اراء وأفكار

السبب والنتيجة

سعدون الخياط

 

ذهب عدد من الفلاسفة الى إن لكلّ ممكن ـ محتاج ـ علّة تفيض عليه الوجود والتحقق ، فإن وجدت علتها وجدت هي ، فما دام الموجود في ذاته مفتقراً في وجوده وتحققه فلابد وأنْ يكون مرتبطاً بسبب ، وهذا بخلاف ما لو كان الموجود في ذاته غنياً عن غيره في الوجود، فلا معنى لاحتياجهِ إلى علة تفيض عليه الوجود ما دام غنياً عما سواه في ذلك ، : وقد فات هؤلاء ان لا وجود وقيمة للواجد بدون موجودات ، فانك تبحث عن الصانع من خلال المصنوعات وليس العكس ، فان الانسان يبحث عن احتياجاته من خلال الموجودات المتوفرة ، فاذا كان ليس عنده الا الخشب فهو لا يعرف الحديد حتى يفكر فيه ، فان الحاجة هي بحد ذتها علة تدعو الى البحث والمعلول هو مادة العلة كلاهما يكمل بعضا، العلاقة بين العلة والمعلول: ثمة علاقة بين المعلول وعلته المسببة له بالوجود، المهم هنا معرفة سر هذه العلاقة ونمطها، من خلال عدد من النظريات : نظرية الوجود: وقد ذهب إلى هذه النظرية جمع من الفلاسفة الماديين الذين أكدوا على أنَّ سرَّ العلاقة بين المعلول والعلّة يكمن في كونه موجوداً، فكل موجود محكوم عليه بالارتباط بعلة وجوده، ولأجله أكّدوا على أن لكل موْجودٍ موجِداً، مع العلم أن الموجود إذا كان في وجوده غنياً فلا معنى لارتباطه بعلة تفيض عليه الوجود وتمنحه الغنى، وإنما يحتاج الشيء إلى علة الوجود إذا كان في ذاته مفتقرا إلى الوجود، ومن هنا ذهب الإلهيون إلى القول باستغناء الله عن علة الوجود، وادعوا إنه غني فلا معنى لفرض ارتباطه بعلة توجده وتمنحه الغنى إذ هو تحصيل للحاصل، وتحصيل الحاصل ، نظرية الحدوث: وهذه النظرية منسوبة إلى علماء الكلام، الذين يقولون أن سرّ ارتباط المعلول بعلته حدوثه، فكل حادث محتاج في حدوثه إلى علة الحدوث، وان لازمها استغناء الحادث بعد حدوثه عن علته المُحْدِثة له ، نظرية الإمكان الوجودي: مفادها: أن سرّ ارتباط المعلول بعلته هو إمكانه وافتقاره الذاتي الوجودي. فالممكن في حد ذاته خلو من كل وجود، وإذا ما وجد فإنّ وجوده فيض من غيره، فسرّ ارتباط المعلول بعلته إمكانه وافتقاره إليها ،فالاشكالية هنا هي : من اوجد الموجود ؟وهل هناك قوة متفردة بذاتها ؟، وهل بوجود الموجود يعني ان ثمة موجودات خلفها لا تظهر ولا نتوصل اليها بحواسنا ؟ والبعض يوكد على إن العلاقة القائمة بين العلة والمعلول علاقة ارتباطية لا استقلالية، فإنك حين تقرأُ كتاباً أو تنظر إلى صورة جميلة أو تصافح صديقا لك، فإنه سوف توجد بينك وبين كل ما تقدم علاقة، وهذِهِ العلاقة تنتفي بمحض إعراضك عن تلك الأشياء، إلا أن انتفاء علاقتك بها لا يوجب انتفاء وجودها أو وجودك بل يبقى وجودك ووجودها على ما هو عليه، وهذا يعني أن وجود كلٍّ من الطرفين مستقل عن الآخر، وهذا هو معنى العلاقة الاستقلالية القائمة بين الطرفين: .وان في هذا المعنى تناقض بائن ، اذ كيف يكون ثمة ارتباط باق وان بينك وبين الكتاب قد انتهت ، فانك استوعبت القيمة التي يتضمنها ، وربما لم تتوافق مع افكارك ، فبهذا علاتك معه استلالية وليس ارتباطية ، لانه غير متحكم ،فهو يعطيك الشيء وينفصل عنك ،أي انفكاك العلة عن المعلول عكس ما يذهب اليه الالاهيون ، ومن هنا سوف اطرح نظرية الاحتمال ،التي مفادها ان العلة والمعلول مرتبطان بحدث ، وان امكانية حدوث الحدث مرتبطة بنسبة احتمال حدوثة مثلاً اذا ارسلنا مئة رجل الى حرب ومثلهم ارسلنا كل شخص الى دولة أمنة مدى احتمال اصابة المئة الاولى والثانية ،حتماً مئة الحرب احتمال الاصابة بنسبة كبيرة ، واذا كان كذلك فقد كنا قد هيأنا العلة لمعرفة المعلول ، في هذه الحالة انتفى القضاء والقدر  وعجز المتحكم او الموجد المزعوم عن فرض امكانياته للايجاد ، ومن هنا بعض الوجوديين يدحضون النظرية الالاهية بطرحهم ، اذا كانت الاحداث موجودة قبل حدوثها من قبل الواجد ،فلماذا يحاسب القاتل والسارق ، هنا ربط الالاهيون بين ارادة الانسان وارادة الواجد ، بانها علاقة مرنة غير متصلبة ومؤكدة لحدوث الحدث ، واذا كان الامر هكذا اذن ليس ثمة امر موجود قبل وجوده ولا هناك يوم مكتوب يموت فيه الانسان انما هو مقدر في حينه ، والالاهيون لا يستطيعون ان استسلموا لعدم الارتباطية لانهم سيواجهون بعجز الواجد وقصر علميته بالاشياء قبل حدوثها وكذلك القصر في الارادة ، لانه سيتعارض بين ارادته ورغبته وارادة الموجود ، ثمة شرطية حتمية غير منفصلة ،وهذا يعني ان الموجود لايحتاج الى شيء ليس تربطه علاقة بين حواسه ،لان العلة موجودة ضمن المعلول ،فهي غير موجودة بدون المعلول ،فهو من سبب وجودها وليس العكس ،فكيف تصنع وعاء بدون وجود مادة ، بينما الفكرة متوفرة داخل المادة وليس العكس ،والسؤال الاخر هل الخالق من أوجد الحروب ليمين اسماء معينة ، اذا كان كذلك لماذا الحساب واذا كان الانسان ، اين ارادة الخالق في التحكم في الاحياء والاموات ، أم هو من هيأ الظروف الكاملة ؟ وان الانسان طرف في هذه الظروف وليس خارج اللعبة ,فاما ان تكون علاقة تكميلية او متفردة من طرف واحد ، وفي الحالتين ينشب صدام بين العلة والمعلول ،فالاسباب موجودة والنتيجة معروفة من خلال قوة الاحتمال ،فعندما تمسك القلم والدفتر ، ما قوة الاحتمال انك ستكتب ؟ وعندما يمسك العامل المجرفة ما قوة احتمالية الجرف ؟ فالعلاقة التعلقية بين اليد والقلم نتيجتها الكتابة ، اما المعول واليد فنتيجتها الحتمية الحفر ، لان الكتابة مرتبطة بحركة القلم واليد ، وكذلك المعول واليد مرتبطة بالحفر ، هذه الاحتمالية هي من يودي الى النتيجة وليس واجد خارج المادتين ، فالعلة ليس لها وجود بدون المعلول فهل ثمة وجود للحرامي بدون حدوث السرقة أو وجود المسروقات .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان