عاد على صهوة الشعر والتجديد، مبدعاً اصيلاً بعد غياب اختاره ليسكن به المه من فواجع يراها كل يوم في ارض ارتوت عروقه منها منذ تنفست رئتاه هواءها في كربلاء.
عاد بكنز كبير جمع محتوياته خلال ربع قرن، لينثره على العراق حباً وانتماءً.. انه الموقف، شرف الكلمة، الوفاء للوطن الكبير، شاعراً وكاتباً ومسرحياً مبدعاً.. اقتنصنا من وقته سويعات رغم وضعه الصحي الصعب لنحاوره في رحلة عمر مع الشعر والكتابة.. انه الشاعر المبدع محمد علي الخفاجي..
حاوره / علاء الماجد
* بعد انقطاع دام ربع قرن هل استطاع الشاعر محمد علي الخفاجي ان يؤكد حضوره غداة عودته الى (وطن قيدوه على جملٍ)؟
– يمكنني هذه المرة ان اقول نعم، فقد اكدت ذلك الحضور باصدار مجموعة من الاعمال الادبية، شعرية ومسرحيات شعرية بعد سنة 2003 بلغت ست مسرحيات واوبرا وديواني شعر حازت على مجموعة من الجوائز العراقية والعالمية. رغم النظرة السياسية للثقافة في (وطن قيدوه على جمل ظل يمشي جنوباً والريح تجري شمالا) ورغم انشغال السياسي بكل شيء الا الثقافة فنحن منذ سنة 2003 وحتى يومنا هذا لم نشهد او نسمع باجتماع لسياسيين يتحدثون عن الثقافة وهمومها في البلد، هذا البلد الذي كان اول من برى قلماً في التاريخ وكتب ثم قرأ، ولم نقرأ في الشعارات التي رفعها المرشحون السياسيون في لافتاتهم وبوستراتهم شعاراً ثقافيا واحداً، ولعل الميزانية السنوية الضئيلة والرصد المالي الذي يخصص لوزارة الثقافة كل عام خير دليل وشاهد على ذلك.
* مدينتك كربلاء، نشأتك الاولى، حاضنتك، هل ساهمت في اختياراتك لنصوصك المسرحية -ثانية يجيءالحسين، مسلم بن عقيل، ابو ذر، نوح لا يركب السفينة..الخ؟
– كثيراً. فقد ظلت مواقف الحسين والتواضع المرتفع للحر الرياحي امثلة مبدئية أقتدي بها في الاصرار على اختياراتي. وكربلاء مدينة الحزن المنتصر وفرت لي الخزين الهائل للدراما وطقوس التراجيديا بشكل خاص، بطقوسها وممارساتها المتعددة والمتنوعة. ولعل كتابتي لقصيدة الدراما التي هي نهجي الخاص في كتابة القصيدة ومثلها اعمالي المسرحية (ثانية يجيء الحسين، مسلم بن عقبل، الجائزة.. الخ) هي دليل لانسكاب ذلك الحزن على ثيابي. كما ان طرق العرض العفوية من تشابيه وجوقات واكسسوارات وسينوغرافيا عقدت الصلة بين ثقافتي المسرحية النظرية لاسيما في المسرح الاغريقي وبين مشاهداتي لتلك التشابيه والجوقات في كربلاء.
* كيف تقارن بين الفترة التي انقطعت فيها والفترة التي تلت عودتك من حيث انحسار واتساع مساحة التلقي؟
– رغم توفر الكثير من وسائل النشر المضافة الى الكتاب واللقاءات (الانترنت والشاشات.. الخ) فقد انحسرت مساحة التلقي للظروف التي تحكم الواقع وانحسار الخدمات المهمة والرغبة في التلقي الحقيقي حتى صار الذين يكتبون يزيدون كثيرا عن الذين يقرأون ويحضرون. ففي الشعر اصبح الذين يكتبون قصيدة النثر او المحسوبون عليهم اكثر من جمهورهم وهو دليل واحد من ادلة عديدة على ذلك.
* اين يجد الشاعر محمد علي الخفاجي ذاته؟ في النص المسرحي الشعري ام في القصيدة..؟
– في ما يحقق لي وللابداع من اضافة.
* ماذا تعني لك القصيدة النثرية؟
– قصيدة النثر احدى الاجناس الأدبية وهي قديمة جداً وسابقة على الولادة الكاملة للبيت الشعري بشعريتها التي صارت تفتقدها لدى الكثيرين من كتاب اليوم. تلك الشعرية وذلك الامتاع اللذان حفلت بهما اشعار النثر الماضية. فقد كتب احدهم في القرن الرابع الهجري يصف الأوراق في قوله:
“الاوراق في البستان
كتاب مرقوم
انني اسأل شرحه
ممن عنده علم الكتاب”
وقال آخر يصف حرف الباء، التاء، الثاء في قوله
“ان الباءات
قد سترت رؤوسها حزناً
وصارت النقاط
لهنّ دموعا”
وقال آخر يصف عاشقاً، مستخدماً ومستغلاً الصورة التي عليها الحروف في قوله:
“كان اذا رأى ألفاً
تذكر قامتها
واذا رأي جيماً
تذكر صدغها
واذا رأى هاءً
التمّ على نفسه وبكى”
ابيات دافقة بالشعرية والامتاع وهي من النثر.
* هل لدينا مساحة نقدية واسعة، ونقاد مهتمون بالمنجز الابداعي بما ينعكس على المبدع والعملية الابداعية؟
– المساحة النقدية مازالت ضيقة وضيقة جدا، والناقد الذي يهتم بالمنجز الابداعي نادر وفي بعض الاحيان ينشغل بالتفسير اكثر مما ينشغل بالنقد. والنقد العراقي والعربي عموماً ما زال استعاريا يعيد ما عرفه، وما وصلت اليه منجزات الدرس النقدي الجديد دون ان يشي بخصوصية واضحة، حتى اننا حتى الان لم نصل الى تأسيس نظرية نقدية مستقلة يمكن لنا ان ندعي براءة اختراعها. وقليل من النقاد من لا يتخبط بين النقد وبين ترديد المصطلحات النقدية والأسماء الكبيرة التي يحاول بواسطتها تعزيز كتاباته النقدية بها. وفي ظني ان النقد الانطباعي على عفويته مع شيء من الموضوعية وتجنب العواطف كان اكثر فائدة للعملية الابداعية من هذا التخبط.
* بعد التغيير هل استطاع المنجز الابداعي ان يؤثر في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في العراق؟
– المنجز الابداعي بحاجة الى الدعم السياسي وتقبله له ووعيه خاصة الواقع الذي عليه الثقافة العراقية وبدون ذلك يظل هذا المنجز يغرد بعيدا عن اذن السياسي الذي تخلى في العراق عن كل ما يساند الحركة الثقافية. هل لاحظنا ذات يوم مثلاً حضوراً للسياسي في الندوات الثقافية البحتة ومشاركته فيها؟ بدءاً من تاريخ 2003 ولحد يومنا هذا وان حضر المسؤول ذات يوم في مهرجان ما فإن حضوره سيكون حضوراً تشريفياً ولفترة مختصرة.
* هل انت مع الشهرة ام مع الأهمية؟ مع الكاتب ام مع النص؟
– رغم ان الاثنين لا ينفصمان عن بعضهما فالشهرة الحقيقية تأتي من أهمية النص الا انني غالباً ما اكون مع النص، حيث ان الشاعر والكاتب عندي هو مجموعة نصوص. فالجواهري قصيدته والسياب اشعاره وفؤاد التكرلي رواياته وهكذا..
* في الاجناس الشعرية المختلفة لمن برأيك البقاء؟
– للنص الحقيقي الابداع والصادق والممتع ايا كانت الطريقة التي يكتب بها. المهم انني اقرأ شعراً، لا يهمني ان كان قديماً او حديثاً، بيتاً ام تفعيلة ام نثرا، ما دام يحفل بالشعرية كبيت عنترة الغزلي:
وفي لون خدك هذا الاصيل/ وفي ليل شعرك بعض الظلال
او قول الشاعر القديم نثرا شعرياً:
وجهك مصحف
لا سهو فيه ولا غلط
لا فرق ما دام الكلام شعراً ولكنني ارى ان البقاء بعد كل هذا للقصيدة الدرامية، فهي تأخذ من فنين رفيعين هما الشعر والدراما، وكذلك الاوبرا التي هي من مجموعة فنون صيغت شعرا. وقد جربت ذلك في كتابتي لاول اوبرا عربية هي اوبرا سنمار المطبوعة سنة 2008.
* كيف تنظر الى نشاطات اتحاد الادباء والاندية التابعة له. نادي الشعر، نادي القصة، ملتقى الخميس الابداعي؟
– جيدة وهي بحاجة الى تخطيط مسبق وترصين اكثر ومتابعات قرائية ونقدية أكثر جدية واستمراراً.
* من ترى أنصفك؟ النقد؟ الصحافة؟ الوسط الأدبي؟
– جميعها بعد 2003، لاسيما رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه ولجان التحكيم التي ظلت تمنحني دائماً جوائزها الاولى عراقياً وعالمياً. أي ان الذي انصفني هو القارئ الحقيقي كما كتبت.
* برأيك ما سبب اهمال الثقافة من قبل الحكومة؟
– رغم ان السياسة هي جزء من الثقافة الا ان السياسي يأنف من الاعتراف بذلك فهو ما زال ينظر الى الثقافة على انها نشاط ثانوي ومؤجل. والا لما ظل المبدعون دون دعم ولما ظلت بناية اتحاد الادباء على حالها منذ العهد الملكي بعد ان كانت ناديا للوزراء من قبل. ومثلها المسارح المهملة (مسرح الرشيد، ومسرح بغداد ومسرح الخيمة والمسرح الوطني) المفتقر لكثير من الخدمات منها التدفئة والتبريد. ألم ينس المشرع العراق ذكر مفردة الثقافة في الدستور العراقي ومن قبله قانون ادارة الدولة، هل قرأنا في شعار من الشعارات التي رفعها المرشحون ذات يوم شعاراً يخص الثقافة؟
* بغداد سنة 2013 عاصمة الثقافة العربية. ترى هل بامكانها ان تكون وهي تهمل الثقافة العراقية والمثقفين العراقيين؟
– ارجو ذلك وارجو ان لا يصبح ذلك النشاط مجرد طقس اعلامي وروتيني ومجرد رغبة فقط دون ان نحدث انقلاباً حقيقيا في رؤانا وتوجهاتنا وممارساتنا تؤهلنا لانتزاع الاعتراف من السياسي بنا بعيداً عن التقاسم والمحاصصة.
* الثقافة في المحافظات العراقية بدأت موقعية، ضيقة. ما السبل للنهوض بها؟
– لو كانت المحافظات تحظى بما تحظى به العاصمة- على ضعف ما تحظى به عاصمتنا اليوم- لما هجر المثقفون مدنهم ومحافظاتهم وجاؤوا الى بغداد. ولذا فان التسرب الحاصل من ادباء المحافظات افرغ المدن من مبدعيها الكبار. حتى بقيت المحافظات مقتصرة على من لم يهاجر منها او لم يستطع الهجرة مرغماً. وقد ظل في عزلة وانقاطع عن الحضور الثقافي الكامل. اما سبل النهوض فهو بفتح قنوات الاتصال بين المحافظات والعاصمة وايصال المدن بما لم يصلها حتى الان. ولو تفحصنا وبحثنا عن اسماء الادباء الذين يقطنون بغداد لعرفنا ان اكثرهم كان في الاصل قد قدم من المحافظات. فالجواهري من النجف والسياب من البصرة وجماعة كركوك من كركوك وهكذا.
* هل ما يحدث من علاقة بين الحكومة والمؤسسات الثقافية شيء طبيعي؟
– العلاقة التواصلية بين الحكومة والمؤسسة الثقافية تكاد تكون معدومة. وضآلة المنحة التي تمنحها الحكومة للمثقفين والمماطلة بها شهوراً تحت ذرائع ومبررات غير مقنعة توضح ذلك وتظهر عدم تكافؤ العلاقة بين الطرفين.
* ما سبل النهوض بالثقافة العراقية؟
– كثيرة وهي في ظني ليست بغائبة عن الاذهان. بل ان الجميع يعرفها دون الحاجة الى التذكير بها. فقد يعد ذلك نافلة من النوافل. ولكنها تهمل عن عمد وقصد او لا مبالاة.





_1617644865.jpg)



