د. علي عبد الأمير صالح
(1)
يقول ياسين النصير ((إذا أسلمنا جدلا أن الفن عموما – والقصة بخاصة –مغامرات فكرية الاكتشاف الواقع امنا بان اية مساهمة في هذا المجال لاتقف عند حافة الامور بل تتجاوزها الى جوهر العلاقة بين الانسان ومجتمعة وبينهما وبين العالم ))00
ثم يقول في موضع اخر في مقالته الموسومة ((قرائة جديدة في القصة العربية الحديث )) المنشورة في العدد الرابع من مجلة (الاقلام ) العراقية سنة 1980:(ان الفنون لا تحاكي شيئيات الواقع ولا تستعير لغة الحاضر اليومي ولاتتفاعل مع الصطح المباشر بل هي تتجاوز ذلل كلة الى العلاقة الميكانيكية في جوه الشياء )
قد يصلح هذان الاقتباسات كمدخلية لدراستنا هذه التي خصصناها لزميلنا القاص الراحل حميد ناصر الجيلاوي الذي غيبه النظام الشمولي في العراق في العام 1983 كما تشير الى ذلك شهادة الوفاة المرقمة 5185 والمؤرخة في 8/9/1983والصادرة عن مستشفى الرشيد العسكري ببغداد حيث يشير الحقل (17)الى ان سبب الوفاة هو الاعدام شنقا حتى الموت 00كما ان المرحوم الجيلاوي لم ينل حقه من النقد والاهتمام والدراسة 00وحتى اذا كان قد أشار إليه البعض هنا وهناك في مدن عديدة من العالم فانه لم ينل استحقاقه كما نعتقد..آملين في دراستنا هذه أن نفيه حقه وان نلفت الانتباه إلية كونه واحدا من كتاب القصة القصيرة المجيدة وغزيري الإنتاج 00كان ينشر في الصحف العراقية والعربية لا بل أن بعض قصصه القصيرة والطويلة نشرت في مجلة ((الأدب)) البيروتية خلال سبعينات القرن الماضي 0
نعم، إن حميد الجيلاوي لم ينل ما يستحقه من الدراسة والتأمل وان ناقدنا المثابر ياسين النصير أشار إليه مع مجموعة من زملائه القصاصين محسن الخفاجي–جاسم عاصي – إبراهيم احمد – مجيد جاسم العلي – نعمان مجيد – هشام توفيق الركابي وبثينة الناصري .. أشار إليه إشارة عابرة حيث قال عنه وعن زملائه القصاصين المذكورين أنفا في المقالة أعلاه: (( أن الكتاب الشباب الذين عايشوا الجديد في الحياة الاجتماعية، قد وقفوا بعد تجارب قصصية ناجحة على قدمين ثابتين، ليضيفوا إلى قالب القصة الستيني بعض التلوينات الأسلوبية والفكرية لاءمتْ المظاهر المستجدة في الواقع..))
(2)
قطع الكاتب حميد ناصر الجيلاوي شوطا كبيرا على طريق التمكن من أدوات الكتابة القصصية والروائية وامتلاك النفس السردي . لم يلجا حميد في معظم قصصه القصيرة إلى تقنيات السرد الحداثية ( أو الطليعية )، بل استخدم تقنيات واقعية معروفة.. ومثل أي كاتب أو فنان ملتزم يتحسس ما يجري في العالم المحيط به عبر حميد عن هموم مجتمعه وأبناء جيله .. إلا إن حميد لم يتحول إلى داعية تضج أعماله بالشعارات السياسية والاجتماعية.. فالكاتب، قناعاته وأرائه بوسائل التعبير الأدبية.. فالكاتب ، أي كاتب ، لا يمكن أن يبقى طرفا محايدا في الصراع الأزلي بين الظالم والمظلوم .. بل انحاز إلى الطبقات المسحوقة وانتصر للفلاحين في معتركهم الباسل ضد العبودية والاستغلال. لم تكن الكتابة عنده نزوة ولا بطرا ولا تباهيا .. كانت بالنسبة له رسالة وطنية واجتماعية وإنسانية وثقافية وسياسية.
كان يروق لحميد ناصر أن يستعمل لغة واضحة، بسيطةً، مركزةً وغنيةً بالإيحاءات.. وربما كان يؤمن بمقولة أنطون تشيخوف، الكاتب الروسي الشهير، التي مفادها أن فن القصة القصيرة هو فن الشطب.. نعم كان حميد يحذف أي كلام لا يضيف شيئا، كي يغدو نصه الأدبي نقيا خالصا خاليا من كل الشوائب والزوائد التي لا تغني ولا تسمن من الجوع، إذا صح التعبير.
ذات يوم، كتب تشيخوف لشقيقته قائلا: (( استلمت وسادة مزينة بالدانتيلا ، وما علي إلا أن انتزع الدانتيلا واحتفظ بالوسادة )).. وهكذا فعل حميد، حيث كان يشطب من الفقرة كل الأهداب غير الضرورية وكل الدانتيلا اللفظية.
لغة حميد الجيلاوي القصصية متوترة، مشحونة، مليئة بالاستعارات والتشبيهات، القريبة من نفوس بسطاء العراقيين وأهل الريف تحديدا فالبرق في قصة ( ماتيسر من سورة الليل ) ص(24):(( يتعرج كشرخ المرآة..)) والشغل يربض على ظهر الشاحنة (( كالجثة الأسطورية )) والسيارة تتقلب في سيرها (( كالبسطة على الطريق الموحل )).. الطين يتطاير إلى الخلف والأعلى ( كحبات الحالوب ) المطاط يشتعل، يفوح برائحة قذرة نفاذة كالفار.. زحف الشغل كالفيل.. زحف إلى الإمام نحو مقدمة السيارة..(( أحس عليوي بالحديد، بالكائن الحديدي الحائل بالفيل يتقدم، يزحف ببطء، يزحف ويعصره رويدا، يشتد اعتصاره ويستحيل كاليد القاسية المشتدة على برتقالة صغيرة.. أحس بالعظام تتكسر، تتهشم، تنسحق كالتراب.. مد ذراعيه مدها بعنف ودفع الكائن الحديدي.. دفعه بيأس وعذاب.. دفعه والكائن يشد من طغيانه واعتصاره )) ص 45-46
في هذا المقطع الطويل الذي اقتبسناه من قصة (( ما تيسر من الليل )) استخدم حميد الجيلاوي ثمانية تشبيهات هي كما يلي:
البرق
شرخ المرآة
الشغل
جثة أسطورية
السيارة
البطة
الطين
حبات الحالوب
رائحة المطاط
رائحة القار
الشغل
الفيل
الكائن الحديدي
اليد القاسية
العظام
التراب
وفعل حميد الشيء ذاته في بقية قصص المجموعة
لقد أولى حميد اهتماما كافيا باللغة والأسلوب، ولعله واحد من الكتاب الذين لم يجعلوا من اللغة غاية بحد ذاتها بل وسيلة أو أداة لإيصال الخطاب الأدبي.. وهكذا استمر حميد في الكتابة بصورة حيوية ومعبرة.. وقد ابتعد عن استعمال التعابير الجاهزة ( أو الكليشنهات ) ولهذا نجد أن لغة حميد لم تكن طنانة ، بل هي صادقة ومعبرة .. لقد استطاع حميد أن يشذب لغته السردية وابتعد كثيرا عن الأسلوب الفخ الذي يكتب به بعض الأدباء ولم يهو في عادة تقليد أسلوبهم الذي يمتاز بالمفردات الباهتة والخالية من التفرد والاصالة .
استندت لغة حميد القصصية على المفردات اللغوية، المجاز ، وعلى إيقاعات الكلام الشعبي، ألفلاحي في الغالب، والذي يشتمل على ثروة وعنفوان كشف لنا حميد أنهما لم تنضبا بعد.
(3)
أن جاذبية نتاجات حميد لا تكمن في كونها ((سهلة)) أو كونها مسلية ظاهرياً. . ولا في كونها حقيقة تكشف الواقع ((كما هو)).. أن الوصف الحقيقي، الحي، الملموس للواقع هو أحدى الصفات الرئيسية لفن الكتابة عند حميد الجيلاوي. . لكن الأغراء الرئيس لقصص وروايات حميد يكمن في شيء أخر. . يتجلى هذا الأغراء أولاً وأكثر من أي شيء آخر في عمقها الفكري والسايكولوجي والفلسفي.. أي يمكن في الحقيقة القائلة إنها تحمل ((تساؤلاً)) قلقاً عن مغزى الحياة)).
بأسلوب مرن، أخاذ، عبرّ بنفاذ عن نمو وتصاعد المواقف الدرامية، وتقلبات الأحداث، وتفجير الصراع في بناء قصصي حافل بالهيمنة الفنية المبدعة استطاع حميد ناصر الجيلاوي أن يقدم لنا شخصيات وعوالم عدة معيداً بذلك تشكيل الحياة وإيقاعها بأدوات فنية بارعة وجعلها مادة حية خصبة امتزج فيها الخيال بالواقع امتزاجاً تامًا عبر منحنيات السرد.
(4)
أن حميد ناصر الجيلاوي كاتب مرهف الإحساس، شفاف، يتألم أكثر مما يتألم الآخرون لمشاهد وقائع تحدث له أو تجري أمام عينيه، أو يسمعها من أناس قريبين إليه، فها هي ذي الأم المفجوعة بمقتل طفلها الصغير الذي دارسته الجاموسة وانفقأ بطنه في قصة (الحزن) ص47-50:
((اعرف أنه ينام. هو نائم منذ البارحة على جنبه الأيمن أو الأيسر… لا اعرف أبهما. . غير انه نائم وفي فمه حجارة صغيرة مالحة. . اعرف هذا لا يعرف هذا..)) ص(47)
الأم الحزينة تأتي إلى قبر وليدها في عز الصيف اللاهب وتداعب التراب الذي وارى القبر الصغير الندي الصامت. . يصيبها هاجس الحزن وتصرخ صراخاً مؤلماً كالعواء. . صوتها مبحوح ومتعب، تهمهم وتطرد الأشباح بأطراف أصابعها وتثير التراب بأصابع قديمها. . ينشرخ جرح في قلبها وتسع. . يغور. . وأصابعها تنزلق على التربة السبخاء.





_1617644865.jpg)



