لاشك بان ازمة السكن في العراق خانقة وخاصة في العاصمة بغداد التي تشهد نموا سكانيا هائلا ،ففي العقد الاول من النصف الثاني للقرن العشرين كان تعداد نفوس بغداد يربو على الـ ( 750 ألف نسمة ) يومها لم تكن هناك ازمة سكن سوى مشكلة الصرائف التي احاطت بها احاطة السوار بالمعصم ،اما اليوم فان عدد سكانها يزيد على السبعة ملايين انسان وازمة السكن فيها تتفاقم يوما بعد اخر ولا من حلول انية او مستقبلية تلوح في الافق ( الكل يتفرج على الكل ).
تحقيق – شاكر المياح
مصائب قوم عند قوم فوائد
الازمة المزمنة شجعت اصحاب مكاتب الدلالية على المضاربة بالعقارات ( ارضا ومنشآت )بالاحتيال تارة وبالنصب والاستغلال والابتزاز تارة اخرى وهذا ما اتاحه لهم التخطيط العمراني لمدينة بغداد الذي اعتمد السكن الافقي اساسا له من دون ان يلتفت الى اهمية السكن العمودي الذي يحقق وفرة في الوحدات السكنية وسهولة تقديم الخدمات وما تحتاجه من بنى تحتية ،هذا الامر ادى الى اتساع رقعة العاصمة بشكل مذهل حتى وصلت الى تخوم المحافظات المجاورة للعاصمة ،هذا الواقع اسفر عن انتشار مكاتب دلالية العقارات بشكل سرطاني في جميع ضواحي المدينة حتى لأكاد اجزم ان بين كل مكتب واخر هناك مكتب دلالية وتحت يافطات عريضة وملونة وضوئية فيحسب المرء ان هذه المكاتب تسعى لخدمة الناس والعكس صحيح ،فاصحابها يحتالون بشتى انواع الاحتيال والابتزاز والاغراءات احيانا على اصحاب الاملاك المشترين منهم والبائعين. وبجولة بين هذه المكاتب واستطلاع اراء بعض المواطنين خرجنا بالحصيلة التالية: اللقاء الاول كان مع الحاج عبد الحسن الساعدي الذي كان يهم بالدخول الى مكتب البركة لبيع وشراء العقارات والاراضي السكنية في منطقة ( ام الكبر والغزلان )الذي كان يتأفف قبل ان نسأله : هل جئت للبيع ام للشراء ؟ :أروم شراء قطعة ارض مناسبة او دار صغيرة اقضي فيها ما تبقى من سنوات عمري بعد ان بعت داري التي تقع في منطقة الحسينية وها انا الج باب هذا المكتب للمرة الثالثة على التوالي ولم افلح في الحصول على مبتغاي بعد بسبب ارتفاع اسعار العقارات التي اصابتني بالذهول والندم على بيع داري تلك ،فهل تصدق ان سعر المتر المربع الواحد في هذه المنطقة يقارب المليوني دينار ( شنهي عمي مشتري بيت بالجنة ؟ ) مع ان المنطقة تنقصها جميع الخدمات .دلفنا سوية الى داخل المكتب ، فوجدنا شابا تجاوز العقد الثاني من عمره وسألناه عن صاحب المكتب فتبسم وقال : اهلا وسهلا ، انا هو صاحبه .جلسنا على الاريكة وسألته : ما سبب هذا الارتفاع الجنوني لاسعار العقارات ؟ :لا جنوني ولا هم يحزنون ، كل ما في الامر ان الموضوع يخضع للعرض والطلب ،وما دام العرض شحيحا والطلب في ازدياد فمن الطبيعي ان ترتفع الاسعار على وفق هذه الطريقة ،في بغداد هذا شيء اعتيادي ولكن ما بالك في كربلاء والنجف ؟ ففي بعض احيائهما بلغ سعر المتر المربع الواحد اكثر من ستين الف دولار !،هذا الارتفاع شجع بعض مالكي الدور ذات المساحات الواسعة الى تقسيمها الى مساحات بسيطة ( مساحة كل جزء خمسين مترا مربعا واكثر )في مناطق الوزيرية والقاهرة والصليخ وغيرها .
ارتفاع اسعار الايجارات
غادرته مودعا لالتقي بالمواطن صبري ابو خريمة الذي بدا حائرا ومتهالكا اذ كان يبحث عن مشتمل او شقة للايجار فسألته عن سكنه الحالي فقال : هو في حي الامين الثانية وبسبب جشع مالكه الذي لم يتوقف عن طلب زيادة الايجار كل شهر يأتي فيه لاستلام مبلغ الايجار حتى اوصله الى 500 الف دينار ، وقطعا انا عاجز عن دفع مثل هذا المبلغ الذي هو مساو لراتبي الشهري ، فبم اعيش انا وعائلتي المتكونة من خمسة افراد؟ .
مواطن آخر يدعى ابو سمير يقطن مدينة الصدر قال: بعت نصف القطعة المشيد عليها منزلي لاحد المواطنين الذي يعمل موظفا في احدى دوائر الدولة بعد ان تسلم قرض ال 100 راتب وباع مصاغات زوجته الذهبية واستدان من اخوته واقاربه ب 160 مليون دينار على امل ان يبتني له دارا على الامد البعيد .قلت : الا تظن ان السعر مبالغ فيه ؟ قال : ( لا عمي ..شنهو مبالغ بيه ؟ هي فلوسنه هم فلوس؟).
في منطقة الوزير ية التقينا المدرس عبد الرزاق الحلي الذي حكى لنا الاتي :لي صديق هاجر هو وعائلته الى سوريا تاركا وراءه ملكه الذي هو عبارة عن قطعة ارض تقع في منطقة الثعالبة وبعد ان امضى في مهجره اكثر من احدى عشرة سنة ،عاد ليستقر في بلده وفي اعماقه رغبة شديدة لتشييد دار له على تلك القطعة ،فكانت المفاجأة صادمة له لما وجد ان قطعة الارض تلك قد بيعت لاكثر من خمس مرات من دون علمه بعد ان زور احد السماسرة سندها الاصلي ، وها هو الان يعيش وسط دوامة المحاكم لاكثر من عام وعلم مؤخرا ان هذا السمسار يقيم في السويد .
تلاعب أصحاب مكاتب الدلالية
غازي السعيدي سائق تاكسي استأجرته مرة ليوصلني الى منزلي حدثني قائلا بعد ان تجاذبنا اطرافه بخصوص هذا الموضوع :(صارت الحيلة هي ديدن بعض الدلالين ، فقبل اكثر من شهرين باعت اختي منزلها على امل ان تشتري آخر اصغر منه على امل ان تدخر لزوجها من سعره شيئا من المال لشتري له سيارة تاكسي تعينهم على توفير متطلبات العيش ، فتسلمت عربون بيتها ودفعته عربونا للبيت الذي كانت تريد شراءه وها هي اليوم بين نارين ،فلا هي تسلمت ما تبقى من ثمن بيتها ، وفي الوقت نفسه لا تستطيع اكمال مبلغ البيت الذي دفعت عربونه ،ولا يمكنها استرجاعه بسبب تلاعب الدلالين الذين يستثمرون هذه المبالغ في البيع والشراء ، واخيرا اضطرت للجوء الى العرف العشائري ).
هذا ماالتقطته مسامعنا ، ولكن كان لقاء مع مدير التسجيل العقاري في منطقة الحسينية الست ( ز . ا) التي نفت ان تكون للدائرة صلة بما يجري في سوق العقارات الا فيما يخص تصديق وتثبيت عمليات البيع والشراء وبحضور الطرفين كشرط اساس. قلنا : ومن يمنح اجازات مكاتب الدلالية ؟. : لا شأن لنا بمنح مثل هذه الاجازات لان الجهة المسؤولة عن هذا الامر هي امانة وغرفة تجارة بغداد .
المواطن المدرس صاحب جليل المحمداوي قال وهو يقهقه (ظل البيت لمطيرة وطارت بيه فرد طيرة )واقع اسعار العقارات في العراق يثير الدهشة والاستغراب في آن معا ،خذ مثلا سعر المتر المربع الواحد في حي طارق المتهالك والخالي من الخدمات تماما يربو على الـ(750 )الف دينار ، وكأننا نشتري في منطقة ( بيفرلي هيلز ) الواقعة في هوليوود عاصمة السينما العالمية ، او في امارة موناكو ،هذا غير معقول ! ،الوقائع تؤكد ان هذا الارتفاع المستمر في اسعار العقارات سببه الرئيس مضاربات مكاتب الدلالية والسماسرة المنتشرين في جميع احياء بغداد ،ويسترسل : الدولة مطالبة .بالتدخل الفوري لمنع هذه المضاربات رفقا بحال المواطن الذي تنهشه مخالب وانياب هؤلاء الذين لا يرعوون ولا تأخذهم بالانسان مخافة الله .





_1617644865.jpg)



