اراء وأفكار

أين أنتم من دموع الأمهات؟

حميدة السعيدي

 

تقف كل يوم من طلوع الفجر حتى ساعة متأخرة من الليل تنتظر عسى الغائب يعود، وفي بعض الأحيان تنام عند عتبة الباب دون إن تشعر من كثرة الإرهاق والتعب والسهر, تبكي تصرخ تنادي باسمه من دون إجابة. عجز الكل عن إقناعها بعودته وبالصبر عجز الكل بأن الصراخ والدموع والنحيب لن يجدي نفعآ، تكلم الجميع معها الأقارب الجيران لكن دون جدوى لماذا لأنها أم فقدت اعز ما لديها.

تطوع مع أصدقائه من الشباب من أبناء الحي بعد إن ترك الدراسة ليعمل من اجل توفير لقمة العيش لوالدته وإخوته الصغار بعد وفاة والده، وما إن سنحت ألفرصة له بفتح باب التطوع، حتى ذهب مسرعا بهدف الحصول على راتب شهري وللدفاع عن ارض الوطن, كان شابا في بداية عمره أحس بالمسؤولية منذ الطفولة فأصبح هو رجل البيت، لا يسمح للوالدة بالخروج، كان يجلب كل ما تحتاجه وإخوته بعد رجوعه من العمل .

عندما كلمها وقال لها انه ذاهب للتطوع أخذت الحيرة تداهمها بين الموافقة وتركه يذهب لمصير مجهول، وبين الرفض لأنه رجلها وحامل همها لكنه بالأخير استطاع إقناعها بالموافقة ليذهب إلى مركز التدريب. وما هي إلا أيام حتى انتهى التدريب وتم توزيع كل شباب المركز على المحافظات فكان مكانه هو وأصدقاؤه قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين.. المدينة التي تعتبر مركزا لكثير من البعثية والعملاء ومقر لعائلة المقبور صدام . ودعها بدموع الحزن هي تبكي وهو يبكي انتهى الحال هكذا لتتحرك السيارة إلى تكريت. التحق بالواجب وما هي إلا أيام حتى دخلت قوات داعش المحافظات الغربية والشمالية لتسقط الموصل بأيديهم بسبب خيانة بعض العملاء ودعم إقليمي ودولي. خيانة بعض قادة الجيش في تلك المناطق أدت إلى قتل كثير من الشباب العراقي الذين تطوعوا حديثا ومنهم الشباب والطلبة في تلك القاعدة.

دخلت زمر الإرهاب ومعهم الزمر البعثية والخونة من العراقيين القاعدة بعد إن سلمها القادة لهم بسهولة  قاموا باقتياد هؤلاء الأبرياء إلى مصيرهم المجهول مطلقين عليهم تسمية الجيش ألصفوي رغم أنهم لا حول لهم ولا قوة في كل ما يحدث. سيقوا كما تساق النعاج  ليقتلوا بدم بارد, مجزرة جماعية نفذها من لا ضمير ولا دين ولا إنسانية لهم، تركوا في العراء، في الليل تنهش الكلاب والحيوانات المفترسة أجسادهم الصغيرة،  وفي النهار تحرقها أشعة الصيف الحارة في شهر تموز وهو أحر شهر في فصل الصيف. لم يدفنوا هكذا تركوا والعالم في صمت والحكومة خرساء، الكل سكت دون كلام الكل يتفرج والمجرمون اخذوا يلتقطون الصور ويسجلون مجزرتهم كما فعل من قبلهم صدام، لتنشر تلك الصور وتم عرض تسجيل الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الصحف الالكترونية. فليشاهد كل العالم ما فعل هؤلاء بشباب في عمر الورد ليعلن العالم الحداد وليدفن كل مسؤول عراقي رأسه بالتراب خجلا من هذه الفاجعة الأليمة، ولينهض الشعب العراقي بأكمله ليأخذ بالثار لهم من كل من سبب في قتلهم. نعم تلك مجزرة وإبادة جماعية سيذكرها التأريخ بحزن والم، وهو عار سيسجل بقلم عراقي، عار سيلحق بكل الحكام العرب وغير العرب ممن يدعمون تلك الزمر، نعم سيسجل التأريخ ايضآ  صرخات الأمهات ودموعهن لتبقى شاهدآ على ذلك لتعرف الأجيال القادمة ما حصل في هذا البلد، وما سيحصل من مأساة حقيقية مأساة إنسانية يندى لها الجبين.

ومازالت هي تنتظر حتى بعد إن رأت صور الشهداء المغدور بهم في القاعدة، نعم عرفت بمصيره فاستسلمت تارة لإرادة الله وتارة أخرى تعود لتبكي وتنوح وتراقب الطريق، وتنظر لكل شاب يمر لتتصوره هو. وتخرج مع سماع زفة عرس تمر في الشارع لتردد.. يمه اذكريني من تمر زفة شباب.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان