حوارات وتحقيقات

فقراؤه مواطنون عراقيون ولكن.. (بدون)!.. حي السفير يغرق بالمستنقعات شتاءً وبمياه النزيز صيفاً

كنا نجد صعوبة ونحن نمر عبر منزلقه الرئيس (شارعه) هكذا اسميته ، فهو غارق بالاوحال والاطيان، كان مُعبدا غير ان اسفلته تآكل تدريجيا فكثرت فيه الحفر والتخسفات ، وهو في طريقه الى التلاشي والزوال ، لا ادري من اسماه بـ (حي السفير) ، فربما جاءت التسمية من باب التهكم والسخرية من واقعه البائس ، ازقته تطفح بالمياه الاسنة التي تفوح منها شتى الروائح النتنة  بيوت مواطنيه تنز بما يشبه الصديد ، هي اربعة الاف وحدة سكنية تحيط بها البرك المعشوشبة والمليئة بالاشنات والحشرات ، وتنتشر في ارجائها الكلاب السائبة. 

ونحن نتجول بين جنباته لم نبصر شجرة او نبتة واحدة تدلل على ان ارضه صالحة للانبات ، ففي الصيف وحينما تجف البرك بفعل عوامل التبخير تذيب اشعة الشمس املاحها فتتحول الى ارض متغدقة وسبخة لا تنمو فيها النباتات. 

تحقيق / شاكر المياح 

 

حي السفير هو واحد من احياء عديدة لم تعد موجودة في ذاكرة المسؤولين الكبار والصغار على حد سواء ، هذه الاحياء يمكن تسميتها بـ (احياء الفقراء والمُعدمين) أي الذين يمثلون الكثرة الغالبة بين سكان بغداد ، وهم الوسط المستهدف في مواسم الانتخابات . 

مآسٍ تتكرر كل عام 

ها هو الشاب ( نوفل) يحدثني عن واحدة من مآسي مواطني هذا الحي المغلوبين على امرهم: 

عندما ينهمر المطر يتعذر علينا الوصول الى مرآب السيارات ، او الشارع الرئيس من دون استخدام ( الجزم ) التي يروج سوقها في موسم الشتاء . 

المواطن ( ابو وسام المياحي ) قال:

نصرخ بصوت عال عسى ان يسمعه اولئك المسؤولون المقيمون في بروجهم العاجية اذ ابوا مغادرتها للاطلاع على واقع سكان الاحياء التي يستوطنها البؤس والمرض ، لا اعتقد ان احدا في هذا الكون الفسيح يحيا مثلما نحيا نحن من دون ماء ولا كهرباء ولا مجاري ولا خدمات ، نحن – محرومون – من ابسط مستلزمات الحياة الانسانية ، فالماء الذي نشربه تشوبه كدرة دائمة ( خابط ) ومعظم اطفالنا تعرضوا للاصابة بمختلف الامراض المزمنة والمتوطنة . 

اينما توقفنا يتحلق حولنا اطفال حفاة ، اقدامهم مثقلة بالطين ، وهم شاحبو الوجوه ومن كل الفئات العمرية ، بعضهم كانوا يقضمون ارغفة الخبز ، تخيلتهم في تلك اللحظات بعضا من اطفال الصومال او بنغلاديش  ، وليسوا في العراق اذ تطفو بيوت ذويهم فوق بحيرات هائلة لا تنضب من النفط وان ايراداتهم منه ولشهر تشرين الاول فقط من العام الجاري بلغت اربعة مليارات دولار . 

لا مدارس في حي السفير 

ويسترسل المياحي فيقول : في الشتاء يصعب مرور السيارات في الشارع الرئيس لذا فان واسطة النقل الوحيدة في المنطقة هي سيارات ( الجيب ) المصنعة في ستينيات القرن المنصرم ، وحي السفير انشئ في بداية الثمانينيات من القرن ذاته على هيئة ( ملك صرف زراعي ) وعلى وفق هذه الصفة حرمنا من جميع الخدمات البلدية والانسانية وحتى من المدارس ، المدرسة الابتدائية الوحيدة تقع في حي العبيدي ، والمدرسة المتوسطة في منطقة الشهداء التي تبعد حوالي كيلو مترين . 

الشاب ( حيدر شاكر ) صاحب مكتب دلالية في الحي قال : نعمل على مساعدة الفقراء عن طريق تبرعات بعض المواطنين التي غالبا ما تكون بسيطة وبالكاد تسد الرمق ، وفي اليوم المطير تتوقف الحياة في هذا الحي المتهالك ، اذ لا احد يستطيع السير بين ازقته الطينية ، واضرب مثلا : اشقائي بلغوا الان مبلغ الرجال وهم اميون لا يعرفون القراءة والكتابة ، لان المدارس بعيدة والطرقات موحلة في جميع فصول السنة ، ناهيك عن الواقع الصحي المتردي لعدم وجود مستوصف صحي ، اما الكهرباء فحدث عنها ولا حرج ، خصصت للمنطقة اربعة خطوط نفذ منها ثلاثة فقط . 

يجهلون ممثلهم في المجلس المحلي 

ويواصل حيدر حديثه فيقول : تم تخصيص صهريجين لتجهيزنا بمياه الشرب غير اننا لا نبصرهما الا مرة في السنة ، وكذلك عجلتي حمل لرفع الانقاض والنفايات لا تمر علينا الا مرة واحدة في الاسبوع كما اننا لا نعرف من هو ممثلنا في المجلس المحلي والمنطقة برمتها ( كلش تعبانه ) ، ويستذكر : حينما انتهت الحرب العالمية الثانية ، ارادت اميركا ان تعوض خسارة اليابان ، فطلبت القيادة اليابانية انذاك ان يكون التعويض في بناء مدارس لابناء الشعب الياباني ، اما نحن فما زلنا ندفع التعويضات للاخرين الذين ينعم ابناؤهم بالتعليم وبمدارس عصرية تتوافر فيها كل المتطلبات التربوية والعلمية فمتى يلتفت قادتنا الى ابناء شعبهم المحرومين من كل شيء ومن ابسط متطلبات العيش الكريم . 

في العراق مواطنون بدون 

المواطن ( ابو احمد 57 عاما  متقاعد ) رفض في بادئ الامر التحدث عن واقع هذا الحي وبعد اخذ وعطاء استطعنا اقناعه بالحديث فقال : رفضت التحدث لعلمي بان الدوائر المعنية لديها اجوبة جاهزة للكارثة الخدمية التي يعيشها المواطن في حي السفير ، سيقولون حتما بان المواطن في هذا الحي ليس له الحق في ان يشرب ماءً صافيا ، او ان تبلط شوارعه وازقته ، او ان ترفع منه النفايات لان اراضيه ( ملك زراعي ) ونسوا او تناسوا بان جميع احياء بغداد كانت اراضي زراعية يوما ما غير ان حكومة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم اشترتها وملكتها للمواطنين كقطع اراض سكنية . في حي السفير . المواطن جنب الحكومة مشقة الشراء لما اشترى الارض من ماله الخاص منذ زمن النظام السابق ، وها هو في نظر الجهات المعنية يعد ( متجاوزا ) ولا يستحق الحياة وعلى المسؤول ان يميز ما بين الارض الزراعية – الزراعية المسجلة باسماء اصحابها الذين لهم الحق في التصرف بها ، والارض الاميرية المملوكة للدولة التي لا يحق للغير التصرف بها وبسبب عدم فهم المسؤول لهذه القضية يتذرع بعدم تمتع المواطن بجرعة ماء خالية من الجراثيم كونه يسكن في منطقة مسجلة ( طابو زراعي ) ويحسب ان الفقراء القاطنين في مثل هذه الاحياء هم عراقيون ( بدون ) . 

قبل مدة وجيزة نصب منتسبو وزارة الكهرباء اعمدة لايصال التيار الكهربائي لشارع واحد وتركوا الشوارع الاخرى بلا كهرباء ، ولما اشتكى اهالي الحي جاءت الاجابة بانها ارض زراعية لا يجوز شمولها بالخدمات ، اذن كيف تم شمول شارع واحد فيها ؟ . مما يؤسف له ان الدوائر البلدية والجهات المعنية تزود الجهات العليا بمعلومات غير دقيقة من اجل تحويل الحي الى منطقة سكنية ، وان اي مطلب او شكوى ترفع الى رئاسة الوزراء يهمش عليها المسؤول بهامش ضبابي وغير دقيق . 

ويسترسل ابو احمد قائلا : سبق لمجلس الوزراء ان امر بتبليط شوارعه الا ان الامر لم ينفذ حتى اليوم ، واذا ما راجع المواطن سجلات دائرة  البلدية سيجد ان سجلاتها تشير الى ان الحي جهز بمئات الاطنان من الاتربة والسبيس لتسوية شوارعه غير ان الواقع غير ذلك تماما لان المعلومات وهمية وان هذه المئات من الاطنان على الورق فقط وتم تقاسم تخصيصاتها المالية بين المعنيين . 

المواطن ابو وهاب قال : من يمرض منا يذهبون به الى مشفى مدينة الصدر او الى المشتل ، الامراض المتفشية في الحي كثيرة ومنها التايفوئيد والانفلونزا التي طال مكوثها في حي السفير ، والاسهال بسبب مياه الشرب الملوثة والمخصصة اساسا للسقي .

المواطن كاظم علي الشويلي تحدث قائلا : لا احد يستشعر بمعاناة مواطني هذا الحي الذي يفتقر الى جميع الخدمات الصحية منها والبلدية والتربوية ، وكذلك شبكة الصرف الصحي ، ابان النظام البائد كانت المنطقة تسمى بحي الشيشان ، وبعد الانتفاضة اقتطع منها منطقة الكفاءات ، وما يزال جنس ارضه زراعيا وهناك قرار يقضي بتغيير جنس الارض الى سكني اذا كانت محاطة باحياء سكنية ، وها هو حي السفير تحيط به اربعة احياء سكنية هي العبيدي ، والكفاءات ، والشهداء ، والشماعية ومع هذا يرفض المعنيون بالامر تغير جنس اراضيه المملوكة للمواطنين القاطنين فيه علما بانها مصفرة ( اي اسقطت عنها الصفة الزراعية لكونها ضمن التصميم الاساسي لمدينة بغداد ، وما يزال يطبق عليها القرار 581 الصادر في زمن النظام السابق .

هل راجعتم الدوائر ذات العلاقة بخصوص هذا الموضوع ؟ 

نعم ، التقينا بعضو مجلس النواب حيدر السويدي وهو المسؤول عن شكاوى العراقيين وطلب منا احضار صورة ضوئية للحي ، وبدورنا التقينا بالقادة الاميريكين ورجوناهم ان يجهزونا بها غير انهم رفضوا بحجة ان للامر علاقة بالوضع الامني ، ومع هذا سلمناه صورة ارضية مرفقة بعدد نفوس المنطقة ولم نتسلم اي رد حتى هذه اللحظة .

مستنقع في بيت، أم بيت في مستنقع؟ 

ويواصل الشويلي حديثه فيقول : ظلمنا في زمن النظام السابق  لما اطلقوا علينا في زمن البعث اسم ( الغوغائيين القادمين من الجنوب ) وتعرضنا للاضطهاد والقمع ، اعتقل منا من اعتقل واعدم من اعدم وغيب اخرون ، وما نزال نتعرض للظلم بعد التغيير اذ كنا نأمل انصافنا الا ان من يعنيهم الامر اصموا آذانهم عن سماع استغاثاتنا ونداءاتنا ، ليس في الحي باسره سوى هذا الشارع الذي تم تبليطه من قبل الاميركان ، ويتعرض الان الى التآكل وربما سيتلاشى بعد عام . 

في بيت احترت في كيفية بنائه ، هو ليس بيتا بالمعنى المتعارف عليه ،فهو عبارة عن سقيفة مهلهلة غارق في بركة واسعة من مياه اسنة واحاط به مستنقع دائري ، تملكتني الحيرة كيف اصفه هل هو في داخل المستنقع ، ام ان المستنقع في داخله ؟ ذلكم هو بيت المواطنة ام على التي لا تملك من حطام الدنيا شيئا فقطعة الارض التي انشأت عليها سقيفتها تعود لاحد المواطنين الذي سمح لها بالاقامة فيها ، زوجها طريح الفراش ، وتعيش على ما تجود به اكف الكرام . 

ابو عباس الدراجي ذكر بان بيت ام علي ليس الوحيد الذي غرق بالمياه ذات الروائح الكريهة بل ان معظم بيوت الحي هي على شاكلته . 

هل شكلتم وفدا لمقابلة مسؤولي الدوائر المعنية؟ 

 شكلنا ثلاث لجان قامت بمراجعة مجلس محافظة بغداد ، وامانة بغداد ، والمجلس المحلي لمنطقة الغدير غير ان جهودها لم تثمر عن شيء سوى الوعود ، زادنا الوعود ، وشرابنا وعود (وكلها اجاكم الخير ..اجاكم الخير وماكو قبض )، وحينما تلصق صور المرشحين للانتخابات تكال لنا الوعود التي سرعان ما تذهب ادراج الرياح ، لانهم سيكونون عند ذاك في شغل شاغل عن الناس ، ما هو مهم لديهم مصالحهم الخاصة ومنافعهم الشخصية ، اما المواطن فليذهب الى الجحيم ، لا نريد سوى خلاصنا من برك المياه التي تنتشر بين الازقة ويغرق فيها الحي باكمله .

ويتداخل الشويلي فيقول : الحي شطر الى نصفين كهربائيا ، فالشطر الايمن منه تم تجهيزه بالكهرباء ، والاخر ظل من دون كهرباء ، مسؤولو دائرة الكهرباء طلبوا منا 12 مليون دينار بغية ايصال التيار الكهربائي الى منازلنا ولكم ان تتصوروا حجم الفساد في تلك الدوائر .

الشاب ( رزاق ) يعمل سائق سيارة تاكسي اوضح بانه لا يستطيع ان يصل بسيارته الى البيت بسبب غرق الشارع بالطين والوحل ( كان يحمل اكياسا بلاستيكية تحوي الخضراوات والفاكهة )، انظر الى حالي تركت سيارتي امام منزل اقاربي في العبيدي واتيت سيرا على الاقدام ، فالى متى يبقى حالنا على ما هو عليه في الوقت الراهن ؟ وعندما تتعطل المنظومة الكهربائية لا احد يأتي لاصلاحها الا بعد ان ندفع لهم مبالغ مالية نجمعها من المواطنين واخر مرة دفعنا مبلغ 180 الف دينار لعمل الصيانة لاصلاح سلك كهربائي مقطوع ناهيك عن افتقار الحي الى سوق تجاري .

اما الوضع  الامني فهو مستتب ، والمواطنون متآخون ومتحابون ومتعاونون فيما بينهم في السراء والضراء ، ويضيف : مساحات البيوت تتراوح بين 250 متر مربع تقسم بين الاشقاء فعلى سبيل المثال اذا كانوا ثلاثة فتكون حصة كل واحد منهم بحدود 80 متراً مربعاً ، ومائة وخمسون مترا مربعا تشيد بالبلوك واحيانا بالطابوق اذا كان المالك ذا حالة مالية كافية ، وعلى العموم فان معظم ابناء حي السفير هم من الكسبة ، والبيوت مشيدة على وفق طرز معمارية حديثة ، ابو رؤوف قال : ربما ستنهار المنازل على ساكنيها بسبب ارتفاع مناسيب المياه الجوفية .

وتساءل احد المواطنين يعمل بَناء : هل افردت الحكومة تخصيصات مالية لحينا هذا ام لا ؟ وهل نحن – محسوبون – كعراقيين لنا الحق في العيش اللائق في وطننا الذي دفعنا دماء عزيزة من اجله ؟ .نحن لا نبتغي من الحكومة سوى تبليط شوارع الحي وعمل شبكة سطحية للصرف  على اقل تقدير ، كي نشعر بان دولتنا تحسبنا مواطنين لنا حقوق وعلينا واجبات .فان كانت هناك تخصيصات مالية سنشارك في الانتخابات ، وبعكسه لن نسهم فيها ابدا . 

الشويلي قال في مداخلة له : نحن افضل من الذين جاءوا من خارج العراق لاننا صبرنا وقاومنا الديكتاتورية وتحملنا الاذى والحرمان والقهر والاضطهاد وكل اشكال العنف ولم نبرح وطننا ايكون جزاؤنا ان نحرم من اسهل الخدمات البسيطة ، شارع مبلط على سبيل المثال وتغيير جنس اراضينا التي شيدنا عليها دورا تقينا حر الصيف وبرد الشتاء .

مدارس العبيدي لا تقبل اولادنا لان اداراتها تعمل بنظام الرقعة الجغرافية ومثلها منطقة الكفاءات لذا فان اغلب الاطفال لم يسجلوا في المدارس وسيظلون على هذه الحالة حتى ترق قلوب رجال الدولة العراقية وتبني لهم مدارس الا ان هذه الامنية ستظل بعيدة المنال حتى يأذن الرب بذلك.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان