نوري صبيح
تعدّ حرية الرأي من الحريات الأساسية، خصوصا ما تعلق منها بالحصانة الموضوعية التي تحمي الوظيفة النيابية مما يظن حدوثه ساعة الإفصاح عن الحقائق باسم حرية الرأي.وهذه الحرية تلزم الدولة الحياد التام وعدم التدخل في شؤون الفرد/المواطن إلا إذا ثبت أن تصرفه يمس بسيادة الدولة وبحقوق الآخرين التي يكفلها الدستور، فهذه الحرية أصلها النقد وإثبات الأخطاء لا المس بحرية الآخرين.
و تتضمن دساتير معظم دول العالم الديمقراطية نصوصا تكفل الاستقلال لأعضاء المجالس البرلمانية”السلطة التشريعية” ،والحماية لهم ضد أنواع التعسف والتهديد والانتقام ..
سواء من جانب السلطات الأخرى وخصوصا السلطة التنفيذية لكونها تمتلك القوة والمال، و فـي المجتمع أم جانب الأفراد، المواطنون، وتحقق لهم الطمأنينة العامة والثقة الكاملة عند مباشرة أعمالهم النيابية تحت قبة البرلمان لتشريع القوانين ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، هذه النصوص تجسد ما يعرف باسم “الحصانة البرلمانية” ، وهي نوعان:
1 – حصانة موضوعية، تعني عدم مسؤولية أعضاء البرلمان عن الأقوال أو الأفكار والآراء التي تصدر منهم أثناء ممارستهم لوظائفهم النيابية إثناء عملهم في اللجان الاختصاصية لمجلس النواب أو طرح آرائهم حول مقترحات القوانين والتصويت عليها بنعم أو لا.
2 – الحصانة الإجرائية و تعني عدم جواز اتخاذ أية إجراءات ضد أي من أعضاء البرلمان “فـي غير حالة التلبس بالجريمة” إلا بعد إذن المجلس التابع له، ولهذا يطلق عليها الحصانة ضد الإجراءات الجنائية إلا بعد وصول طلب من السلطة القضائية لرفع الحصانة عن نائب أو عدة نواب لأسباب مختلفة تخص عمليات الإرهاب أو الفساد الإداري والمالي وتجاوزه على المال العام والتشهير والتسقيط السياسي وإطلاق التهم جزافا حول أداء الدولة ومواطنيها مهما تكن صفاتهم ومسؤولياتهم ويتعرض لقانون العقوبات العراقي النافذ الخاص لمعالجة هذه القضايا. وتمثل الحصانة سواء كانت موضوعية أو إجرائية استثناء من القانون العام، أقتضته ضرورة جعل السلطة التشريعية “ممثلة الشعب” بمنأى عن اعتداءات السلطات”التفيذية والقضائية” الأخرى وطغيانها ، وهي وإن كانت فـي ظاهرها تخل بمبدأ المساواة بين الأفراد/المواطنون، إلا أن عدم المساواة هنا لم يقرر لمصلحة النائب ، بل لمصلحة سلطة الشعب، ولحفظ كيان التمثيل النيابي، وصيانته ضد كل اعتداء ولكن ليس معنى ذلك أن يصبح أعضاء البرلمان دون بقية الأفراد/ المواطنون” فوق القانون” لا حسيب عليهم ولا رقيب. فالحصانة فـي الواقع ليست طليقة من كل قيد أو حد، بل هناك ضوابط وقيود عديدة تحد من نطاقها إذا ما تجاوز عضو البرلمان الحدود المسموح بها، أو الحدود المشروعة لها، فهي عندما تقررت إنما كان لهدف محدد وواضح لا يجوز تجاوزه أو الخروج عليه، وإلا تعرض عضو البرلمان للمسؤولية كاملة.
فما مدى إمكانية لتطبيق الحصانة البرلمانية على أعضاء مجلس النواب العراقي الحصانة البرلمانية وضوابط ممارسة حرية الرأي.حيث جاء في المادة (63) من الدستور العراقي لسنة 2005 في ما يلي:
ثانيا :
ا ” يتمتع عضو مجلس النواب بالحصانة عما يدلي به من أراء في إثناء دورة الانعقاد ، ولا يتعرض للمقاضاة أمام المحاكم بشأن ذلك”.
ب- لا يجوز إلقاء القبض على العضو خلال مدة الفصل التشريعي إلا إذا كان متهما بجناية ، وبموافقة الأعضاء بالأغلبية المطلقة على رفع الحصانة عنه، أو إذا ضبط متلبسا بالجرم المشهود في جناية”.
ج – لا يجوز إلقاء القبض على العضو خارج مدة الفصل التشريعي إلا إذا كان متهما بجناية،وبموافقة رئيس مجلس النواب على رفع الحصانة عنه، أو إذا ضبط متلبسا بالجرم المشهود في جناية”.
والمشرع القانوني العراقي عندما عمل هذه المواد الدستورية لم يختلف في مجال “الحقوق والحريات” مع العديد من الدساتير الديمقراطية العالمية والعربية والعراقية السابقة للتجربة الديمقراطية العراقية بعد 9/ 4/ 2003، ولكن المشكلة السياسية في العراق الجديد ولتقاسم السلطات التنفيذية” رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء” والتشريعية ورئاسة مجلس” النواب” وفق مبدأ المحاصصة القومية والدينية / المذهبية، جعلت من هذه المناصب ضعيفة وبالتالي حكومة شراكة وطنية هزيلة، لان جميع الكيانات والكتل البرلمانية تتقاسم هذه المناصب السيادية وفق اتفاقات “غير مبرمة” متفق عليها بين قادة الكيانات السياسية التي تهيمن على المشهد السياسي، و تستخدم للي الأذرع والضغط على الجروح عند حدوث الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية وتعلق على شماعة الحكومة خدمة للمصالح الطائفية/ المناطقية/ والمكونات الاجتماعية والمصالح الشخصية فطوال فترة الدورتين الانتخابيتين الأولى والثانية لمجلس النواب(2006 – 2010) أرسل مجلس القضاء “السلطة القضائية” وهو سلطة مستقلة، العشرات من طلبات رفع الحصانة البرلمانية إلا أنها تصطدم بالجدار الكونكريتي الصلب الذي عمله قادة الكتل السياسية وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب السابق في عدم عرض هذه الطلبات أو من خلال التسويف والمماطلة وأبتزاز الاخرين في عدم الحضور والأنسحابات المتكررة في هذه المشكلة أو تلك وعدم تحقق النصاب القانوني مما يؤدي بالنتيجة إلى فشل انعقاد جلسات المجلس .
والخاسر هو المواطنين في عدم تشريع القوانين المهمة كالموازنة العامة للدولة وقوانين البنى التحتية للدولة والأغرب من ذلك كله هو قيام منتسبي هذه الكيانات السياسية بالتشهير بالخصوم السياسيين المشاركين معهم البرلمان و في السلطات الاتحادية ، بان القضاء مسيس يخدم قائمة معينة، وإنها لدواعي توافقية ومصال وامتيازات إلى غيرها من المبررات والأسباب والأعذار.
ومن الملاحظات حول الحصانة الموضوعية:
* يجب اعتبار الحصانة الموضوعية التي تعفي النائب من محاسبته جرّاء أقوال وآراء عبّر عنها غير مطلقة، إذ ربّما تؤدي إلى المساس بهيئة أو شخص ما، فيفقده شخصيته الاعتبارية،ومن ثم اعتبر هذا المبدأ “الحصانة”من النظام العام وليس حقا أو امتيازا خالصا للنائب.
*الحصانة البرلمانية وإن كانت “قاعدة ضرورية” للعمل البرلماني، فإن فيها قدرا من الخطورة على كيان الأفراد/ المواطنون إذا أساء النائب “استغلالها”،و بضرورة التدقيق في مواد الدستور التي تعفي النائب من الآراء والأقوال التي يوظفها ضد الغير مستعملا أدوات التشهير والسخرية والقذف في غير محلها، ومع إقرارنا بأن الإجراءات الجنائية يمكن تأخيرها لحين موافقة البرلمان “دون أن تزول صفة الجرم” ، غير انه يخشى من التماطل الذي يمكن أن يحصل من قبل مكتب المجلس أو رئيس المجلس خصوصا إذا تعلق الأمر بمفهوم الأغلبية ودورها في إعاقة عمل المجلس، ولهذا فإن هذا الإشكال يدعونا لتوضيح بعض المعطيات:
أولا: تحديد الجهة التي وراء هذا التلفيق، سواء كانت داخل البرلمان أم الهيئة التنفيذية أم جماعات الضغط.
ثانيا: تحديد صفة هذه الجهة من حيث هيمنتها على مقاعد البرلمان أو تعسف الهيئة التنفيذية، وكذا جماعات الضغط.
ثالثا: التكييف القانوني لمثل هذه الإشكالات، وموقف المشرع منها من حيث السند القانوني الذي تستند إليه في مثل هذه الحالات.
رابعا: رد الفعل العكسي الذي ينقلب على الجهة المسؤولة، والتي قامت بهذا الفعل “الكيد والتلفيق” من حيث تسويغ أثر قانوني أو إنشائه في حالة العدم.
وإذا كان الأمر متعلقا باستغلال مبدأ الحصانة، بتحويله من ضمانة إلى امتياز، فلابد أن تصاغ مادة توضح الأسباب التي تبيح اتخاذ الإجراءات ضد التعسف في استخدام الحصانة، وكذا الإجراءات ضد التلفيقات التي تنتهجها جهات ما ضد النائب.
إما في مسألة تأجيل اتخاذ تدابير القبض على النائب الذي توفرت في حقه أدلة الاتهام، أن رفض المجلس طلب القضاء ، فيه مساس بمبدأ المساواة، خصوصا في حالة انتفاء الأسباب الكيدية، وكذا عدم توفر الأسباب المباشرة في توظيف هذا الاستثناء -الحصانة- مثل تعسف واستبداد الأغلبية أو الأقلية المدعومة من ذوي النفوذ، ولذلك يميل فقهاء القانون الدستوري إلى ضرورة تحليل المادة الدستورية وتزويدها بمجموعة من التفسيرات حتى لا تكون مطية لذوي النفوس المغرضة لكي يوظفوا هذا المبدأ لأغراض مشبوهة، كما أنّ رفض المجلس وانتظار نهاية المدة النيابية، فيه غمط لحق صاحب الدعوى، إذ ربما يؤدي سكوت المجلس أو رفضه قبول الطلب إلى السكوت عن القضية ونسيانها في أدراج اللامبالاة، فتضيع الحقوق، وهو مبدأ منافٍ لحقوق الإنسان.









