اراء وأفكار

في الذكرى (56) لثورة 14 تموز المجيدة

ابو رشدي صالح البديري

 

لم تكن ثورة 14 تموز العظيمة وليدة الصدفة والانجاز الطفولي العشوائي غير المحسوب بل كانت وليدة ارادات ثورية وتقدمية منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ان لم تكن قبل ذلك وتحديداً بنشوء الحلقات الماركسية في العراق نهاية العشرينيات على ايدي المبشرين الاوائل بالماركسية والاشتراكية (حسين الرحال ورفاقه) بل وتعاطف الكثير من علماء الدين المتنورين بهذا المجال ومن هنا يمكن القول ان ثورة 14 تموز 1958 كانت امتداداً تاريخياً وطبيعياً لصورة العشرين المباركة (20 حزيران 1920)حيث وحدة الاهداف بالتخلص من الاستعمار البريطاني وبناء الدولة البرلمانية المدنية الديموقراطية التي تؤمن بالانسان كوسيلة وهدف. 

ان الثورة 14 تموز1958 اوجدت سباقاً تاريخياً يختلف تماما لما سبق بالذي تبنتها القوى الدافعة والمحركة لها كذلك الافق التأريخي في مشروعها التحرري وذلك فيما يخص التبعية للاستعمار الامبريالي واستكمال عناصر الاستقلال والسيادة الوطنية والقضاء على العلاقات الاقطاعية وتخليص الثروة النفطية من براثن الهيمنة الغربية وايجاد نظام سياسي واجتماعي يتبنى الديموقراطية والحرية ومعالجة القضية الكردية بأفق انساني وكذلك اعتمادها على القوى الوطنية بضمها احزاباً علمانية سواء البرجوازية منها ام الشيوعية ام القومية!  وكان اعتمادها الاول والاخير على سلاحها الضارب والحامي لمشروعها الوطني التقدمي وهو الجيش العراقي ولن يكن لها اي اعتماد خارجي او اقليمي او محلي سوى الغيارى من ابناء الجيش.

ان جماهير شعبنا اذا تحتفل كل عام بذكرى هذه الثورة المجيدة وطيلة ما يفصلها عنها (56) عاماً مليئة بالكفاح العنيد من أجل الحرية والديموقراطية والاستقلال والتقدم والعدالة والاجتماعية ضد قوى الرده والظلام والتخلف وهي تتطلع نحو مشارف الغد المشرق.. غد العلم والنور والحضارة والانسانية والجمال والسعادة. لقد كانت ثورة 14 تموز1958 كحصيلة طبيعية لسلسلة الاضطرابات والانتقاضات والثبات ابتدأ من اضراب 1931 ووثيقة كانون 1984 وانتفاضتي 1952و 1956 حتى تكلل هذا الكفاح بالظفر اللامع في ثورة 14 تموز 1958 بالتلاحم البطولي لقوى طلائع الجيش العراقي والقوى التقدمية والديموقراطية والوطنية والقومية والمحبة للحرية والسلام حيث كان للحزب الشيوعي العراقي دور فاعل في تهيئة الجماهير وتعبئتها للتبشير بالواقع الجديد وتأييده والدفاع عنه وكان الحزب المدافع الامين عن الثورة ومكتسباتها ورجالها الميامين وخاصة الشهيد عبد الكريم قاسم. لقد كان في الخندق الاخر من قوى الامبريالية والاستعمار والرجعية والاقطاع وكل القوى الاخرى المتضررة من حصول التغيير دور شرس باستطاعته اجهاض الثورة وهي ماتزال في أيامها الاولى لكن الوقفة البطلة والشجاعة لقوى الخير والحرية والسلام في العالم بصورة عامة والاتحاد السوفيتي العظيم(السابق)والدول الاشتراكية بصورة خاصة الاثر البالغ في تغيير ميزان القوى لصالح الثورة وابطالها وبقي الاتحاد السوفيتي صديقاً حميماً للجمهورية الجديدة حتى نجاح اعداء الثور من الاجهاز عليها في شباط 1963 الاسود بغفلة من الزمن وبالتنسيق الكبير والمنظم بين المخابرات الاميركية والبريطانية والرجعية الغربية وقوى الاقطاع والرجعية المحلية والقوى القومية والدينية (المتخلفة) والذين تضررت مصالحهم بقيام الثورة من البرجوازية الكبيرة. والصغيرة على حد سواء..

ما اشبه اليوم بالبارحة فبعد ان وضعت الجماهير خطواتها الاولى  على سكة الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية بعد زلزال 9 /نيسان/2003 تنبري قوى الظلام والرجعية والتخلف من قوى قومية ودينية(غير متنورة) لتكون حجر عثرة في طريق هذه التجربة الغنية لترجعنا الى ما قبل 9/ نيسان 2003 وبالتعاون مع الدوائر الصهيونية والرجعية العربية وبعض الدول الاقليمية، وحيث يعيش شعبنا اياما عصيبة بعد ان تمكنت قوى الارهاب والظلام وبفضل تعاون قوى طائفية متشددة وبقايا حزب البعث والرجعية والاقطاع نشر نفوذها في ربوع بعض مدن العراق العزيز لتقييم حكم القرون الوسطى وكل مفاهيم التخلف والرجعية باسم الدين والدين منها براء لتقتل الابرياء وتدمر الممتلكات وتعبث فساداً بكل الارث الحضاري لشعبنا العريق. ما احوجنا ونحن بهذا الحال الى حكومة وطنية ودولة مدنية ديموقراطية بعيدة تماماً عن الاصطفاف الطائفي والعرقي والقومي حيث ان العنف يعود الى سوء ادارة التنوع الاثنى والديني والطائفي وعدم اقرار القوانين واشاعة ثقافة التعايش واخترام الارادات للجميع ان الدولة المدنية الديموقراطية هي المؤسسة القانونية الوحيدة المؤهلة لرعاية مواطنيها المتنوعين وحماية حقوقهم الاساسية التي يكفلها دستور مدني متحضر. لقد بات الاستحقاق الانتخابي والجميع يعلم  جيداً انه جاء نتيجة اعتماد المعايير المذهبية والعرقية والقومية في الاختيار بعيداً عن المعيار الوطني وانها الحقيقة التي يجب ان  لا يتهرب منها احد ولكي نكون صادقين وواقعيين يجب  ان لا تكون اللبنان الاولى لديموقراطيتنا على الوهم. فعلى الجميع تشكيل الحكومة على اسس المواطنة والنزاهة والكفاءة والتاريخ النضالي لكل القوى الوطنية في البلاد وعلى سبيل المثال لا الحصر(الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديموقراطي والحركة الاشتراكية العربية) وغير ذلك من القوى الوطنية والقومية والشخصيات المتنقلة ذات الباع الطويل في الحركة السياسية  والاجتماعية والاقتصادية في البلاد وبغير ذلك فهي حكومة (شراكة انتخابية) وليس (شراكة وطنية) وبكل الاحوال لا تمتلك اي امل في التغيير من سابقاتها نحو الافضل وان السفينة مسرعة الى  لجة الغرق ووقتها لات ساعة ندم وانا للعراق وانا اليه راجعون. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان