حوارات وتحقيقات

الشاعر عبد العظيم فنجان لـ الحقيقة : الإعلام المسيس ، واحد من السجون الضيقة التي تحد من تحليق الشاعر

حوار:

سناء الحافي

في عدد اليوم نستضيف في صحيفتنا الحقيقة، شاعر عراقي …تركّز اهتمامه على الشعر و الأدب…. عارفا بخباياه…واعيا بهذيانات الروح ، واصفاً الموضوعات والأساليب إلى الاهتمام أكثر بالبنيات العميقة في الشعر التي تضجّ بالاحتمالات وأجراس القاع التي تعد بشهوة اللانهائي، مثل التلقّي والتناص وكيمياء اللهجة ولانهائي الذات ، معتنيا بشروط فنية تجعل من نصوصه إدراكا فلسفيا قابلا للكثير من التأويل و التفسير ، وهو ما يشي بأنّ خبرة ضيفنا هي التي تقوده إلى  هذه المنطقة الخطرة في الشعر، تلك التي تعزُّ عن الوصف وتطبع النقد بإبداعيّة القول بدلاً من أن يكون مجرّد قوْل شعري ثانٍ…. 

في هذا الحوار نتحدّث إلى الشاعر عبد العظيم فنجان . عمل محررا لصفحات ثقافية في عدد من صحف المعارضة قبل سقوط النظام السابق، وترأس تحرير جريدة ” المحور ” المعارضة ، التي صدرت قبل سقوط النظام ايضا ،صدرت له عن منشورات دار الجمل ” افكر مثل شجرة ” مجموعة شعرية العام 2009 ، كما صدرت له العام 2012 ” الحب ، حسب التوقيت البغدادي ” مجموعة شعرية تتضمن القسم الأول من ” كتاب الحب ” الذي تمثل المجموعة الحالية القسم الثاني منه  

تُرجمت قصائده إلى عدة لغات عالمية ، وله اسهامات ثقافية وادبية مقتضبة ، في الصحف والمجلات العربية والعراقية ، وله عدة مخطوطات روائية ودفاتر شعرية نذكر منها  (كيف تفوز بوردة ؟)، في طريقها إلى النشر تباعا….

*الشاعر عبد العظيم فنجان …نرحب بك في أروقة جريدة الحقيقة  ، و نعتز بمحاورتك كقامة شعرية عراقية بامتياز وضعت لها بصمة فكرية بلا تكلف أو رتوش،…و نستهل حوارنا معك من أرض الرافدين..ماذا قدّمت لك بغداد في ضوء تجربتك الحياتية و ماذا برأيك قدّمتَ لها من خلال إنتاجاتك الأدبية ؟

-أقمت في بغداد عشر سنوات . كنتُ شابا متطلعا ، وكانت تجربة مريعة إذ عرفت الفرق بين المدينة الكبيرة ومدينتي الصغيرة التي كانت أشبه بقرية ، لكن تلك المعرفة لم تذهب سدى ، إذ سرعان ما تحولت بغداد إلى أم كبيرة آوتني واعتنت بي بطريقتها . وقد كتبت لها أكثر من عشر قصائد ، كلها جاءت بعدما طالها الدمار وتحولت إلى مدينة أشباح .

*من المطلق الى الخاص …عملت محررا صحفياً في العديد من الجرائد العراقية المعارضة قبل سقوط النظام ،و رئيس تحرير جريدة المحور ، في خضم الصراع بين السياسة و الشعر…أين ترسو بك الآن سفينة الابداع في عواصم الكتابة؟  و هل توافقني الرأي ان قلت أن العمل الصحفي مقبرة للابداع ؟

-لم يكن العمل في الصحف المعارضة إلا بدافع الحاجة المادية أساسا ، وفي ظروف صعبة جدا ، إذ من المؤكد أن العمل في الصحافة ـ بدائية وحزبية ـ يدمر كل ماهو خاص أو مستقل ، لأن الشاعر الذي أردت أن أكونه دائما هو الإنسان في أقصى طاقة الحلم ، غير مقيد إلى الأرض حتى بخيط ضئيل ، والإعلام  المسيس خاصة، واحد من السجون الضيقة التي تحد من تحليق الشاعر ، وكان هذا إدراكا مبكرا ، فقد رفضت العمل كرئيس تحرير لجريدة معارضة تعود الآن إلى حزب كبير في السلطة الحالية ، ولم يكن موقفي عدائيا ، وانما محاولة لتأكيدي حرا ، هذا لا يمنع من أن أفخر كوني ترأست تحرير جريدة المحور المعارضة ، لأنها مستقلة أولا ، ولأن صاحبها صحفي نزيه ، متمرد ويتمتع بحس نقدي حاد ، ويكفي أن اذكر لك مثلا أن افتتاحية العدد الأول كانت بعنوان ( توكلنا على الولايات المتحدة الأميركية ) وهو مقال ساخر من المعارضة العراقية برمتها وخصوصا الإسلامية منها . كانت المحور جريدة شاعرة بموقفها اللاذع والساخر والحزين ، لكنها فشلت بسبب إفلاسنا وضعف حالتنا المادية ، إذ كل أطراف المعادلة السياسية وقتذاك كانت هدفا لسخريتنا وشتائمنا . 

* (أفكر مثل شجرة …) عنوان بنكهة فلسفة يستدعي الوقوف طويلا للغوص في أغوار

 المجموعة الشعرية ،حدثنا عن تجليات هذه المجموعة وفق معايير المبنى و المعنى و هل استطاع عبد العظيم فنجان برأيك أن يجد ذاته الإنسانية أخيراً بعد هذا التصور: أنا فكرة أقدم من الأفكار ، لا أعرفُ مَن أطلقني ، لكن البشر ، وحدهم ، جسمّوني على هيئة من لحم ودم” ؟

– أفكر مثل شجرة ” مجموعة ضمت مختارات من قصائد ونصوص كتبتها في المراحل الأولى من تجربتي الشعرية ، عدا نصوص قليلة متأخرة ، وهي مهمومة بمشاكل وأسئلة فلسفية كبرى : الموت ، الوجود ، المعرفة ، الوطن والمنفى ، ولم أتوقع ـ بصراحة ـ أن تنال أهمية كبيرة كما حصل ، لأنها البداية ، وكنت اعتقد أنها ستكون متعثرة . لا أستطيع في هذا الحيز أن اكتب عن ظروف إنتاج القصائد لأنها تعود إلى أزمان مختلفة ، لكنني جمعت نتاج ربع قرن من الشعر ، وأجريت عليه محاصرة نقدية صارمة ، بغية جمع ما أمكن من نصوص تنتظم بخيط سري يجعل منها كتابا ، وهكذا كان فخرجت المجموعة بشكلها المعروف ، لكنني لا يمكن أن أنتج مجموعة ثانية على نفس المنهج لأن عوالمي الشعرية متعددة ومتداخلة ، فاخترت من هذه العوالم منطقة الحب ، ومن خلال هذه المنطقة بدأت بقراءة العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة ، مشكلة حقوق المرأة ، ومشكلة الحب من ناحية فلسفية وفكرية واجتماعية .

* الحب حسب التوقيت السومري و الحب حسب الحب البغدادي….برأيك هل مواقيت الحب تتباين من خلال العلاقة الزمكانية في نصوصك و تنتهي بمشيئة الزمن أيضا ؟ و هل باعتقادك استطعت أن تتبنى ذاك  العاشق المستحيل من خلال امرأة عارية من الحبر و اسقاطات الحب ؟

-الحب حسب التقويم البغدادي والحب حسب التقويم السومري ـ إضافة إلى الحب حسب التقويم الكوني لم يصدر بعد ـ عمل واحد يندرج تحت عنوان ( كتاب الحب ) لكن رغبة الناشر الصديق خالد المعالي ، ظروف النشر أيضا ، أدت إلى تقسيمه إلى ثلاث مجموعات ، مع ذلك ليس ثمة اعتباطية في التقسيم ، فالقسم البغدادي يتحرك في منطقة الحب في الشوارع الخلفية ، ملامسة الحب محليا تحت مختلف الظروف العاصفة في بغداد كرمز للعراق الكبير ، أما السومري فيتحرك في منطقة الأساطير العراقية القديمة ، خاصة السومرية ، متأولا العلاقة الدامية بين عشتار وديموزي ، أما القسم الثالث وهو الكوني فسيكون مكرسا للايروتيكا كفن ينتجه الحب ، وكما تلاحظين فان التقسيم اعتنى بشروط فنية او كتابية ولا يعني ذلك أن الحب كشعور خاضع للعلاقة الزمكانية ، أما العاشق المستحيل فلست مؤهلا لتقييم عملي ، بل هو من اختصاص النقاد والقراء .

* من الخاص إلى المطلق نرحل بك إلى الأدب  و قضاياه … برأيك الأدب العراقي الآن في زخم تكاثر الشعراء قلّت فيه جودة الطرح …ما لهُ و ما عليهِ من زاويتك كشاعر ؟

– الشعر ليس مشاعرا ، وانما حصيلة تجربة . إذا اجتمعت الموهبة الأصيلة بالتجربة الكبيرة تكونت معادلة الشاعر الصحيحة ، أما إذا لم يجتمعا فالناتج هو هذا الكم الهائل من الهذر . نعم ، هناك مشهد أدبي شبه بائس ، لكن هناك أيضا أصوات تشق طريقها الخاص بمخاض صعب ، ومشكلة المشهد الثقافي انه ارتبط منذ زمن طويل باقتصاد ومعونات الدولة ، فكيف يمكن أن يكون المشهد إذا كانت الدولة فاسدة ؟

* من هو المبدع برأيك..خاصة وأن هذه الكلمة أصبحت مجانية في الآونة الأخيرة لتمنح إلى كل من هبّ ودبّ.؟ و متى برأيك تسقط شروط الإبداع من الشاعر ؟

-لحد الآن لم يُتفق على تعريف محدد للمبدع ، لذلك بقي الاصطلاح مفتوحا يُخضعه كل واحد لتجربته ، وحسب تجربتي أن المبدع هو ذلك الفنان الحر ، غير المقيد إلى أية خلفية سلطوية ، دينية أو أيديولوجية ، وهو ضمير جمالي بحت ، ومن هذه الزاوية لا يمكن أن يكون متصالحا مع الجبن والقبح والشر والفساد . وكما ترين فأنا امزج بين جانب الالتزام الجمالي وبين الإبداع ، وكلاهما يؤلفان بنية المبدع . بعكس ذلك ليس هناك ثمة مبدع .

* كيف تجد النقد العراقي في تناوله لتجربتك  ؟ و ماذا عن الاعلام العراقي أيضا هل أنصفك أم ما زال مقصرا في حق نتاجاتك ؟

-أهملني النقد العراقي تماما ، ولا أريد أن أتهم أحدا ، كما لا أريد أن أقول أنا مهم ومظلوم .. الخ ، لأن لا حركة نقدية جادة حاليا في العراق ، وهو مما أتاح الفرصة لكتابات نقدية معظمها بائسة ، هي نشيد للمديح المجاني والاخواني من جانب ، ومن جانب آخر هي استعراض للقذارة والغباء والشتيمة . أما اعلاميا فالصحف العراقية الان تحررت من مزاج المحررين وعداواتهم وحساسيتهم المريضة ، إذا كانوا شعراء ، بوجود بدائل منافسة وأكثر جدوى واعني بها الشبكة العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي .

* برأيك الشاعر العراقي حاضر عربيا و غائب في وطنه…ما هي الأسباب التي تحجب عنه ضوء الانتشار في وطنه الام ؟

-الشاعر العراقي يعيش نتائج تغيير جوهري في النظام السياسي ، من نتائج هذا التغيير تحول المؤسسة الثقافية إلى ماكينة خربة لأنها تشكلت على أسس طائفية وحزبية بعيدا عن المهنية ، فلم يكن أمام الشاعر الجاد سوى أن يبحث له عن موطئ قدم في بلاد الآخرين بعد ان تحولت الثقافة في العراق إلى مجموعة من المافيات والشلل .

*الشاعر عبد العظيم فنجان…نجد أن المواطن العربي بصفة عامة و العراقي بصفة خاصة، يعيش حاليا الكثير من الظروف الصعبة سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي …من وجهة نظرك هل تطاولت سلبيات التغيير على الأدب العربي؟

– هناك انحسار في المقروئية ، وهي ظاهرة عالمية بعد سيادة ثقافة الصورة والرقميات ، أما عراقيا فهناك الرعب الذي يشل قدرة المرء على التفكير . الصراع السياسي انتقل الى الشارع بهيئة احزمة ناسفة وسيارات مفخخة ، وهو مؤشر على سيادة ثقافة الموت ، ومن الضروري أن ينعكس ذلك على كمية ونوعية الانتاج الادبي ، ولكن تجليات هذا الانعكاس لن تظهر للعيان الان بشكل واضح ونحتاج زمنا طويلا لنعرف حجم المأساة التي حلت بالادب وبالقوانين التي تتحكم بانتاجه .

*سيدي… هل من مشاريع أدبية جديدة أو اصدارات سترى النور قريبا على أرض القصة و الشعر ؟

و كلمة اخيرة توجهها للقارئ العراقي ؟

– الكتابة فعل مقاومة لكل القبح والرعب والخوف ، وعندما قررت اصدار كتاب الحب فبدواعي تلك المقاومة ، لأن ما يريده منا ساسة البلد وخصومهم هو أن ننقطع عن الامل والفرح وحب الحياة ، وهكذا سيصدر لي كتاب شعري جديد ( كيف تفوز بوردة ؟ ) وهو ينطوي على نصوص تنطوي على ادانة للوضع عبر التغني بالخيبة والخسارة كونها نتائج مشرفة لا تدعو إلى التوقف عن الحياة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان