن ويخشون بأسهن.وقد يصل الرعب لدى الرجل العربي في بعض الاحيان الى حد الانسحاق امام شريكة حياته، وقبوله ما تفعله من دون مناقشة حتى لو وصل الامر الى الاعتداء عليه وضربه، وقد كشفت دراسة اجراها المركز للبحوث الاجتماعية في احدى الدول العربيةان 18 % من الرجال يتعرضون للضرب من زوجاتهم، وقد كانت هذه النتيجة مفاجأة للباحثين انفسهم، وهي بالطبع مؤشر واضح على أن حجم خوف الأزواج من النساء كبير جدا وليس له حدود.
بين علم النفس و الاجتماع …..دوافع و انعكاسات !!
كما أوضحت الدراسات النفسية أن الأزواج الذين يخافون زوجاتهم يصابون في نهاية المطاف بالاكتئاب حيث ان رعب الزوج من زوجته حقيقة يجب الاعتراف بها وعدم انكارها بل مواجهتها إذ إنها ظاهرة تنتشر في الوطن العربي. ونتيجة لذلك يصاب الأزواج باكتئاب شديد وقلق نفسي وتوتر طويل الأمد، لأن كل واحد منهم في أعماق نفسه غير راض عن وضعه، في الوقت نفسه عاجز عن تغيير الوضع، لأسباب عديدة، مما يؤدي الى ابتعادهم عن الناس، فهم لا يخرجون سوى مع أفراد اسرتهم، يقاطعون اصحابهم ولا يخالطونهم إلا في العمل، وينسون حياتهم الاجتماعية المتعلقة بذاتهم فلا خصوصية لهم، يصبحون كتابا مفتوحا لزوجاتهم، يعرفن كل اسرارهم، بل لا تكون لهم اسرارهم أو حياتهم الخاصة، وهذا يؤلمهم لأن الزواج يحترم الخصوصية، ولكن طاعتهم العمياء لزوجاتهم ألغت هذه الخصوصية.ونتيجة لضعف شخصيتهم وعدم مقدرتهم على تغيير الحال قد يستسلمون لزوجاتهم المتجبرات المتسلطات، وقد يصابون في أحيان كثيرة بالصداع الدائم، حتى إن استخدموا المسكنات فإن حالتهم لا تتحسن لأن الأسباب مازالت موجودة والخوف قد سكن قلوبهم من زوجاتهم، لذلك فهم بحاجة الى استشارة نفسية تريحهم وتأخذ بأيديهم حتى يصلوا إلى ما يريدون متغلبين على الصعاب…
من جهته رأى أستاذ تاريخ الاجتماع في الجامعة الإسلامية محمد الصبحي، أن منتجات وسائل الإعلام شاركت بشكل كبير في زرع النظرة السلبية من المرأة لزوجها، حيث تبث نصوصاً إعلامية تحث على العنف، بل وتجعله من الطرق المشروعة في بعض الأحيان، مشيرا إلى أن المرأة بطبيعتها الأنثوية لا تلجأ إلى العنف في الغالب حتى مع الأعداء، فما بالكم بالزوج
وأشار إلى أن التاريخ الإسلامي مليء بملايين النساء اللاتي تزوج عليهن أزواجهن، ولكنه لا يحكي لنا أمثال هذه التصرفات البشعة، فمن الجائز أن تحصل عند المرأة غيرة لكنها لا تصل إلى ما وصلت إليه هذه التصرفات البشعة التي يقوم بها بعض النساء في الوقت الحال
ورأى الصبحي أن الطريقة المثلى لحل هذه الممارسات وتفادي انتشارها وتحولها إلى ظاهرة، تكون في بحث الأسباب بدقة من قبل مختصين ودراسة هذه الحالات، ومن ثم تصدر التوصيات من قبل الدارسين
ولعل من أعظم أسباب تفادي انتشار مثل هذه التصرفات هو نبذ منتجات الإعلام التي تصور بعض تشريعات الإسلام بصور غير لائقة ،ورأى الكاتب نجيب الزامل، أن العادات تؤثر بشكل كبير على المرأة في عصرنا الحالي، فالمرأة المسلمة تختلف عاداتها وطريقة عيشها من بلد إلى بلد، وما يحدث الآن من عنف ربما هو النتيجة الحتمية لتسيب وبطش الرجال واستغلال المرأة في بعض الأوقات، معلقاً على المثل الشهير: “البنت من بيت أبوها إلى بيت زوجها ثم إلى المقبرة” ما جعل المرأة كالأداة في المنزل ليس لها الحق في أن تتحرك أو تلفظ أو حتى تغضب من زوجها
وأشار إلى ما وصفه بـ “الإرث الثقيل” في تحقير المرأة، والفهم الخاطئ للدين الإسلامي، وهما من أهم أسباب عنف النساء بالرغم من أن الدين الإسلامي قدم المرأة على الرجل في أشياء عدة، إلا أننا لا نزال نعتبرها في المؤخرة، مؤكداً أننا إذا بحثنا في حالات العنف من المرأة تجاه الرجل سنجد أن سببها هو الغضب المتراكم، معتبراً أن أسباب عنف المرأة أندر وأقوى من أسباب الرجل، وهي لا ترتكب الجريمة إلا من فعل الزوج
وعليه فأنه من الواجب لتفادي ظاهرة العنف ضد الرجل الاختيار الامثل للزوج المناسب دينيا قال عليه السلام (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). كذلك يجب التوسع في اقامة مكاتب الارشاد الزوجى والشباب المقبلين على الزواج الى الاساليب المعاملة السليمة التي تتوافق مع الشريعة الاسلامية….





_1617644865.jpg)



