اراء وأفكار

جلف

احمد الشيخ ماجد 

 

 – ليش ما يصرف؟ 

– بجيبه عگرب! 

هذا حوار بين صديقين، سمعتهُ، وانا في “الكيّا” وهم يصفون صديقاً لهم، كان بخيلاً، وتذكرتُ بحوارهم، البخل، والبخلاء، وأحببتُ ان أتكلم عنهم هنا.. “بجيبه عگرب” يُطلق هذا الوصف على البخيل، ويقصد، أنّه لا يستطيع أن “يمدّ” يديه في جيوبه، لأن في داخلها عقرب يقرصه، ويمنعه من الصرف!. ولا توجد صفة، أقبح من البخل، فهي صفة ذميمة، وليدة لكلّ الرذائل، وتجد صاحبها دائماً “اجبن من اسماعيل ياسين” وليس لهُ أيّ موقف يُشار لهُ بالبنان، أو قضاء حاجة لأحد النَّاس.. وتأريخنا العربي، زاخر بالحكايات التي تذم البخيل، وتمدح الكريم، وتجعله بمصاف الأولياء، والقديسين. وتجد حكايات مضحكة على “البخلاء” وسلوكهم الذي يبعث على السخرية.. اتذكّر أنّني قرأتُ كتاباً عن الشاعر المخضرم “الحطيئة” يُقال أنّه كان جالساً أمام بيته، وهو يحمل عصا، فجاءه رجل، وقال: انا ضيف، فأشار الحطيئة إلى عصاه، وقال: إنما هي للضيوف!. وثمة بيت من الشعر يعتبر من اقذع الهجاء، وهو في قوم جرير، حينما يصف الاخطل بخلهم، حيث يقول : 

  قوم إذا استنبَح الأضيافُ كلبَهمُ            قالوا لأمّهمُ بولِي عَلى النّار 

والأمر لا يقتصر على الموروث القبلي في نبذ البخل، والبخلاء، بل يصل إلى سلوكيّات الدين، وإن الله يبغض البخيل، ولا يدخله الجنّة كما يقول الإمام عليّ (ع). وقد مدحوا امرأة عند رسول الله (ص) فقالوا: يا رسول الله أنها صوّامة قوّامة، إلاّ أن فيها بخلاً. فقال: “فما خيرها إذن..!”. ودائما تجد كتب المورث الديني، تحثّ على الكرم، وتقول لابدّ ان يتخلق العبد بأخلاق الله، وهو الكريم! وموروثنا الشعبي العراقي، زاخر بهذه الحكايات، فالكريم “أيده فلته، ومعّزب، وابن ديوان، وينشّف الدمعة، وشجاع الخ…” أمّا البخيل، فأهله “مو أهل صينيّة” أي لا يضعون الطعام الكافي على أيّة مائدة، وأهل البخل “مطفّين النار!” ولا توجد قدور على نيرانهم، وهم “بيت اهل الفگر.. چبوا علينه الماي” أي يسكبون الماء على الذي يقف في أبوابهم حتّى يهرب، ولا يأتِي ثانية!. وهو “الجلف” الذي “ما يطيّر النديدة” كما يقولون في المثل، وكذلك “الخبيث” وثمة مثل عند أهل الأهوار في هذا، يقول أحدهم إذا رأى بخيلاً، أنّه : “اخبث من عجل الهوش!” وعجل الهوش هو إبن البقرة الذي يميل إلى إيذاء صاحبه دائماً، كما يقول قاسم موسى الفرطوسي في كتابه “الأمثال الشعبيّة في الاهوار”.       وبالمناسبة، نتمنى من السياسيين، ان لا يكونوا بخلاء مع أبناء شعبهم، ويكونوا كرماء مع الناس، ليس في الأموال فحسب، وإنما في الخدمات، وإخراج البلد من أزمته المستعصية، وإن ينسوا أحزابهم، “ولا يجيّروا البيضة” كما يقول أهال العِمْارة على الشخص البخيل، واللئيم في ذات الوقت. وهو غريبُ فعلاً، كيف يقوم الإنسان ان يأتِي بالقير الأسود على البيضة، ويمنعها عن النَّاس.. ربّما رأينا حكومات متعاقبة، منعوها عنّا، وجيّروا گصتنا، وكل شيء في حياتنا!. فلا تجيّروا البيضة يرحمكم الله!

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان