حوارات وتحقيقات

الشاعر محمد البغدادي لـ (الحقيقة): تسقط شروط الشعر الإبداعية حين يتخلى الشاعر عن الناس

في عدد اليوم من صحيفة (الحقيقة) نستضيف على مائدة الحوار ، شاعرا عراقيا و قاصا من بلاد عاشت تراتيل الحزن و الحرب بكل صنوفه وتفاصيله ، و ما كسرت التفاصيل ريشات جناحيه. ظل عاشقا لتراب الأرض معلناً: كَأنَّ فَماً…مثل.. الحسَين.. يَصيحُ بِي… مَتَى..؟ ويَداً ..مِثلَ العِراقِ تكمُّه !!!…

الشاعر محمد البغدادي… لامس بكلماته الملتهبة، شغاف الأرواح النائمة، وفتح لنا من خيوط سطورها أشياء عديدة نضعف أمامها أحيانا، تحسسنا أطفالاً صغارًا تائهين ونحن نحاول احتواءها فى عناق عابر… من مواليد 2.تشرين الثاني،  فازت مجموعة “ينتمي الموت للعبث”- وهي المجموعة القصصية الأولى للشاعر-دمشق عاصمة الثقافة العربية 

حاورته – سناء الحافي

 

   يذكر أن الشاعر العراقي محمد البغدادي كان يشغل منصب نائب رئيس رابطة الشعراء الشباب في العراق.. وهو أحد الشعراء الموقعين على بيان “قصيدة الشعر”.. 

تنقل بين عدة دول عربية الى أن استقر مؤخرا في بلاد الحريات- أمريكا – بحثاً عن سقف آمن  يتنفس من خلال منفاه عبق الأمان. وقد أصدر اتحاد الكتاب العرب مجموعته الشعرية الأولى “ما لم يكن ممكنا” عام 2004.. كما فازت قصيدته “عيون طفل” بجائزة اتحاد الكتاب العرب / فرع دمشق عام 2005.. 

شارك محمد البغدادي  في عدد كبير من المهرجانات والأماسي الشعرية والثقافية في العراق وسوريا كما

و اليوم على أثير الحقيقة …كان لنا معه هذا الحوار الذي يتسّم بالكثير من الصدق و الطيبة فهنيئا لنا به ….

*الشاعر محمد البغدادي… حللت أهلاً ووطئت سهلا في دار الحقيقة  ونرحب بك ضيفاً عزيزاً علينا… فلنبدأ حوارنا معك  سيدي من عمق بغداد إلى دهاليز الاغتراب،  حدِّثنا عن تجربتك الشخصية تحت ظلال الوطن…  وأين رست سفينة الترحال القسري بك أم ما زلت تجوب قفار الوحشة والوحدة؟

-هذا السؤال يبدو وكأنه يتشعب إلى عدة أسئلة، لكنه ليس كذلك في حالة وطن كالعراق، فالعراق – برأيي – وطن طارد، لا يحتفظ بأبنائه ولا يحفظ لهم أبسط حقوقهم.. قرأت في الفيسبوك قبل أيام تعليقا لسيدة فاضلة، تعدد فيه – بشكل عرضي – المبدعين من أقاربها وأبناء عائلتها، وكان من بينهم الأديب الراحل (محمد شمسي)، فعلَّقت بأن كثيرا من العراقيين لا يعرفون من هو محمد شمسي.. لأن مؤلفاته لم تصل إليهم، وكان إبداعه جهدا شخصيا – حاله حال غيره من المبدعين – نشرَهُ في حياته ثم اختفى مع اختفائه عن الحياة، ولم تسعَ الدولة العراقية، ولا الحكومات المتعاقبة، ولا المؤسسات الثقافية (وما أكثرها)، ولا المهتمين بأدب الرحلات، ولا حتى أبناء العائلة والأقارب، إلى جمع أعمال شمسي المتناثرة من أجل إعادة طبعها لتذكير الناس بقيمة هذا الرجل أولا، ولإشاعة الإبداع والجمال وثقافة القبول بالآخر ومحاولة فهمه، وهي مضامين أعمال هذا الأديب الفذ.

العراق يُغرِّب أبناءه، يدفعهم إلى الغربة والاغتراب دفعاً، وينفيهم نفياً لا رجعة من بعده، والخلل كما هو واضح يكمن في بنية المجتمع، فالمجتمع العراقي متناقض، وفي عُرفه فإنَّ الحرامي سبع، والمتملق ذكي، والمؤدب فقير، والظالم ذيب، والمتكبر هيبة، والمتواضع خطية، والأديب مسكين!

ولكي لا أبتعد عن محور السؤال، أعود إلى تجربتي الشخصية وأقول: عشتُ في الوطن حتى بلغتُ الثلاثين من عمري، كنت خلالها أشعر بالغربة في كل لحظة.. والسبب هو أنني مصاب بمرض يكاد يكون نادرا تسبب بفقداني لكل شَعري (بفتح الشين)، مما اضطرني لوضع قبَّعة على رأسي، ثم وضع اليشماغ الأحمر.. كان كلُّ سائق تكسي أركب معه يسألني: (الأخ أردني؟) أو (الأخ فلسطيني؟).. وكنت معرضا لهذا السؤال من أي بائع صحف أو بائع خبز أو عجوز أساعده في عبور الشارع أو جندي في سيطرة أو أستاذ في جامعة أو أديب أو شاعر أو موسيقي أو.. أو.. أو.. ناهيكم عن أية فتاة أُعجب بها، سواء من زميلاتي في الجامعة أو في العمل أو من بنات الجيران، فالجميع لم يكونوا مؤهلين للقبول بالآخر.. وكانوا (وما زالوا) يشعرون بالخوف من الآخر المختلف، وهذا الخوف زاد الآن وتضاعف، وفي زيارتي الأخيرة للعراق كان الجميع ممن لا يعرفني ينظر إليَّ نظرة الريبة والحذر، وكانوا يراقبون حركة يديَّ بتحفز مقزز وهم ينتظرون اللحظة التي سأضغط فيها على زرٍّ مخبَّأ في حزامي الناسف!

في العراق، لم تسنح لي الفرصة لأعيش طفلا كبقية الأطفال، ولا مراهقا، ولا شابا، ولا طالبا جامعيا، ولا موظفا، فقد تضافر مرضي المزمن مع عدم تقبل الناس للآخر المختلف ليصبح المنفى كبيرا جدا، ولأعيش في سجن بلا جدران، وهو أقسى السجون كما يقول أدونيس.

هذه التجربة الشخصية، أو (الاختلاف)، كانت نعمة بقدر ما كانت نقمة عليَّ، فقد كانت هناك دائما مسافة بيني وبين الآخرين تعطيني الفرصة لأفكر فيهم وفي تصرفاتهم، ولأحللها ولأخرج بنتائج واضحة ومحددة عن أسبابها.. ولست الآن في معرض الحديث عن هذا الأمر، لكنني أتحدث عن (غربتي في الوطن) من زوايا مختلفة لكي تكون الصورة أوضح..

 * هل توافقني الرأي إن قلت لك: إن المنفى هو الثيمة القدرية للمثقف العراقي منذ القدم؟ 

-أوافق وبشدة، فالسياب مثلا: كتب رائعته (غريب على الخليج).. رغم أن غيابه عن العراق لم يطل كثيرا.. ربما شهر واحد أو أكثر قليلاً فقط! هذا يعني أنه كان مستعداً للـ(غربة)، بل إنه كان يعيشها قبل أن يغادر حدود الوطن الجغرافية، وكانت تتأجج جمرةً في صدرهِ حتى وإن كان يدري أن عودته إلى الوطن الجغرافي ستكون سريعة..

المنفى هو ثيمة قدرية للمثقف العراقي ولغير المثقف أيضا، فأنْ تكونَ عراقياً فهذا يعني أنَّك منفيٌّ روحياً سواءٌ إن نُفيتَ جسديا أم لا..

* محمد البغدادي… بين القصة والشعر تناص لا مفرَّ منه.. هل لك أن توضّح لنا جدلية هذا التناص؟ وأين تجد ذاتك الإبداعية أكثر؟

-الأجناس الأدبية تتداخل، وهذا التداخل ليس وليد الحقبة الحالية من تاريخ الأدب، بل إنه فعل مستمر منذ أن بدأ الإنسان بممارسة الكتابة الفنية أو فن الكتابة.. ملحمة جلجامش هي شعر وهي قصة وهي رواية وهي نص مسرحي بل سينمائي أيضا في الوقت نفسه، وكذلك أغلب النصوص التي تحولت إلى منطقة القداسة، فالتوراة والإنجيل يختلط فيهما الشعري بالقصصي؛ واختلط الرأي عند العرب الذين استمعوا للقرآن أول مرة فذهب كثير منهم إلى أنه شعر! وذهب آخرون إلى أنه قصص وأنه (من أساطير الأولين)..!

مجموعتي القصصية المنشورة تحت عنوان (ينتمي الموت للعبث)، هي مجموعة قصص شعرية قصيرة إن صح التعبير، علما أن هناك من سبقني وكان أشجع مني فكتب على غلاف مجموعته عبارة: كما فعل الأستاذ القاص السوري محمود عبد الواحد حين وضع عبارة (أقاصيص شعرية) على غلاف مجموعته التي تحمل عنوان (أتفرج على الكوكب)

 * أنت أحد الشعراء الموقعين على بيان (قصيدة الشعر).. حدّثنا عن تفاصيل هذا البيان ومفاهيمه وإلى أين امتدت مشروعيته؟

-مثَّل البيان حين نُشر للمرة الأولى صدمة في الوسط الثقافي العراقي، فعبارة (قصيدة الشعر) وحدها كانت، وربما ما زالت، تفاجئ من يتلقَّاها للمرة الأولى.. وُلِدت (قصيدة الشعر) من رحم معاناة سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي، حين كان الخبز أزرق اللون، وحين كان الدم يراق من أجل حفنة من الرز! وحين كانت الديكتاتورية في أوج قوتها وجبروتها بعد وأدها الانتفاضة الشعبانية وانفراد صدام وحرسه الجمهوري وفدائيوه بالشعب الأعزل وسط صمت العالم عن كل الجرائم التي كانت تُرتَكب..

في هذه البيئة المشحونة المخنوقة وُلِد مشروع حركة قصيدة الشعر التي انبثقت فنيا وفكريا وتنظيميا من رابطة الشعراء الشباب، تلك الرابطة التي استطاعت ومنذ تأسيسها في أوائل التسعينيات أن تستقطب عددا هائلا من الشعراء الشباب وأن تقيم مهرجانات ومسابقات تضاهي إن لم أقل تتفوق على أنشطة وزارة الثقافة أو اتحاد الأدباء.. وكانت الرابطة تقدم في كل مناسبة أو نشاط تقيمه كوكبة من الأسماء الشعرية الشابة الجديدة، موفِّرة لهم منصَّةً ومُنصتين في وقت كانت المنصات (المهرجانات أو النشر في الصحف والمجلات) محرَّمة إلا على فئة معدودة من أبواق النظام.

هذا كله، ولَّد أسلوبا مختلفا في التعبير الشعري، وأنتجَ رؤية ورؤيا مغايرينِ للسائد المُستهلَك.. وصار الشعراء الشباب يقدمون نصوصاً تتعدد قراءاتها، فهي تتجرَّأ وتتبرَّأ، تضمِرُ جرأتها وتخبِّئ براءتها عن أعين كتبة التقارير.. صار النص (حمَّال أوجه).. مما أعطاه جمالية افتقدتها النصوص المباشرة التي كان ديناصورات الشعر يكتبونها.. وهكذا وُلدت قصيدة الشعر.

* من (ما لم يكن ممكنا) و(ينتمي الموت للعبث) إلى (حارس ثلاجة الموتى)… تحولات كثيرة في حياتك الأدبية، أين امتدت بك في ظل إرهاصات الحياة والبحث عن الجديد في المبنى والمعنى؟

-استعمالك كلمة (امتدَّت) دليل على ذكائك، فغيرك كان سيأخذه القلم ويكتب (انتهت)؛ البحث عن المبنى والمعنى لا يتوقف، إنه هواء الكاتب وماؤه؛ وأحوالي أو تحولاتي أو محاولاتي (لكي أكون أكثر صدقا) في كتابة الشعر والقصة والمسرحية، تشبه أحوال وتحولات صياد حاول مرة أن يصطاد في نهر، ثم في بحر، ثم في محيط.. المبدأ واحد، ولكن الطريقة تختلف، والأدوات تختلف، والجهد يختلف.. ولكن اللذة واحدة، والأمل واحد.

 * نلاحظ أن هناك أزمة واضحة يعيشها المثقف مع مجتمعه، برأيك من المسؤول عن خلق هذه الفجوة؟ وكيف يمكن للكاتب تقليصها في وقت أصبح الأدب في نظر البعض سلعة خاسرة؟

-لم يزل الأدب سلعة خاسرة في نظر العرب منذ أمدٍ بعيد، وهذا أحد الأشياء التي جعلت العرب يخسرون مكانتهم وسط شعوب الأرض.. فوظيفة الأدب التي لم يفهمها العرب – مع الأسف – ليست جمالية فحسب كما هو حاصل منذ امرئ القيس وحتى اليوم، ولكنها يجب أن تكون وظيفة تأسيسية فضلا عن وظيفتها الجمالية.. الأدب عند الشعوب الأخرى يؤسس لتغييرات عميقة في المجتمع، يؤسس لثورات، يؤسس لتعريفات جديدة للعلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الإنسان والطبيعة.. بين الخالق والمخلوق..

أما الأدب العربي، فإنه أدب الترف، أدب الوصف، أدب التجميل، أدب اللغة وأدوات اللغة وإمكانيات اللغة وتحولات اللغة وجماليات اللغة؛ أو بعبارة أخرى: ليس أدب الإنسان.

وحتى محاولات التحديث، لم تخرج – برأيي – عن هذا النسق العربي، وصرنا نرى شاعرا يظن أنه تخلص من ربقة الخليل وبدأ يكتب قصيدة نثرية، ولكنه لم يتخلص إلا شكليا، وظلَّ يفكِّر بطريقة التفكير نفسها التي كان يفكر بها الجواهري أو المتنبي أو امرؤ القيس! ويكفي أن نشاهد طريقة إلقاء شعراء النثر لقصائدهم من على المنابر لنكتشف أنهم ما زالوا مقيدين بالنسق العربي، أو بالفكر العربي / اللغوي، رغم أنهم خرجوا شكلياً عن طريقة النظم العربي.

 *من النقد إلى الإعلام العراقي… هل أنصفك كشاعر وكاتب عراقي  لما قدّمته طيلة هذه السنوات؟ 

-نعم، ولا، الـ(لا) بسببي أنا، فإنَّ كثيرًا من الإعلاميين طلبوا مني في مناسبات عديدة إجراء لقاءات تلفزيونية معي، لكنني كنت أرفض ذلك، ربما لأنني جبان، أو كسول، أو غير واثق من قدرتي على الوقوف أمام جمهور المشاهدين وجها لوجه، أو غير واثق من أن تجربتي تستحق ساعة من وقت المشاهدين، أو حتى دقائق من وقت القراء، (وما تأخري في الرد على أسئلتكِ لأكثر من شهر إلا دليل على ذلك، شاكرا لك صبرك وسعة صدرك).

أما الـ(نعم)، فقد كَتَب عن تجربتي (غير الناضجة) كثيرون، عراقيون وعرب، ونُشرت دراساتهم ومقالاتهم في صحف ومجلات ومواقع إليكترونية وكتب، بل إن عددا من طلبة الشهادات العليا، في العراق وخارجه، تناولوا (تجربتي) اعتقادا منهم أنها جديرة بذلك، وهي كلها جهود أشكر أصحابها عليها، فقد أغنوني وأغنوا التجربة، ووضعوني أمام مسؤولية الاستمرار.

* برأيك متى تسقط شروط الشعر الإبداعية والإنسانية من جعبة الشاعر؟ وما هي نصيحتك للشعراء الشباب؟

-تسقط شروط الشعر الإبداعية حين يتخلى الشاعر عن الناس ويذهب ليعيش (فكريا) بعيدا عنهم في تهويمات وهذيانات لا تعني أحداً ولا تعني شيئا.

أما نصيحتي للشعراء الشباب، فقد كررتها مراراً، ولا بأس من التكرار مرة أخرى؛ علما أنني أكررها لنفسي أيضا؛ فقصيدة الشعر – على ما يبدو عليها من صعوبة – تسحب الشاعر إلى منزلق اللامعنى! فيبدأ بكتابة جمل جميلة لكنها غير مفيدة! كأن يقول مثلا: (أغفو جناحا لأذري العمر في أحداق غصن)! فما هي العلاقة الشعرية بين أن يغفو الشاعر جناحا وأن يُذرِّي العمر في أحداق غصن؟ أي غصن؟ كيف يذري جناحٌ العمرَ في أحداقِ غصن؟

نعم، الجُمل جميلة، تثير حماسة الشاعر لكتابة المزيد، وتثير حماسة المتلقين ليصفقوا بحرارة، ولكن، وبعد الحماستين، ماذا سيكون الجواب عن: هل هي مفيدة؟!؟

* في نهاية حوارنا معك سيدي… هل يمكــن أن تحدثنـا عن بعض مشـاريعك الثقافية والأدبية المستقبلية؟ وما هي المؤلفات التي تنوي إصدارهـا في إطار الشعر والقصة والمسرح؟  

-أنا منشغل حالياً بكتابة نص مسرحي، سيكون نثريا هذه المرة، وليس كالنصين السابقين اللذينِ كتبتهما شعرا (مسرحية قارورة عطر، ومسرحية حارس ثلاجة الموتى)، العمل الجديد انبثقت فكرته مع انبثاق ما أسماه الإعلام بـ(الربيع العربي)، وهو محاولة مني لتصحيح هذا المفهوم الذي كنت مخدوعًا به في البدايات – حالي حال الكثيرين – حتى وصلتُ إلى قناعة الآن بأنه مفهوم خاطئ، بل إنه خطيئة كبرى تضاف إلى خطايا العرب الممتدة منذ داحس والغبراء والبسوس.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان