حيدر ناشي آل دبس
تمتاز المجتمعات ذات العمق التاريخي بسيطرة الثيوقراطية على مقاليد حياتها، بالرؤية الرمزية للأشخاص وللحوادث، فتخلق هالة حول من تراهم رموز وطنية او دينية او سياسية…الخ، وتبدأ بتعظيمهم او ازدرائهم عبر سرد حكايات عنهم بعيدة عن الواقع، وتجد في هذه الحكايات مسوغا لنظرتهم الى الرمز سواء كان انساناً او حادثة تعطيها كما هائلا من الحواكي، كي تبرر ما اتجهت اليه نزعاتهم الذاتية، ومن يريد ان يحلل هذه السرديات « التحليل فقط » تكون المعارضة والرفض لطرحه جاهز ويصل حد الطعن بسلامة عقله او انه مدسوس من جهة لها مآرب في زرع هكذا طروحات، تهدف الى زعزعة اسس العقيدة التي تمتد لسنوات غابرة وقد يصل الامر الى اهدار دمه ‘ هذه النظرة الاحادية الجانب نشأت عبر عصور من القهر والاستبداد ‘ وسيطرة السلطة البطريركية على مقدرات حياتهم ‘ فنزعوا نحو الاسطرة والترميز كي يبرروا خضوعهم وانصياعهم لما هو سائد ‘ هذه السيرورة التاريخية والتي لازالت قائمة وبمستوى عالٍ في صناعة وخلق الرمز ‘ هي احدى الاسباب المهمة في تأخر عجلة التطور الاجتماعي عن الركب الحضاري العالمي في هذه المرحلة التي نعيش معالمها ‘ فالترميز هو تحجيم لدور الابداع وذلك عبر الابتعاد عن التفكير العلمي في تشخيص العلل الاجتماعية واظهارها من اجل ايجاد الحلول الناجعة لها ‘ فالإذعان للرمز في تصرفاته وسلوكياته وللرمزية في سرديتها وشيوعها خلل افضى الى تمكنهما من عقول البشر والتحكم فيها ‘ فمارس الرمز القهر الجسدي والفكري تجاه الاخر المختلف بحجة وقوفه ضد تقدم المسيرة الوطنية او الدينية ‘ ومارس المجتمع القهر الجسدي والفكري والاجتماعي تجاه من يحاول ان يدحض بطريقة علمية خرافة سرت في البنية الاجتماعية فأخذت مأخذها في تقوقع المجتمع في زمن هذه الخرافة والنظر الى الحاضر والمستقبل من خلالها ‘ عندها يكون التطلع الى القادم جريمة لا يمكن القبول بها ‘ ومصدرا لتهديد الامن القومي ولأسس العقيدة ‘ والتي بدونهما يصبح الانسان فاقدا لوجوده الطبيعي المقدر سلفاً . هذه الرؤية غير المنطقية هي ما نعيش ملامحها الان. وفي خضّم هذا الارباك الذاتي والشعبي نجد النزوع الى الافضل الذي نتمناه صعب المنال ‘ لست من دعاة تثبيط العزائم انما ابحث من خلال طرحي عن حلول تتلاءم مع طبيعة المرحلة الحالية ‘ فكل ما طرح سابقاً من حلول لم تكن نتائجه بمستوى الجهد الذي بُذل من اجله. اذن..! ما العمل ” ماهي الادوات التي يجب ان تسُتخدم كي نصل الى ما نطمح اليه من استقرار امني واقتصادي واجتماعي ‘ هل نقف مكتوفي الايدي ونبقى نشاهد عمليات الهدم والتي تجري يومياً على قدمٍ وساق وبدون وازع من ضمير ؟ ام نجدد من انفسنا ومن رؤيتنا ومنهجنا وايجاد آليات جديدة للتعامل مع المتغيرات والتحولات التي ارى انها قد وضعت دائها ‘ فالمصل لم يعد نافعاً بعد الان لان المرض اخذ بالسريان ‘ وحتى لا ينتشر اكثر اجد ان تأخذ شريحة المثقفين دورها في بلورة رؤية جديدة منفتحة ‘ ترمي كل مخلفات الماضي وراءها ‘ وتكون ارادتها قوية في التطلع نحو القادم الذي نطمح له وان تقلل من زخم التابوات تجاه المواقف السابقة وتترفع عن الصغائر ‘ وتطرح رؤية جديدة جامعة لكل الاطراف التي تسعى لبناء بلد افضل تكون الجماعة هي لحمته وسداه بدلاً من الرمز ” المفدى ” وتقرأ حوادث الماضي بطريقة لا تمس مشاعر الناس ولا تقلل من قيمة قداستها، وانما استخلاص الدروس والعبر وفهم ثيمة الحدث وطبيعة الرسالة المؤداة حتى تكون عوناً لاختطاط طريق المستقبل الذي نعمل في سبيل ان يكون معّبداً بالأمن والاستقرار والحياة الحرة الكريمة التي تصان فيها كرامة الانسان.









