نوري صبيح
إن موضوعة منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، قد أثارت جدلا واسعا على مستوى المفهوم والدور والوظيفة، وأعيد له الاعتبار في المدة الأخيرة بعد إن انكشفت مساوئ الدولة الشمولية والنظم الاستبدادية. فالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية أفضت إلى القول بأن مفهوم المجتمع المدني والدولة (متلازمان ومتقابلان) فلا يمكن النهوض بمجتمع مدني دون (دولة قوية) تقوم على مؤسسات دستورية وقانونية، هذا لا يعني تبعية المجتمع المدني للسلطة (الحكومة)، بل موازيا لها، كما إن من الصعب الكلام عن سلطة دون اكتسابها للشرعية،والشرعية تأتي من الشعب،ودون ذلك تتحول الدولة إلى ( دولة معزولة ) فعندما ينهار المجتمع المدني تنهار السلطة والدولة معا.
إن المجتمع المدني هو ثمرة جهود مختلفة ومتعددة ونشاطات إنسانية / اجتماعية / اقتصادية / ثقافية ،سياسية، عبر تأسيس منظمات واتحادات ونقابات وروابط ونواد وجمعيات تعبر عن أراء وأفكار ومصالح أعضائها، وهي مستقلة عن السلطة، ولا تبغي ربحا، ولا تسعى الوصول إلى السلطة،وهي طوعية (اختيارية) تتمثل بروح المبادرة الطوعية الفردية والجماعية ، فهي مجتمع التضامن والتعاون، مجتمع الحوار والاعتراف بالآخر. ومن هنا جاء تشكيل وانبثاق النقابات والاتحادات المهنية المختلفة في الدولة العراقية الحديثة لتعبر عن مصالح أعضائها وطرق التعاون أو التكامل مع الدولة
و لما كان المجتمع المدني مجموعة من التنظيمات الطوعية والحرة التي تملأ المجال بين الأسرة /المجتمع والسلطة، فان له مجموعة من المقومات هي:
أـ الفعل الإرادي الحر والتطوعي لتحقيق مصالح الأعضاء وحماية حقوقهم وحرياتهم.
ب ـ تواجد وعمل هذه المؤسسات(النقابات والاتحادات) في إطار ( دستوري، قانوني ) تكتسب صفة الشرعية .
ج ـ عدم السعي للسلطة السياسية، فوظيفتها عامل ضغط وتأثير على القرار السياسي، فضلاً عن استقلالها عن السلطة التنفيذية.
ولكي تاخذ النقابات والاتحادات دورها الفاعل في جمهورية العراق بعد المتغيرات السياسية التي حديثت في 9/ 4/ 2014، هذا الدور الذي عطلته الحكومات المتعاقبة المؤقتة والانتقالية والدائمية ومجلس النواب السلطة التشريعية بدورتيها الاولى والثانية ، باعادة تشكيل “الغاء قوانين النظام السابق ” هذه النقابات والاتحادات وفق اطر قانونية جديدة تتجاوز سياسة ومفاهيم واهداف ومقاصد النظام السابق بكونه الحزب الواحد/ القائد!؟ ، واعتمادها كمنظمات مهنية تابعة للتنظيم المهني للحزب القائد الذي يرأسه احد أفراد هذه القيادة العليا للحزب السابق “عضو القيادة القطرية”، تخدم الاعضاء المنضوين … فمن غير الممكن ان تبقى هذه النقابات والاتحادات تعمل بقوانين النظام السابق حتى الان لاختلاف الرؤى السياسية لنهج النظام السابق ..هذا النظام الذي جعل هذه المنظمات”النقابات والاتحادات” حكرا عليه ،وخصوصا قيادتها من منتسبيه الحزبين ومريديه والذين ينفذون اراءه وافكاره الايديولوجية بدون تفكير “تقليد وطاعة عمياء” واحتكار العمل النقابي والاتحادي داخل البلد وفي المنظمات العربية والدولية وبقوا في مناصبهم القيادية لعقود طويلة “نفس الاشخاص والافراد” ما داموا يخدمون القائد الضرورة، فقانون نقابة الصحفيين العراقيين على سبيل المثال لا الحصر والمعمول به الآن بالرقم (178) لسنة 1969في (41) مادة ،نشر في جريدة الوقائع العراقية العدد1793في 27/ 10/ 1969 رغم الذين كتبوه هم من ابرز الصحفيين العراقيين وقتها الذي لا يزال العمل به جاريا !!!…. وجاء في الاسباب الموجبة لتشريعه ( ايمانا من حكومة ثورة السابع عشر من تموز برسالة الصحافة ودورها الكبير في توعية جماهير الشعب . ورغبة منها في رفع المستوى الفني والادبي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للصحفيين، وللنواقص الموجودة في قانون النقابة السابق، وضمانا لقيام نقابة الصحفيين في النهوض بمستواها وخدمة العاملين في حقل الصحافة والاعلام .شرع هذا القانون ).
وبعد التغيير السياسي قامت نقابة الصحفيين العراقيين بدا من السيد النقيب واعضاء مجلس النقابة ، بجهود حثيثة ممتازة لرفع الحيف عن العاملين في الصحافة العراقية بعد توسعها واصبحت وسائل الاعلام مفتوحة على مصراعيها وخصوصا الصحافة الورقية والصحافة الالكترونية والفضائيات العراقية والعربية والعالمية ، لكل من يرغب في ممارسة العمل الاعلامي بعد توفر او عدم توفر الشروط المطلوبة لهذا العمل التخصصي الذي يوصف بان “السلطة الرابعة” بعد السلطات الثلاث في الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ولكن كل هذا يجري بدون ضوابط قانونية للاعلام وبدون قانون جديد لنقابة الصحفيين العراقيين ، علما بان الصحفيين من اعضاء النقابة وخارجها يمتلكون اقلاما والسنة توصف بانها”لبقة ، ذلقة ، زلقة” ويتناولون البرلمان والسلطة التنفيذية النقد باسلوب فيه من الجرأة والمصداقية والمسؤولية وعدم الخوف من السلطة، لكن لا يتحدثون ولاكثر من عشر سنين عن سن وتشريع قانون جديد للنقابة؟ يخدم اعضاء النقابة والعاملين في وسائل الاعلام المختلفة ، وتطبيق معايير موحدة باتجاه اعضاء النقابة من عضو( مشارك ومتمرن وعامل) إلى اعضاء المجلس المركزي ، من حيث الحقوق والواجبات والامتيازات ومنها اكتساب العضوية وشروطها القانونية والدستورية وتوزيع المكافئات المالية وتجديد الهويات بشكل عادل ومنصف وتطبيق نفس الاجراءات الادارية بحق الجميع دون استثناء وتمييز بحسب درجة العلاقة مع اصحاب القرار. وكفل الدستور حرية الانتماء لهذه المنظمات بدون قيد او شرط حيث ان الانتماء للنقابات او الاتحادات مكفول دستوريا حسب المادة من الدستور العراقي” أولا :ـ العمل حقٌ لكل العراقيين بما يضمن لهم حياةً كريمةً. ثانياً:ـ ينظم القانون، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية. ثالثاً :ـ تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون(م 22).
والمادة الدستورية الاخرى “أولا :ـ تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعة لها، وينظم ذلك بقانون(م 45). ولكي يحقق المجتمع المدني غايته لابد من توفر جملة من الشروط وهي:
اـ شيوع الثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع والسلطة السياسية. ب ـ توفر فضاء من الحرية على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي ومثبتة دستورياً في الفصل الثاني الحقوق والحريات.
ج ـ توافر مبدأ احترام حقوق كل الجماعات الاثنية والقومية من قبل المجتمع والسلطة السياسية.
إن مؤسسات المجتمع المدني واحدة من قنوات المشاركة السياسية في الأنظمة السياسية الديمقراطية، وهي تمثل عامل ضغط على السلطة في مخرجات القرارات السياسية للسلطة لخدمة الصالح العام. لكن الفرق أنها لا تسعى للسلطة بالرغم من ان أعضاءها أكثر قطاعات المجتمع نشاطاً واستعداداً للانخراط في الأنشطة السياسية الديمقراطية. وتبدو العلاقة واضحة بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فان من أسباب ضعف التحولات الديمقراطية تعود إلى غياب أو ضعف المجتمع المدني.ان المجتمع المدني يمثل البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتسيير المجتمع، ومن ثم فان مؤسسات المجتمع المدني أفضل إطار للقيام بدورها كمدارس للتنشئة الديمقراطية،فعندما ينشط المواطن في حيزه المجتمعي فمن الطبيعي ان بتثقف ويتدرب على الممارسة الديمقراطية،ويصبح مهيئاً للانخراط في النشاط العام للمجتمع في إطار ديمقراطي،وحينها يصبح طرفا فاعلا ومشاركا في الممارسة الديمقراطية،وعندما تتوفر إمكانية المشاركة الواسعة للمواطنين من خلال المؤسسات،تتوفر حياة داخلية وديمقراطية تمكن الأعضاء من القيام بهذه الأدوار. وبذلك تصبح الديمقراطية بناءً من أسفل ليشمل المجتمع كله، وطرفاً أساسيا في معادلة الحكم.إذن: يقوم المجتمع المدني بدوره في بناء الديمقراطية على مستويين:
الأول: مستوى ثقافي وتعبوي يقوم بأداء وظائفه في المجتمع. الثاني: مستوى تربوي من خلال الممارسة الداخلية لأعضائه في التدريب على الأسس والحوار الديمقراطي. ويتمل دور المجتمع المدني في الإسهام بالتحول والبناء الديمقراطي بمجموعة من الوظائف هي:
1 – تجميع المصالح: حيث يتم بلورة مواقف جماعية ومطالب مجتمعية وعرضها على السلطة السياسية بما فيها السلطة التشريعية للوصول إلى حل لتخرج بصيغة ( قرار سياسي) يخدم الصالح العام.
2 -تدريب وإفراز القيادات الديمقراطية: إن العمل في مؤسسات المجتمع المدني تجتذب المواطنين وتمكنهم من اكتشاف قدراتهم وتوفر لهم السبل في الممارسة،لتجعلهم ناشطين ومهيئين للقيادة،وبذلك تسهم هذه المؤسسات في دفع التطور الديمقراطي وإنضاجه.
3 -زيادة الثروة وتحسين الأوضاع: تسهم مؤسسات المجتمع المدني في توفير نشاط فردي وجماعي يؤدي إلى زيادة الدخل الفردي وذلك يساعدهم في ممارسة النشاط السياسي والمجتمعي والاهتمام بقضايا المجتمع.وعكس ذلك ينصرف الناس عن الاهتمام بقضايا المجتمع والمشاركة بحلها.
4 – إشاعة ثقافة مدنية وديمقراطية: إن من أهم الوظائف التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني، إشاعة الثقافة الديمقراطية التي تتمثل بالتسامح والتعاون والاعتراف بالآخر المختلف, وإدارة الاختلاف بالطرق السلمية. وهذه القيم في مجملها قيم ديمقراطية.
5 -على لجنة المنظمات غير الحكومية في مجلس الوزراء المشرفة على منظمات المجتمع المدني العمل على إعادة العمل بهذه النقابات واتحادات عبر قوانينها السابقة أو تشريع قوانين جديدة من السلطة التشريعية و من قبل مجلس الوزراء لإعادة الحياة لها و تفعيل بناء دولة المؤسسات و القانون .
6 – على مجلس النواب في الدورة البرلمانية الثالثة تشريع هذه القوانين بأسرع ما يمكن حرصا على سلامة منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات ، وعدم تكرار تجربة النظام السابق وجعلها واجهات حزبية لهذا الطرف او ذاك ، بل مهنية قدر الامكان بحسب القانون المشرع، تنتخب قياداتها كل ثلاث سنوات بشكل دوري بالاقتراع السري المباشر.









