اراء وأفكار

تظل راية تموز خفاقة

الفريد سمعان

 

لم نودعها.. لم نرفع المناديل ونلوح بها.. لم نطلق دموع الارتياب وراءها.. لم تخضب الارض بما تركته لنا.. كنا نعلم انها قادمة بخطى وئيدة بضربة موجعة تهز دعائم الظلم والعبودية واحتقار الملايين من قبل فئة حكمت بفعل فاعل.. هو الاستعمار البريطاني.. الممتد على بعد الاف الكيلومترات من بلده. حتى استراليا. ببضعة ملايين من سكان الجزيرة المجاورة لأوربا تحكم بلداً يبلغ عدد سكانه اكثر  من ستمائة مليون نسمة.. وهو الهند عدا ما تؤشره من خطوط على خارطة استعباد العالم ورضوخه في شتى الانحاء والزوايا.. جنوب افريقيا او (فوكلند) في اميركا اللاتينية ..وانحاء مختلفة اخرى على رأسها هذا الوجع المتخثر منذ سنين طويلة.. في اماكن تسمى (البلاد العربية) كانوا يعرفون ان المنطقة تعوم على بحر من النفط الذي يتحكم بالعالم حيث لا يوجد بديل عنه. رخيص الثمن سهل الاستخراج… يدرّ ارباحاً هائلة ويقطع الطريق على امنيات الفقراء المحرومين من خيرات بلادهم.. ويزرعون الارض ليأكل المحتل حصاد السنابل..  يتدفق النفط الاسود لكي يضيء نوافذ وشرفات المستعمرين واذنابهم. كانوا يعرفون ان الثروة الحقيقية هي تحت الرمال في السعودية.. وجبال وسهول ايران والعراق وعلى امتداد الخليج. ولا بد ان تظل الفريسة تحت القبضة الاستعمارية ولابد من أتخاذ كل ما يلزم وكل ما هو ضروري وغير ضروري لقمع أية حركة لكتمان الانفاس. لزراعة الموت. لبناء سجون في صحاري بعيده وخلق طائفة متمرسة من الجلادين لكن الامر لم يكن كما يشتهون.. كان هنالك غليان كانت هنالك عقول ترسم طريقاً اخر تتحدث مع الجماهير بلغة لا يفهمونها.. لغة مطرزة بالأمل تبشر بالمستقبل.. تمزق كل الستائر الملونة التي حاولوا ان  يحجبوا بها ما ارتكبته اياديهم وما حفرته الاغلال في السواعد المتينة والاقدام الثابتة.

ها هي تطل.. بأنوارها الباهرة تشق حجب الظلام. وتهزّ.. نداءاتها الجماهير التي كانت تتمنى هذا اليوم الموعود .. لقد قام فريق من ابناء الشعب .. ممن حملوا الرتب العسكرية عن جدارة بالثأر للزمرة التي حكمت سنوات. ولم تقدم الحد الادنى من الحياة المناسبة للملايين رغم قلة عددها .. ولكنها كانت تتمدد على بساط الحرمان والبطالة. والاستغلال. أجل لقد تفتحت زهور تموز في الرابع عشر من عام 1958 لقد كان بيان رقم (1) اروع سمفونية تغنت بها الجماهير.. وحلقت بأنغامها الصورية من شتى ارجاء الوطن. وكان لها ان تعمل.. وان تقول شيئاً لمن لم يفعلوا شيئاً طيلة اعوام.

فكان هناك على صعيد العلاقات الدولية التحرر من المعاهدات  العائدة بالاغلال التي كبلوا بها خطى العراق وتحرر النقد العراقي من سطوة الاسترليني.. وتحقق لأول مرة في تاريخ العلاقات الاجتماعية والانتاجية انتزاع اراضي الاقطاع. التي اخذها ظلماً وعدواناً خلال السنوات البائدة واعادتها لمن يفلح.. ويزرع وينتج حيث تحقق الاصلاح الزراعي.. وجاءت خطوات اخرى.. قطع علاقة الجيش بالنمط والتسليح الغربي وتنويع مصادر السلاح وبناء قوات مسلحة من نوع جيد. وعلى صعيد الصناعة. بدأت المعامل تنتج معمل الورق ومعمل الزجاج. ومعمل السكر.. ومعمل الحرير وتعزيز مكانة معامل الزيوت النباتية ومعمل كربلاء وبناء المحطات الكهربائية. والتأقلم مع الانتاج الكبير.. حيث انتزعت الاراضي التي كانت تسيطر عليها الشركات النفطية .. واستعادها العراق ليغطي بها حاجة  الشعب وانطلاقاته الكبرى. ولكنهم لم يهملوه.. الابواق الاستعمارية تعزف كل يوم الحان التعتيم.. والتلويح بما سوف يجري.. مستغلين طموح(القومجية)  البواسل الذين جاءوا بقطار اميركي(كما هم يقولون) .. ومارسوا القتل والذبح والانتهاك واستعادوا امجاد النازية الالمانية والفاشية الايطالية.. لقد ادوا (المهمة) بدقة وحفاوة بالغة وانضم اليهم. (العمام) .. والعشائر الرجعية وبعض اقطاب الطائفية.. لقد قتلوا اجمل الانتصارات واروعها . لقد دمروا الحقول والسنابل.. ولقد نفذوا بخضوع واكثر اوامر الاستعمار وخرق علم الثورة.. التي روّعت الدوائر الاستعمارية.. ولولاهم لكان العالم العربي. كله يعيش حياة أخرى فقد كان العراق مؤهلاً ان يصنع عالمه الرائع ويصبح مصدر اشعاع للمنطقة وحامل لواء الحرية لكل القوى التقدمية.. لقد قتلوا الثورة .. وقائدها وخيرة ابطالها النبلاء الميامين وحولوا العراق الى سجن كبير(ومهدوا) الطريق(بأمانة) للرجعية والطائفية والتخلف. وكتم انفاس الحضارة ولكنها تظل ثورة 14 تموز مشعلاً لن ينطفئ ابداً وتظل السواعد التي حملت علم الثورة أبية يعتز بها التأريخ مهما ارتفعت حمى التضحيات. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان