محسن صابط الجيلاوي
…سنلمس هذا الجوع، هذه الدروب
هذا الضياع، هذه المسافات…
نرفع عند أسوار السدة رايتنا الممزقة
نخيط بقماشِ سماء سوداء ثقبا من عارٍ
ندهن به جلودنا الملطخة ببارودِ الهزائم…
نغرف من هذهِ الشطآن الضامرة
طلاءً نحاسياً نخشع عند رائحتهِ…
نلهو بمدنِ الربِ العارية، نرشقها بالرصاصِ وبالوردِ…
تجنح الطيور الهَلعة عند جزيرة صغيرة، نطير معها نحو الصوب الآخر
ننام في (العزة) ونتخطى غروبنا عند نقابة المعلمين…
نبيع أسرارنا، أحلامنا مع لمعان الشبوط ومغامرات السماكين
ما بين زرقة تسكن فيها أوجاعنا وفضاءٍ
من هواءٍ يلوثه المخبرون ورجال الشرطة…
نخرج من الحجرِ المؤطَّرِ بالتواريخِ، بأسماءِ العشَّاقِ المنتحرين
بمواعيد الحبِ الخائفة ..
يغرقنا بقايا النَّفط الطافح عند مساءاتِ
السفن على ماءٍ سجين…
أبو شفيع نراه يومياً يتأبّط الفقر، الثورة، أحلام تلاميذه
الصغار، وأسرار الصداقات…
يلوح لنا ثم يذوب بزحمةِ السوق المسقوف
المشروع، مقهى سيد كاظم، مقر الحزب وجموع
فقراء المسطر…
نذهب بعيداً ثم نطوي صحراء الروح
عند حافة خضراء، علمتنا إياها هي الأسمى والأبقى
في ضميرِ المكان…
نجد خيلاً أصيلة تنتظر فارسها، أعنتها الفولاذ الثقيل
وحوافرها الدّهر الشقي…
نتطاول بالمتبقي لكي نمتشق المدى الغابر…
زمن من الإسفلت يلطخ وحشة الطرقات
يضيع فيها بهاؤنا المنجل على سرجٍ
يعتمره الذهب…
أيّ شيء يأخذني إلى مدينتي، يعيدني
رقيقاً، طافحاً فوق الماء…؟
أيّ كتب بقيت وأيّ عشاء أخير تركته لنا…؟
نحن نفتش عن ذواتِنا المنحلة في عذوبةِ
المجد المفترض…
أبو شفيع…له وحده غلة الشجاعة
وتمثال الخلود…
وحده له الحق أن يفتش عن سرِ دواخلنا الموحشة
هو وحده يمسك العراق بقبضتيهِ ليعيده
طائراً جميلاً يسابق خيلنا المتسارعة…
وحده يدخلها البهاء، ويعطيها ألق التفاصيل…
وحده يعيد رعشة المساء النبيل…
لوعة الحب على رملٍ هو كالماء نذوب فيه…
نجلو أحزاننا ونخلد إلى راحة في مساءٍ ظليلٍ
أراك عاشقاً في الضفةِ الأخرى تعيد (للكوت)
وحدها، تاريخها القديم، نبيذها المعتق
وضفافها الشاردات…
مرحاً لأنك تركت لنا خيلا أصيلة وسروجا مهيأة
لمن يريد أن يعيد لها الروح…
يعتليها بشموخ الفرسان القادمين من ليل الحق
ليشعل فيها دفء جنة أخرى غير التي
غادرتنا يوم ضيعناك وضعنا…





_1617644865.jpg)



