حوارات وتحقيقات

بين ضبط النفس و التعويض عن حريات مفقودة !! … حمّى التسوق : إنفاق هوسي و هروب من فراغ الذات

يعتبر الادمان على التسوق من المشاكل الكبيرة المركونة على الرف دون تسليط الضوء عليها بالشكل الكافي… وهناك من يرى أن أسباب الادمان أغلبها يرتكز على الشعور بالكآبة أو الفراغ العاطفي أو عدم اهتمام الاهل أو الشعور بالنقص أو عدم الثقه بالنفس.

فالمدمنون على التسوّق من منظور الطب النفسي هم أشخاص لا يمكنهم التحكم بميلهم إلى صرف المال والتسوّق حتى لو أدى ذلك إلى الاستدانة.

 اذ يستعملون التسوّق كوسيلة للتأقلم مع مشاعرهم، بالرغم من أنهم لا يتسوّقون بدافع المتعة ولا لأنهم بحاجة لما يشترونه. ويبدو أن النساء أكثر عرضة لهذه المشكلة ،بما أن تسعة من أصل عشرة مدمنين على التسوّق هم من النساء. وغالباً ما يكون السبب مشكلة أخرى في حياتهن مثل النقص العاطفي، عدم القدرة على تحمّل المشاعر السلبية، الحاجة إلى ملء فراغ داخلي، هروب من الواقع، نقص التقدير للذات والسعي إلى رفع معنوياتهن… حيث عرّف أطباء الصحة النفسية إدمان التسوق، بأنه «الشراء المنفلت المتكرر والمُزمن والذي يصبحُ عادةً، وردُّ فعلٍ أساسي على الأحداث أو المشاعر السلبية، ويشمل نمط إنفاق هوسي أو لا تُستَطاع السيطرة عليه، لشراء أشياء لا يحتاجها الفرد، أو لا يحتاجها حالياً، وفي غالب الأحيان يخزنها دون أن تُستَعمل. ويشعر مدمن الشراء بنشوة غامرة أثناء عملية الشراء، وأحياناً تسبقها أو تصاحبها إثارة كبيرة، إلا أنه غالباً ما يعقبها الندم بسبب التورّط المالي الناتج عن ذلك، وكثيرون من هؤلاء يتسوّقون منفردين، ويُضطرون لإخفاء ما يشترونه عن المقربين منهم..

تحقيق-سناء الحافي

 
حمّى التسوق…دراسات و إحصائيات صادمة !!
وهذا ما أكدته دراسة أعدتها كلية الإعلام /جامعة القاهرة، حيث كشفت أن المرأة تتعرض لإغراء الشراء والتسوق أكثر من الرجل لأنها تجد في ذلك فرصة للتنفيس عن الضغوط والمشاكل التي تتأتى من خلال علاقتها بشريكها، فهو مشغول عنها دائما بعمله في النهار وأصدقائه والتلفزيون والكمبيوتر في الليل، فتجد في السوق والتسوق رفيقا تفرغ فيه ما يصيبها من قلق وتوتر وتعب نفسي.
وقد أوضحت الدراسة أن نحو 80% من الإعلانات التلفزيونية موجهة للمرأة لأنها صاحبة قرار الشراء في الأسرة، ولأنها على عكس الرجل، تنقاد بسرعة وتضعف أمام بريق الإعلان.
كما أكدت إحصائية عراقية شملت 938 عينة من الفتيات والسيدات أن حوالي 33 % من النساء يتسوقن أكثر من 5 مرات في الشهر الواحد، وأشارت 284 سيدة  إلى أنهن يفضلن التسوق من مرتين إلى ثلاث مرات في الشهر، بينما أفادت 338 امرأة أنهن لا يذهبن إلى الأسواق إلا مرة واحدة في الشهر.
كما كشف استطلاع رأي آخر أن النساء يتخذن التسوق كبديل للتنزه والترفيه.  يخفف الضغوط النفسية عليهن في ظل تقلص المساحات المتاحة لهن لممارسة نشاطات اجتماعية أو رياضية.
وتبين من الاستطلاع أن الأسواق تستهدف بسلعها ومنتجاتها فئة النساء أكثر من الرجال ومهما كان الدخل محدودا، فالكثير من الفتيات يرغبن في شراء أفضل وأجمل السلع بغض النظر عن الأسعار والكثير من الرجال لا يتفهمون هذه الحقيقة.
ويرى الباحثون أن الرجل بعد الزواج يشعر بأنه ليس مضطرا إلى الإسراف، بل إلى الإمساك على نفسه ليدخر للأسرة وللمستقبل، بينما تشعر المرأة بأن من أولوياتها الاستمرار في الإنفاق على نفسها ومظهرها لتحافظ على صورتها الجميلة في عيني زوجها، وهذه فكرة تتوارثها الفتاة وتتربى عليها، ومن هنا ترى أن التسوق وسيلتها الوحيدة للاحتفاظ بقلب رجلها.
إدمان الرجال على التسوق… تعويض عن حريّة مفقودة !!
ويرى الباحثون أن ظاهرة الإدمان ليست موجودة لدى النساء فقط، فهناك رجال أيضا يعانون من مرض الشراء والتسوق ويبدلون ثيابهم وساعاتهم وأحذيتهم أكثر من بعض النساء، وهذا يدل على أن مغريات المدنية الحديثة تصيب الرجال والنساء على حد سواء،مما يعني انه قد يكون تعويضا عن حرية مفقودة أو ضعف ثقة بالنفس، وليس فقط جوعا أو انتقاما من الطرف الآخر.
وأكد البحث العلمي أن بعض الزوجات يعانين من مرض الشراء والتسوق من دون تمييز أو حاجة حقيقية إلى ما يشترينه، وأحيانا يعمدن إلى الاستدانة حبا في التسوق، وهؤلاء النساء مصابات بالهوس العقلي، ومن أعراضه ارتفاع الحالة المزاجية والإحساس بتضخم الذات والكبرياء، وهو مرض وجداني يصيب السيدات بنسبة أكبر من الرجال، نتيجة لاضطراب عاطفتهن.
وحتى لا يقع الظلم على عاتق حواء فقط أوضحت العالمة النفسية من جامعة جلاسكو بكاليدونيا سينتيا ماكفاي أن مجموعة كبيرة من النساء يعتبرن التسوق مناسبة اجتماعية، ويهمهن رؤية ما الذي يشترينه، في حين أن كثيرا من الرجال لا يقومون بالتسوق في الشوارع التجارية وإذا احتاجوا إلى أي شيء فإنهم سيتوجهون إلى الانترنت ويطلعون على الأشياء المعروضة ويفترضون أنها جيدة ويشترونها، وقد أكدت العالمة أن المرأة تحب الشعور بملمس القماش، وبالنسبة للنساء فإن التسوق يعد هو السلوك المحبب وأنهن يفضلن الذهاب للتسوق مع صديقاتهن للحصول على نصائحهن فيما يشترينه…..
الرأي و الرأي الآخر :
«أنا مدمنة تسوق من الدرجة الأولى، أحب الشراء لمجرد الشراء، وأشعر بسعادة عارمة أثناء التسوق لا يضاهيها أي شعور آخر. لا أهتم بشراء شيء معين، أشتري لوحة أعجبتني أو مفرشاً، وعن الملابس والإكسسوارات حدّث ولا حرج». بتلك الكلمات اعترفت بهية محيسن بإدمانها التسوق. تؤكد ياسمين أن الخلافات بينها وبين زوجها في العموم لا تصل إلى المشاجرات، لكنها تلمح الضجر في عيونه وقت اصطحابها للتسوق، وقد ينتهي يومها بخلاف معه وقت وصولهما إلى المنزل، لأنه لا يملك سعة صدر لتنقلها من محل إلى آخر، ولا صبراً على قياسها كل الملابس التي تعجبها فيبدي إعجابه بأي شيء حتى ينتهيا من رحلتهما في الأسواق، ثم يصارحها في المنزل بعدم راحته لما اشترته فتدب الخلافات بينهما.
تعترف ياسمين أن هوس الشراء وصل معها إلى حد المرض المستعصي، فتحولت شقتها إلى خزانة كبيرة، خاصة أنه مع تغيّر مراحل الزواج تتغير احتياجاتها فتواصل الشراء.
وتوضح: «بعد الحمل تغيرت اتجاهاتي في الشراء، فتخليت عن أحذيتي ذات الكعب العالي واتجهت إلى شراء جميع أنواع وموديلات «الفلات»، حتى «ستايل» الملابس تغيّر، واتجهت إلى الواسع، فضلاً عن هوسي بشراء ملابس الطفل واحتياجاته. بعد الولادة لم أعد إلى ملابسي السابقة، فمرحلة الأمومة تتطلب ملابس مختلفة، وبالتالي وصلت إلى مرحلة انفجار دولاب الملابس وخزانة الأحذية. وكلما غيرت خزانة الأحذية أو أضفت إليها أخرى جديدة لا يمكنها احتواء كل أغراضي».
يلتقط كاظم غريب، أطراف الحديث من زوجته، مؤكداً أنه كان يصاب بالملل حين يذهبان إلى التسوق من أجلها.ويضيف: «المشكلة ليست في ياسمين بذاتها، لكنها مشكلة النساء جميعاً، فطبعهنّ في الشراء صعب، ولديهنّ القدرة على التسوق لساعات لا نهاية لها، كما أن الألوان لديهنّ بألف درجة للون الواحد، وبالتالي يدققن في اختيارات ألوان الإكسسوارات. أما نحن معشر الرجال فألواننا محدودة، وما يخلق الخلافات هو اختلاف طباع الجنسين». ويتابع: «تعلمت الدرس واتفقت معها على تحديد اهتماماتها، وبالتالي لم أعد أتسوق معها إلا إذا كانت محددة لاهتماماتها، ونخرج لنرى محلاً أو اثنين، وهي بدورها أصبحت تتجنّبني في رحلات التسوق الطويلة»
هوس التسوّق: هواية مفضّلة  و خضوع للرجل !
على عكس صديقاتها اللواتي يعترف أزواجهن برغبتهم في تقييدهن حتى يمتنعن عن الشراء، يتفهم محمد متعة زوجته هبة نجيب في الشراء، ويصحبها إلى التسوق كلما رآها في حالة نفسية غير جيدة أو حالة من الملل.
وتقول هبة: «أفضّل التسوق والفرجة على المحلات أكثر من الذهاب إلى النادي، لأن التسوق يخرجني من اكتئابي ويملأ وقت فراغي. وزوجي لاحظ تلك المتعة بدايةً من شهر العسل، وأصبح هو الذي يقترح عليَّ التسوق كلما رآني محبطة أو أشعر بشيء من الملل، خاصة أنني في إجازة أمومة حالياً ولا أخرج إلى العمل».
وتكمل: «أعلم أنني مدمنة تسوق، فحتى شرائي لاحتياجات المنزل يزيد سعادتي، لكني لم أفكر في العلاج، لأنه أمر يجعلني سعيدة، وزوجي متفهم جداً، عكس أزواج صديقاتي الذين يهربون من يوم التسوق، خاصة أنه اليوم العالمي للخلافات بينهم، إما بسبب هوس شراء الزوجات، أو بسبب ترددهنّ، وإهدار وقت كبير في عملية الشراء. أما زوجي فيجد في متعتي سعادة له، ولا يمنعني من التسوق بل يشجعني عليه».
أما محمد محسن، مسؤول ،يؤكد أن التسوّق لا يسبب خلافاً بينهما على الإطلاق، فهو يرى أنه متعتها.ويضيف: «كثيراً ما أدعو هبة إلى التسوّق إذا أردت مصالحتها أو تخفيف أعباء المنزل عنها، فهي عندما تذهب إلى السوق تتحول إلى إنسان مختلف، تنسى كل المشاكل والمضايقات مهما كانت، وبالتالي أنا سعيد جداً لأنني أعلم مفتاح بهجة زوجتي، خاصة أنها لا تشتري أشياء ليست في حاجة إليها كمدمنات التسوق الأخريات، فحتى إذا اشترت أشياء كثيرة فتستعملها كلها، وهذه ميزة وليست عيباً على الإطلاق».
نصائح و حلول :…بين ضبط النفس و الموازنة !!
الدكتور وائل أبو هندي أستاذ الطب النفسي يرجع السبب إلى أن إدمان التسوق مرتبط بمرض الاكتئاب، والنساء أكثر عرضة للاكتئاب.
ويضيف: «لا نستطيع أبدا إغفال دور المجتمع، الذي تحول إلى سوق كبيرة للاستهلاك، ولكي أوضح الأمر أكثر، فإن ما يحدث عندما يتعرض الإنسان لإغراء بضاعة ما، هو الشعور بالرغبة في الحصول على تلك البضاعة، والتعامل مع هذا الإغراء يحتاج إلى ضبط النفس والقدرة على الموازنة بين ما أكسبه وما أخسره. وتتداخل عوامل كثيرة في تحديد السلوك الذي سيلجأ الإنسان إليه استجابةً لذلك الإغراء، من بينها طريقة العرض، وتوافر النقود، وبطاقات الائتمان، وخبرة الإنسان المسبقة مع الخواص الحسية للمنتج الذي يشتريه، كاللون والموديل والسعر مثلاً في ما يلبس، أو كالرائحة والملمس والمذاق في ما يأكل، أو الميزات الجديدة في جهاز إلكتروني مثلاً. ومن المهم طبعا أن نعرف أن ما يتعرض له إنسان العصر الحديث من إغراءات يفوق طاقاته بكثير، وأنا حتى الآن أتكلم عن إنسان طبيعي في ظروف غير طبيعية، كالتي نعيشها جميعا في مجتمع السوبر ماركت الكبير الذي أصبحنا نعيش فيه».
ويتابع أستاذ الطب النفسي: «لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد مع الأسف الشديد، فما يحدث لكثير من الناس ليس فقط أنهم يسرفون في الشراء، وليس أنهم يدمنون الشراء لميزة في ما يشترونه، وإنما تتحول العملية بالتدريج إلى إدمان لعملية الشراء نفسها، بغض النظر عن أهمية أو قيمة ما يشترونه. ويحدث ذلك لأن نشاط الشراء يتحول بالتدريج إلى نشاط يتعامل الإنسان به مع أي مشاعر سيئة يتعرض لها، فهو يكتشف بالصدفة أن التجول في السوبر ماركت أو المول وشراء كل شكل جديد من أشكال المنتجات إنما يرفّه عنه ويقلل من توتره أو قلقه أو خوفه أو أي من المشاعر السيئة، بل ويحوّله من ذلك الشعور غير الطيب إلى شعور متعاظم باللذة والانتعاش، يتصاحب معه ويتلوه الاستمتاع بالمنتج الذي يراعى فيه غالباً أن يشجع على الشراء أكثر، ويضاف إلى ذلك طبعا أن شراء كل جديد وسيلة للتفاخر ومادة للتحدّث مع الأصدقاء والمعارف».
اذ تتفق الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع ، مع الدكتور وائل في الرأي مؤكدةً أن هوس الشراء ليس بجديد على المرأة، فهي تحب أن تكون في أجمل صورة دائماً، لكن إدمان التسوق ظاهرة جديدة ظهرت في بلداننا العربية . وتضيف: «لم يقف إدمان التسوق عند تجميل المرأة، بل وصل إلى مواكبة التكنولوجيا والهوس باقتناء أحدث أنواع الهواتف المحمولة والكمبيوتر وغيرها». وتستنكر إدمان المرأة للتسوق، مؤكدة أنها قدوة أبنائها، وإن لم تصرف باعتدال فستجني بذلك الإسراف في سلوكيات أبنائها.
تخلّصي من هوس التسوق !!
• اهتمي بتنمية وعيك الاقتصادي وخططي جيداً لإيرادك الشهري وادخري منه، وخططي أيضاً لمدخراتك السنوية. هكذا ستسعين وراء هدف بدلاً من الإسراف المطلق
• كوني أكثر وعياً، واستغلي انفاقك في تعلم لغة جديدة أو مهارات الكمبيوتر والتكنولوجيا
• لا تتسوقي مع صديقاتك، خاصةً إذا كنّ مدمنات
• لا تتسرعي عند شراء الملابس في دفع النقود قبل أن تجربيها، واحتفظي بحق ردها خلال يومين
• لا تهتمي كثيراً برأي البائع في السلعة أثناء مساعدته لك في التسوق، فهو غالباً يهتم بإتمام عملية البيع لك، علاوةً على عدم إدراكه لمحتويات خزانتك في المنزل
• عليك اختيار الوقت المناسب للتسوق، فأفضل الأوقات للشراء تكون أيام الإجازات والعطلات
• اغتنمي بداية فترة الاوكازيون¬ والتخفيضات لشراء احتياجاتك في حالة اصطحاب أبنائك أثناء التسوق، لا سيما الصغار، يجب عدم تلبية جميع طلباتهم بشراء كل ما يجذب انتباههم لتدريبهم على التحكم في سلوكيات الشراء

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان