حميد حسن جعفر
لم تستطع الايديولوجيا –في النصف الثاني من القرن العشرين- ان توجب على حاملها الإتصاف بالكثير من الكياسة، وعدم الالتفات يميناً او شمالاً ولم تستطع ان تدجن الكائن البري الموجود في داخل القاص الشهيد حميد ناصر الجيلاوي.
فما ان يأتمن الآخر –صديقاً او رفيقاً، غريماً او خصماً حتى تعلو أمواج السخرية من الآخر الذي يقصده، قد يكون رجل أمن، او شخصاً حزبياً تابعاً للحزب الحاكم، او كاتب تقارير او مدعي ثقافة.
ما كان مقتنعاً بثياب الأمبراطور –تلك التي اثارت اعجاب الملايين- من الممتلئين رعباً وفزعاً وتملقاً. ولم تعجب الطفل الذي عبث بعري الامبراطور. لقد كان الشهيد ذلك الطفل الذي لم تدجنه الممنوعات/ التابواهات لذلك ما كان يرى في خصومه سوى مجموعة اخطاء، وتجاوزات ولذلك كان الاباطرة وبطاناتهم يسمعون سخريته، ويبتلعون الموسى. لكي لا يكشفوا عن عوراتهم امام الآخرين. وان كانت مكشوفة امام حميد ناصر الجيلاوي.
سخريته هذه، والتي يطلقها في الكثير من الاحايين بوجه نص قصصي متردد، وشعري جامد. او بآراء فكرية او ادبية او معرفية تنتمي للثبات اكثر من انتمائها للمتحول.
فقد كان يبحث عن المتحرك في الساكن. كان مشغول الفكر والبال. لا ينفك عن حفر بئر بأبرة. بعيداً عن الملل والكلل. كان مانحاً للمفاتيح، من اجل تجاوز المغاليق، وسط حالات من القمع السياسي والفكري بل والوظيفي كذلك.
خلال فترة النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي حين اشتدت الهجمة الشرسة على اليسار العراقي خاصة والمعارضة العراقية بكل الوانها –دينية او دنيوية- كان الابداع والتجاوز سلاح حميد ناصر الجيلاوي، الأثير والوحيد كذلك. في مواجهة خصومه، رجال الدولة واستدعاءات الأمن والمخابرات ومسؤولي الحزب الحاكم.
كان يحاور، ويكتب، كان يرسم ويصمم، كل هذا الحراك الذي من الممكن ان يستفز الآخر/ الخصم ما كان مصدره شخصا آخر غير –الجيلاوي- فقد كان يمتلك من الحصانة الثقافية والفكرية والوداعة والطيبة وحسن المبدأ. ما يمنع الآخرين من اتخاذه هدفاً معادياً..
كان اميناً لمن يأتمنه.. كان مشاركاً قوياً في حلقات النقاش الثقافية التي كانت تقيمها اللجنة الثقافية لنقابة المعلمين، المتكونة في اغلب الاحيان من حاتم محمد الصكر، وعادل العامل، وصاحب عبدالحسين ياسين، وجواد ظاهر، وحميد حسن جعفر، وحميد ناصر الجيلاوي والعديد من الادباء ممن لا تحضرني اسماؤهم –ارجو المعذرة- كانت الندوات الثقافية تقام كل اربعاء –كما اتذكر- من كل اسبوع وخلال الموسم الثقافي السنوي الذي قد يستمر اشهراً عدة-.
-اول هذه الندوات كانت ضمن قراءات شعرية شارك فيها مجموعة من شعراء بغداد اذكر منهم: فاضل العزاوي، خالد علي مصطفى، عريان السيد خلف.
فقد اتاح الانفتاح السياسي في بداية السبعينيات والذي تحول الى مجموعة مصائد وفخاخ –استطاع الفكر الشمولي للحزب القائد- آنذاك عبرها من ان يقمع –مستنداً الى قوة البندقية، ودوائر الأمن، وسلطة الحزب الواحد ان يقمع اليسار العراقي والمعارضة الداعية الى دولة القانون والمؤسسات وحرية الاحزاب.
هدوؤه الشديد، ووداعته، وبساطته الذكية كانت تشكل ركناً مهماً من السلوكيات التي كانت تشكل جانباً من الحصانة التي يتمتع بها. فلم يتمكن خصومه من اشهار عدائهم له. فما من ثغرة يتسللون عبرها الى حصونه الفكرية والثقافية.
وكان يشكل قدوة للكثيرين. رغم اختلاف المشارب. بل حتى خصومه ما استطاعوا ان يقاوموا طبائعه. –سلوكياً واخلاقياً- صدقاً ووقاراً واخلاصاً، رغم الحصار المضروب حول مهنة التعليم، فقد كانت وزارة الحكم المحلي حينها، ووزارة التربية والتعليم –وزارة مقفلة باعتبارها مهنة من حق المنتمين للحزب الحاكم فقط، بل كانوا يحاولون التقرب اليه –عبر التشبه به- لكي لايكونوا خصوماً مكشوفين بالنسبة اليه رغم دواخلهم المعادية. ورغم عدائهم المستحكم له. والذي حولهم الى قتلة ومجرمين.
كان نشاط الشهيد حميد ناصر الجيلاوي الثقافي والفكري “كتابة وحواريات” يدفع بخصومه السياسيين الى ان يتماهوا خلف اقنعة الوطن والمواطنة/ العراق والامة العربية، غير آبهين بما سيكونون عليه في قابل الأيام- فقد كانوا نائمين في الماضي الثابت بعيدا عن المستقبل المتحرك.
كانوا يتبجحون بصفات وسلوكيات غير قادرين على امتلاكها بحكم الفكر الانتهازي، المستند اصلاً على شطب الآخر، والانفراد بالسلطة،
حميد ناصر الجيلاوي –القاص والفنان المنتمي- واخيراً الشهيد ما كان على وفاق مع الآخرين، والآخرون هنا الممسكون بيد من حديد على كرسي الحكم “من أعضاء الحزب الشمولي، ورجال الأمن والمخابرات ومكافحة الجريمة السياسية” رغم وجود الاخطاء المرحلية التي سميت “الجبهة” او ما كان يسميها شمران الياسري “ابو گاطع: بـ الچبحة، أي –السقطة- او –الوقعة-“
فقد كان يطلق سهام سخريته على الجميع وبالتساوي كان يسمعهم الكلام اللاذع، والتسميات الساخرة، والصفات التي لا تليق الا بهم –عبر عملية ما كان يسمى حينها في الوسط السياسي والحزبي “النقد والنقد الذاتي” فقد كانوا يسمعون كل ما يقول. وما كانوا إلا كـ(بلاع الموسى) فقد كانت الالغاز والتعميمات اكثر اسلحته تأثيراً في مواجهة الخصوم فما كان منهم سوى ان يبعدوه عن جغرافية “توفر له نوعاً من الحماية” يبعدوه عن اهله واصدقائه، عن رفاقه وحزبه، وعن محبيه اذ تم نقله وظيفياً –كعقوبة- الى احدى مدارس تكريت لكي تتم –عبر هكذا فعل- عملية الانفراد بـ(ابو شفيع) وقد تم لهم هكذا حال، حاله حال المئات والالاف من المناضلين العراقيين.
العالم بشرقه وغربه كان يعمل على استمالة السلطة الحاكمة آنذاك الى جانبه الكل يحاول ان لا يخرج العراق –رغم فكر السلطة الشمولي- من سلته. الغرب الذي صنعه والشرق الذي سانده.
علاقات وطيدة مع كاسترو، وشاوشيسكو، وصلات مشبوهة مع المخابرات الامريكية خاصة واوربا عامة.
وكان القائد الضرورة يحاول ان يشتري الطرفين.
وبين حجري الرحى كان الانسان العراقي يتحرك، متخفياً مرة، وهارباً الى الخارج مرة اخرى، وثالثة واقف وسط محارق الحروب والموت، ورابعة نزيل المعتقلات والتصفيات الجسدية، والمقابر الجماعية، وما تبقى ركب القطار وراح يهرول.
فماكنة الدولة والسلطة الهائلة بعجلاتها وقسوتها. لا تبقي ولا تذر ساحقة كل من يحاول الخروج عن الحشود الراكضة نحو المذبحة وسط هكذا فضاء قسري كان حميد ناصر الجيلاوي يتحرك في المجال الثقافي.





_1617644865.jpg)



