نوري صبيح
يتم بموجب الانتقال إلى الديمقراطية ، العبور من حكم الغلبة الذي يسود فيه خيار وقرار حاكم فرد او القلة باعتباره مصدر الشرعية،إلى حكم عصري،حيث يكون الحكم للكثرة من الشعب وليس لفرد او قلة منه، “وذلك عندما يتم الاعتراف بحق الشعب نصا وروحا بان يكون مصدر السلطات ، تتوافق كثرته على وضع الدستور وتشرع اغلبيته القوانين وتفوض السلطات دوريا وتحاسب من يتولاها من دون هدر لحقوق الاقليات “، واذا كانت فكرة العدالة مطلقة و لايمكن طمسها او التنكر لها او حتى تأجيلها تحت أي سبب كان او ذريعة او حجة، “فان العدالة تشترك مع العدالةالانتقالية في احقاق الحق واعادته إلى اصحابه ، وفي كشف الحقيقة وفي جبر الضرر وتعويض الضحايا ، وخصوصا لما له علاقة بالقضايا السياسية والمدنية العامة: لكن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية المتواترة في كونها تعني بالفترات الانتقالية مثل: الانتقال من حالة نزاع داخلي او حرب اهلية إلى حالة السلم والانتقال الديمقراطي ، او من حالة انهيار النظام القانوني إلى اعادة بنائه بالتوافق مع اعادة بناء الدولة ، والانتقال من حكم تسلطي ، دكتاتوري إلى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي، أي الانتقال من حكم مغلق بانسداد افاق، إلى حكم يشهد حالة انفتاح واقرار بالتعددية . وقد يتبادر إلى الذهن ، “ان اختيار طريق العدالة الانتقالية يتناقض مع طريق العدالة الجنائية سواء على المستوى الوطني او المستوى الدولي ، في حين ان اختيار الطريق الاول لا يعني استبعاد الطريق الثاني وخصوصا بالنسبة إلى الضحايا، ومسألة افلات المرتكبين من العقاب” ، لكن مفهوم العدالة الانتقالية ودوافعها السياسية والقانونية والانسانية ، اخذ يتبلور، وان ببطء في عدد من التجارب الدولية ، وفي عدد من المناطق في العالم ، ولا سيما في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية فيما يخص ضحايا النازية ، وان كان قد شابه بعض التسيس ، وخصوصا بعد تقسيم المانيا من جانب دول الحلفاء ، كما اتخذ بعدا كبيرا في امريكا اللاتينية ، وبخاصة بعدما حصل في تشيلي في اثر الانقلاب العسكري في 11/ ايلول /1973، الذي قاده الجنرال بينوشيه ، ومنذ سبيعينات القرن العشرين وحتى الان ، شهد العالم اكثر من 40 تجربة للعدالة الانتقالية من اهمها ، تجارب تشيلي، الارجنتين، البيرو، السلفادور، رواندا، سيراليون، جنوب افريقيا،تيمور الشرقية، صربيا، واليونان، ويمكن عد البرتغال واسبانيا والبلدان الاشتراكية السابقة دولا شهدت نوعا من انواع العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ، كما يمكن عد تجربة لبنان ما بعد الحرب الاهلية (1975-1989) وما بعد مؤتمر الطائف ، بانها اتخذت وجها من اوجه العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ، وان لم تنطبق عليها الشروط العامة للعدالة الانتقالية كاملة وخصوصا كشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا و الاصلاح المؤسسي.
قامت العدالة الانتقالية في العراق على هذا الاساس ، وهذا استعمال رسمي لها اصدرته الادارة الامريكية سنة 1998 ، قانون تحرير العراق وهذا يعتبر القانون الوحيد في العالم الذي اصدرته دولة في العصر الحديث بعد الاستعمار والحروب المباشرة ، الذي يقضي بتغيير نظام الحكم في دولة اخرى ، تقول المادة الثالثة من هذا القانون بالنص: “تقوم سياسة الولايات المتحدة على دعم الجهود لازاحة نظام صدام حسين من السلطة في العراق و لاستبدال ذلك النظام”. وتقول المادة (ب) B ايضا ” يقوم رئيس الولايات المتحدة بالدعم المالي والعسكري لتحقيق هذا الهدف فضلا عن تقديمه التجهيزات الاذاعية والتلفزيونية “،وقد انشأ الامريكيون فعلا محطة راديو “اذاعة العراق الحر” والتي رأسها السيد (كاميران قرداغي) مستشار الرئيس العراقي جلال طالباني الذي قدم استقالته في فترة لاحقة، المهم ان هذا القانون حين اصدرته الولايات المتحدة الامريكية ، وقعه الرئيس الامريكي قبل 11/ ايلول/2001، وبعد ثلاثة اشهر اسست الادارة الامريكية ما يسمى ” مشروع مستقبل العراق” الذي عينت الادارة الامريكية وفقه (200) مئتي عراقي ، توزعوا على سبع عشرة مجموعة عمل، تناولت جميع القضايا التي تهم العراق ، من العلم إلى الموسيقى، التعليم الديني، المدارس، الصحة، الاقتصاد، نظام الحكم، الديمقراطية، اجتثاث البعث ، حل الجيش العراقي ، كل هذه الامور كما يقول الخبراء والوثيقة الامريكية .
اسس (بريمر) رئيس الادارة الامريكية المؤقتة بعد الاحتلال الامريكي للعراق، مجلس الحكم الانتقالي ، وكان ذلك بسبب وجود خلاف حول البداية اذ كان الجنرال(جي كارنر) والاخير كان رأيه ” ان امريكا احتلت العراق ، كان يجب ان تخرج فورا وتدع العراقيين يذبح بعضهم بعضا”، ورفض القرارات التي تقضي باجتثاث البعث وحل الجيش….الخ، و”نحن غير قادرين على ايجاد البديل ” و(كارنر) خلال (18) يوما من تسلمه المنصب تم استبداله بالسفير (بريمر) لذي قام بتطبيق الاجراءات كافة التي جاءت بقانون تحرير العراق.
ادت العدالة الانتقالية في التجربة العراقية بعد الاحتلال الامريكي في الوقت الحاضر إلى تغييرات جوهرية على كل المستويات، وأدت إلى حصول انتهاكات لحقوق الانسان، مثلما مرت على ما كان يجري في جميع العهود السابقة في العراق ، لانه في اوقات الدكتاتورية والانظمة العراقية التي حكمت العراق منذ العهد الملكي الذي جاء بعد الاحتلال البريطاني إلى سنة 2003 ، كانت هناك نماذج مختلفة ، برلمانية ، دكتاتورية، ديمقراطية ،عسكرية ومدنية،لكنها كانت انظمة حكم لديها شيء مكتوب ، لديها سجلات و وثائق. و يمثل النموذج العراقي أحد أهم تجارب إخفاق العدالة الانتقالية، بسبب سيطرة نزعات الانتقام السياسي والإقصاء على ممارسات إقرار العدالة والمحاسبة، حيث ينسب للجنة العدالة الانتقالية التي أسسها الاحتلال الأمريكي في عهد الحاكم الأمريكي السابق بول بريمر سنة 2003 ، قرار حل حزب البعث العراقي، وتسريح كوادر الجيش العراقي، وإقالة ما لا يقل عن 50 % من القضاة وآلاف الكوادر الإدارية بحجة انهم كانوا مع النظام السابق، وكان الجهاز القضائي قبل الاحتلال الامريكي ، يعاني من نقص القضاة، بحيث ان القضايا في العراق كانت تاخذ سنتين او اكثر حتى يتم البت بها. بما أدى إلى تفجر الحرب الطائفية بين عامي 2005 و2007، والتي لا تزال توابعها قائمة حتى الآن.
ويجب ان يرتكز الدستور الديمقراطي على مبدأ الشعب مصدر السلطات، ومبدأ المواطنة الكاملة المتساوية ، كما ويجب ان تتضمن مبادئه ومؤسساته والياته وضوابطه وضماناته المقومات التالية :
حكم القانون، الفصل بين السلطات ، ضمان الحريات العامة ومركزها حرية التعبير والتنظيم ، بما في ذلك تكوين الاحزاب الديمقراطية ويجب ايضا ان يضمن الدستور لديمقراطي ، تداول السلطة – فعلا- وفق نظام وقانون انتخابات ديمقراطية دورية حره ونزيهة وفعالة، وتعد العدالة الانتقالية إحدى أهم متطلبات الإصلاح السياسي في الدولة العراقية ، عقب احتلال عسكري أجنبي، وتسعى لمعالجة إرث القمع السياسي، ومحاسبة المسئولين عنها، وإرساء دعائم نظام مستقر لحقوق الإنسان، بهدف استعادة التماسك المجتمعي والاستقرار السياسي. غير أن تطبيقات نظم العدالة الانتقالية في بلدنا لم تحقق نتائج إيجابية في ظل تحديات هيكلية تعترض إتمام هذا الاستحقاق قبيل انتقال السلطة لمؤسسات منتخبة ، مستقرة امنيا وسياسيا وقانونيا.
ولا يمكن اعتبار إجراءات العدالة الانتقالية التي تم اتخاذها نماذج نجاح في إقرار المساءلة المنصفة، وتحقيق المصالحة الوطنية، ورأب الصدع بين الفرقاء السياسيين، وتعويض المتضررين من ممارسات النظام السلطوية، وهو ما يرجع إلى اعتبارات عديدة تتمثل في:
1 – الاستقطابات السياسية، فعلى الرغم من الضغوط الشعبية باتجاه طي صفحة الماضي، ومحاسبة المسئولين عن جرائم النظام السابق؛ إلا أن الانقسامات السياسية المحتدمة تحول دون التوافق على إجراءات تحقيق العدالة، لا سيما في جمهورية العراق بعد التغيير السياسي،التي يحكمها توازن هش بين القوى السياسية على غرار معادلات تقاسم السلطة المعقدة بين الفرقاء السياسيين.
2 – النزعة الإقصائية،حيث تغلب على آليات العدالة الانتقالية التي تم إقرارها ذات توجهات إقصائية، هدفها الانتقام من النخب السياسية المرتبطة بالنظام السابق، وليس إقرار العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا لتحقيق المصالحة الوطنية.
3 -الانقسامات المجتمعية، إذ تزيد الصراعات الإثنية والطائفية والقبلية من العقبات التي تحول دون تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة، وهو ما يستدل عليه بتعثر نموذج المصالحة الوطنية في العراق عقب انتهاء الحرب الأهلية/ الطائفية، بسبب احتدام الصراعات بين رئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي وخصومه السياسيين، حيث تصبح العدالة الانتقالية جزءًا من تناقضات صراع ممتد على تقاسم السلطة والثروات الوطنية، وهو ما يفسر أيضا تعثر المصالحة الوطنية .
4 – عدالة الحد الأدنى، وتكمن هذه الإشكالية في محاولة بعض نظم الحكم وضع حدود على استحقاقات العدالة الانتقالية، بهدف تفادي إحالة أي من المسئولين السياسيين أو الأمنيين للمحاكمة، حيث يتم الاكتفاء بآليات التحقيقات المستقلة، ومنح تعويضات لأسر الضحايا دون تكريس حقوق التقاضي، وهو ما قد يتسبب في استمرار الانقسامات وفقدان الثقة في إجراءات إقرار العدالة الانتقالية.
5 – تصدع البنية المؤسساتية، فقد ارتبطت الاحداث السياسية بكشف إشكاليات مؤسسات الدولة، وإجمالا يبدو من المستبعد أن تتمكن منظومات العدالة الانتقالية في الحكومة العراقية من تجاوز التحديات المعقدة التي تعترض تطبيقها، في ظل تسييس تطبيق القانون، وافتقاد السلطات القضائية للاستقلال، وتركيز النخب السياسية الصاعدة في هذه الحكومة على إجراءات الإقصاء السياسي والانتقام الجماعي من الخصوم، فضلا عن عدم تهيئة المناخ السياسي والقانوني لإنجاز هذا الاستحقاق، بسبب تصاعد حدة الاستقطاب السياسي والصراعات الإثنية والنزعات الانفصالية، بشكل يزيد من احتمال أن يصبح تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية أحد الاستحقاقات المؤجلة إلى حين الانتهاء من الانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة وتسوية الصراعات السياسية والطائفية عبر اقرار قوانين الاحزاب السياسية والانتخابات والهيئة المشرفة على الانتخابات التشريعية والقوانين الضرورية التي لم تشرع لحد الان! التي وردت في متن الوثيقة الدستورية لبناء الدولة العراقية .









