اراء وأفكار

المحكمة الاتحادية والرقابة على دستورية القوانين

نوري صبيح

 

تلعب الرقابة على دستورية القوانين دورا مزدوجا في دولة القانون, فهي عنصر داخل في تكوينها من جهة وضمانة فاعلة لسيادة القانون ومنع انتهاكه من جهة أخرى, فالقضاء بوصفه الجهة المحايدة من بين السلطات الثلاث لعدم تأثره بأي اعتبار سياسي وعدم استجابته لأي تأثير شخصي ينبغي أن يبسط رقابته على عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية, فله أن يبسط رقابته على أعمال السلطة التشريعية للتأكد من مدى موافقته التشريعات الصادرة عنها لمضمون الدستور, فإذا خالفت أحكامه جاز له أن يلغيها أو يمتنع عن تطبيقها وبذلك يكون الحامي الأمين للدستور” شكلا وموضوعا” , لذلك نجد الكثير من الدساتير للدول الديمقراطية “الدولية العربية” تجنح إلى النص في صلبها على تنظيم هذا الموضوع.

  إن الغاية الأساسية للقضاء هي ضمان الحماية القانونية للناس كافة على سواء بينهم في ذلك تقتصر الرقابة في العراق على التشريع بعد نفاذه. والاختصاصات للمحكمة الاتحادية التي نص عليها الدستور2005  في المادة 93 مايلي:

أولا”: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة. والمحكمة هنا تنظر في شرعية القوانين والأنظمة النافذة , وتكون رقابتها لاحقة ولا تنظر في مشروعات أو مقترحات القوانين قبل صدورها. ولم لم يكن من بين اختصاصات المحكمة الاتحادية بموجب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية, ولا في قانون المحكمة رقم 30 لسنة 2005 تفسير النصوص الدستورية, إلا أن الدستور الدائم في المادة 93/ ثانيا” منه أضاف هذا الاختصاص إلى اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا, كما وان المادة 2 من الدستور المتعلقة بثوابت أحكام الإسلام, وتلك المتعلقة بالديمقراطية تحتاج إلى أن يناط بالمحكمة هذا الاختصاص, إضافة إلى ما يحدث مستقبلا بشأن تنازع القوانين بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم وتوزيع إيرادات مصادر الثروات الطبيعية, كذلك فيما يتعلق بالحقوق والحريات, إذا كان الدستور اتحاديا يمنح الحق إلى الأقاليم بتشكيل سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية, كما أن الدستور منح الأقاليم اختصاصات واسعة منها كما جاء في المادة (121 / ثانيا”)  حيث ورد “يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم, في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية” وهذا البند يكاد يكون فريدا من نوعه في الدول الفدرالية حيث يغلّب قانون الإقليم على القانون الاتحادي. إن أحكام المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى الدستورية وقراراتها ملزمة لكافة سلطات الدولة كما ورد في المادة (94) من الدستور التي نصت على أن “قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة”.

ولكن الإشكالية في تعارض نصوص الدستور التي تتقاطع فيما بينها خصوصا المادة (61/ سادسا/ ب) التي ذكرت إعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الحالات الآتية:

1- الحنث في اليمين الدستورية.

2- انتهاك الدستور.

3- الخيانة العظمى.

وهنا يورد فقهاء القانون الدستوري بعض الملاحظات التي يجب الالتفات إليها:

 أولا: إن هذا البند لا يتفق مع ما ذكرته المادة 94 من الدستور, والسؤال هنا كيف تكون قرارات المحكمة باتة وملزمة للسلطات كافة إذا كان إعفاء رئيس الجمهورية بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا يخضع لتصويت أعضاء مجلس النواب؟ 

ففي هذه الحالة لا تكون قرارات المحكمة ملزمة للسلطات كافة في الدولة, وعليه على المشرع أن يزيل هذا التعارض بين المادة (61 / سادسا/ ب) والمادة 94 من الدستور, وفي حالة إبقاء النص على ما هو عليه يكون لمجلس النواب سلطة إلغاء الأحكام التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا وهذا مخالف لأحكام المادة 94 من الدستور. 

ثانيا: ورد في المادة(121 / ثانيا) من الدستور التي نصت على انه “يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم , في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية”. وهنا نجد عبارة تعديل تطبيق القانون الاتحادي تعني الإلغاء جزئيا أو كليا, وان ممارسة سلطة الإلغاء منوط بالمحكمة الاتحادية العليا دون غيرها حيث تتولى الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية كما نصت عليه المادة (93/ ثالثا”) من الدستور , وبما أن القانون الاتحادي أعلى مرتبة من قانون الإقليم استنادا” إلى مبدأ تدرج التشريع في الفقه الدستوري والتنازع الذي يحصل بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم تفصل فيه المحكمة الاتحادية العليا وليس سلطة الإقليم , وفي هذه الحالة سنكون أمام تجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وعلى قاعدة مبدأ تدرج التشريع. وعليه لابد للمشرع أن يعالج هذه المسألة التي تضعف من سلطة الحكومة الاتحادية وتتجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا. وان تسليط الضوء على الرقابة على دستورية القوانين في العراق وواقعها الفعلي والدستوري في الماضي والحاضر, وضرورة تمتع السلطة القضائية بالاستقلالية لغرض ممارسة مهامها على رقابة دستورية القوانين، نشير إلى جملة من النتائج التي ترشحت منه لكي يتسنى من خلاله معالجة وضع القضاء العراقي في المستقبل، ولما يؤول إليه القضاء الدستوري أثناء ممارسته الرقابة على دستورية القوانين بعد أن كان “مقيدا” من ممارسة هذا الحق في ظل الأنظمة الشمولية السابقة التي جعلت من السلطة القضائية مرفقا وجزءا من سلطة تنفيذية مقيدة بأيديولوجية حزبية وسياسية خاضعة لتعليمات وتوجيهات السلطة آنذاك فضلا عن عدم وجود فصل للسلطات بشكل متوازن، مما أثر بصورة مباشرة على حركة وإبداع القضاء العراقي وعدم قدرته على إلغاء القوانين والقرارات والأوامر التي طالما كانت تتعارض مع الدستور, وفي أحيان أخرى تنتهك حقوق وحريات المواطنين  ويتم التعدي على كرامة الإنسان العراقي, وان كان ذلك يعود إلى ما تمارسه السلطة من أعمال حكومية خارجة عن سلطة القضاء, كما أن القضاء العراقي لم يجرؤ على ممارسة رقابة دستورية القوانين .

وبما أن استقلال القضاء  يلعب دورا فاعلا في تنظيم دولة القانون , بل انه يدخل شرطا أساسيا في أحد عناصرها المكونة لها, ولا يمكن الحديث عن رقابة دستورية القوانين مؤثرة ما لم يكن القضاء مستقلا وغير مقيد أو تابع إلى السلطة التنفيذية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان