نوري صبيح
مر تاريخ العراق المعاصر بسلسلة من المحاولات الانقلابية العسكرية في العهد الملكي 1936 – 1941سبع محاولات انقلابية ناجحة ،والعهد الجمهوري وخصوصا في مرحلة الجمهورية الأولى (1958 – 1963) حيث جرت 39 محاولة انقلابية ضد الزعيم عبد الكريم قاسم , هذا من جهة ومن جهة ثانية أن اغلب هذه المحاولات قد تبناها التيار القومي ، كما أن القوى المندحرة بفضل ثورة 14 تموز من قبل الاقطاع والنخبة السياسية الملكية والارستقراطية القديمة قد ساهموا في مثل هذه المحاولات واستندوا الى المؤسسة الدينية وتلك القوى التقليدية في تبني محاولاتهم . في الوقت نفسه ساهمت كل دول الجوار بدون استثناء، بهذه الدرجة او تلك في تهيئة التربة الملائمة للظرف الانقلابي وذلك من خلال الدعم المادي والمعنوي للقوى الانقلابية.وهذا ما دللت عليه الوثائق الرسمية لحكومات الجمهورية الثانية (1963 – 2003) .لقد ساهم حزب البعث بقسط كبير في عدد المحاولات الانقلابية واجهاض ماهيات التغيرات التي سلكت الثورة ذاتها على احداثه في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية ، فحزب البعث عبر مؤسسه ميشيل غفلق، جاء بشكل أساسي لأجل إيقاف مد الفكر اليساري التقدمي في المنطقة العربية وهذه ترجمت ترجمة واقعية على الصعيد العملي في عراق الجمهورية الأولى، فكان حزب البعث قبل 1958 اغلب قياداته شيعية وانتشاره كان بذلك الزخم في محافظات كربلاء، الحلة، الناصرية وبغداد ولم يتحرك نحو المنطقة الغربية ولا إلى شمال بغداد إلا بعد ثورة 14تموز والسبب يعود، لان الزعيم عبد الكريم قاسم أراد أن يغير من معادلة العقد الاجتماعي بين الدولة وبين المكونات الاجتماعية.فالزعيم قاسم لم يكن له تمييز طائفي، بقدر ما ان هذا الوضع قد حفزه على تبني فعل التغيير الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتهيأت الظروف المادية لتثبيت الهوية الوطنية العراقية.. لذا حاول بكل طاقته الحد من غلواء الطائفية السياسية والتميز الاثني بين المكونات الاجتماعية ، التي كانت متبعة من قبل الدولة العراقية منذ تاسيسهاعلى وجه التحديد ، فـ ( ثورة العشرين) التي أسست للدولة العراقية انطلقت من محافظات الفرات الأوسط، ساندتها قوى مدينية (بغداد وغيرها) وبعض المناطق الريفية والحضرية الأخرى. أما الأكراد فقد كان لديهم مشروعهم القومي وهذا من حقهم الذي هزم بفعل القوى الخارجية الكبرى آنذاك في معاهدة سيفير. منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كانت بقيادة أحزاب(جبهة الاتحاد الوطني) ، فـ (اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار) التي قادها العقيد عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث وجانب كبير من القوى القومية سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعارالاتحاد الفدرالي كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية تراعى مصالح الشعب العراقي الذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم ، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية .ولم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار ( الوحدة الفورية ) صادقة في دعواها ، بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة ، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم ، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي في الثامن من شباط عام 1963، سواء في عهد الحكم حزب البعث ، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين الثاني ضد حكم البعث ،وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف ، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفا معاديا من عبد الناصر واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته . لقد سعت تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل ، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية اليسارية ، إدراكا منها لخطورة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز و هي ما تزال في أيامها الأولى ،ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حليفتهم تركيا بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء .واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه ،ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن . وجد العقيد الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة ، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عيين آمرا للواء الخامس ، وآمر موقع الموصل ، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري ، أو منصب الحاكم العسكري العام ، عند قيام الثورة ، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها ، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية .كان يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية ،والمخاطر التي تسببها ، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية ،إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح ،وراحت تلك القوى تعد العدة ، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل ، ثاني أكبر مدن العراق ،وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان ،تجري على قدم وساق فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف – الديمقراطيون واليساريون يراقبون الأوضاع ،بدقة ،فالخطر لا يعني قاسم وحده ،أو الثورة وحدها ،وإنما يعني أيضا تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية ،إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية .كان العقيد الشواف ،وعدد من الضباط القوميين ،والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه ،وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة ..وفي تلك الظروف البالغة الحراجة ، قرر الحزب الشيوعي ،وحركة أنصار السلام ، التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين ،وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحا لاغتيال الثورة ومنجزاتها ، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك ، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 1959 ، واستعدت القوى الديمقراطية ،والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود ، وتقاطرت الوفود من أنحاء البلاد للمشاركة في ذلك المهرجان . أكفهر الجو ، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام،وانتهى ذلك اليوم وعادت الوفود إلى مدنها ،وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها ، وتصاعد القلق كثيراً ، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة ، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومان حتى نفذ المتآمرون فعلتهم ، بادئين ليلة 7/ 8 آذار باعتقال كل القادة ،والنشطاء في الأحزاب ،والمنظمات الديمقراطية ،وبوجه خاص منتسبي الحزب الشيوعي ، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال ، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره ، لدراسة الأوضاع السياسية المتدهورة ،وسبل معالجتها ، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم ،واختفى من أختفي مشككا بأهداف الاجتماع ، وكان ما كان ، فقد أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين ، وأودعوا الثكنة الحجرية وفي الصباح كان المتآمرون قد هيأوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيرا، كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة ، عبر الحدود السورية ، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب ، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة. وتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم ، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم ( ناظم الطبقجلي ) ،قائد الفرقة الثانية ، التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له ، متخذاً له صفة قائد الثورة ، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب ، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب . كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة ، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة ، منصوبة فوق شاحنة كبيرة ، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير ،عبر محطتي إذاعة دمشق ،وصوت العرب من القاهرة ، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة ، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك .لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة ، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية ، ولا عسكرية. لقد سخرت هذه الإذاعة( صوت العرب من القاهرة) في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة،وعلى القوى الديمقراطية اليسارية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة ، كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف ، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة الرئيس عبد الناصر معركة السويس عام 1956 ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة (صوت العرب) .لقد تكشف للشعوب العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل ، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها ، ليس حباً بالعراق وشعبه ، ولا حرصاً على مصالحه ، وإنما حباً في السيطرة على العراق ، وضمه قسرا للجمهورية العربية المتحدة ، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير ، والهام ، الذي يتعلق بمصيره ،ومستقبله. لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة ، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة ، وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً ، حيث جرى التصدي للانقلابيين ، وقام فوج الهندسة ، التابع للواء المنفذ للانقلاب ،بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود ،وضباط الصف ، وآلاف المسلحين العرب والأكراد ، والذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين ، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها ، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف ، ونقل إلى المستشفى الميداني ، في معسكر الغزلاني،حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد (يونس جميل ) ، وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين . وهكذا فشل تمرد الشواف ،وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة،وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين ،فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا ،وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فردا من الجنود الذين ساهموا في قمع الانقلاب.لقد جرد الزعيم قاسم نفسه من كل سند يحميه ، وأخذ منه الغرور مكانه ، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها ،وتغير موقفها من السلطة ،لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري ،على المستويين ، المحلي والدولي ،من أجل إسقاط الثورة ،وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ، ونذكر هنا قول الشهيد ( جلال الاوقاتي ) قائد القوة الجوية ، آنذاك ، حيث قال : ( إن الزعيم عبد الكريم قاسم ، سوف يدمر نفسه ،ويدمر الشعب معه ) . لقد حكم الإحتلال البريطاني/ الامريكي بالموت على عبد الكريم قاسم ، منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم ، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى ، بالتدخل العسكري المباشر ، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن ، و الأمريكية في لبنان ، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية ، لكن موقف الاتحاد السوفيتي”السابق” الداعم للثورة ، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك ، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة . لكن قاسم لم يتعظ بدروس التاريخ ، وانتهى إلى الموت صبيحة الثامن من شباط 1963 ،وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي ،حيث جرت تلك الأحداث المآسي ،والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ وإلى الوقت الحاضر. ويبدو ان التاريخ يعيد نفسه فتبدأ الموامرة بسقوط الموصل بعد 9/ 6/ 2014 بيد “داعش”وبعض قادة الجيش العراقي السابق، ومموليها من العرب والاجانب ، ضد الحكومة الاتحادية في جمهورية العراق بعد الاطاحة بالنطام السابق من قبل قوات الاحتلال الاجنبي الامريكي…









